لقاء مع القراء (3): السباحة في بركة التماسيح

حجم الخط
31

أبدأ مع رسالة محمد السلمان من «الامارات» (إلى منشوراتي) والذي يلومني على الكتابة في الصحافة وفي «القدس العربي» أسبوعياً بدل التفرغ لإصدار كتب روائية أدبية ويستشهد بلوم الأديب الراحل ياسين رفاعية لي وقوله: أنت لست في حاجة إلى المال فلماذا تهدرين موهبتك الأدبية في الكتابة الصحافية، كما يستشهد (بقول مشابه) للناقد جهاد فاضل بصيغة سؤال في حوار، وسواهما.
والإجابة ببساطة: الكتابة في الصحافة أعطت الكثير لرواياتي ولم تأخذ منها.. وعمودي الأسبوعي ليس سباحة في بركة التماسيح التي تقرض العطاء الأدبي بل هي الرافد الثري لشريان رواياتي.. وللدورة الدموية لكتاباتي الشعرية والنقدية والحوارية وسواها..

بين مستشفى المجانين وليل الصيادين!

لو لم أذهب إلى مستشفى المجانين في لبنان لكتابة تحقيق صحافي لما كانت شخصية بطلي فرح في روايتي الأولى مقنعة، ولو لم أذهب مع الصيادين ليلاً في مراكبهم لما كانت شخصية خليل في تلك الرواية حية، ولو لم أذهب إلى العرافات في بيروت والعرافين (وأنا لا أؤمن بإطلاع أحد على الغيب إلا الخالق) لما كتبت شخصية العرافة خاتون التي تنتقل من رواية إلى أخرى في «رباعية بيروت» الروائية والأمثلة لا تحصى..
أما الكتابة الأسبوعية للقارئ فهي أولاً تواصل مع إيقاع قلب العصر والدورة الدمـــــوية للآخرين بحيث تعيــــش أبجديتي في الرحم الحقيـــقي للعطــاء.. ثم أنني أستمتع بالتواصل الأسبوعي مع القارئ والكتــــابة أولاً متعـــة.. والأمثــــلة تطول حول فضل الصحافة على عملي الروائي وليــــس العكــــس. أكرر: الكتابة الأسبوعية ليست سباحة في بركة التماسيح التي تقرض العطاء الأدبي بل هي المحرض الأول له والنهر الذي يصب في بحره..

أين بقية تراث غسان كنفاني؟

يقول إبن بغداد نجم الدراجي: في هذا الشهر ذكرى ميلاد غسان كنفاني. وقد تعودنا أن تكتبي عن ميلاده بهمسات جديدة..
لقد حان الوقت يا أخي نجم لإصدار كتاب في ميلاد غسان يضم كتاباته التي لم تصدر بعد في كتاب وأتمنى على مؤسسته ان تتبنى ذلك بعيداً عن الاعتبارات الشخصية لكي لا تضيع تلك الكلمات المبدعة..
تراث غسان كنفاني الكتابي لمّا يتم جمعه بعد.. وصحيح أن الأستاذ دكروب قام بجهد محمود في جمع بعض كتاباته السياسية في كتاب.. ولكن غسان كان شاعراً أيضاً وكتب الكثير من الوجدانيات الشعرية الجميلة في زاويته «أوراق خاصة» في جريدة «المحرر» باسمه في أواخر الستينيات من القرن الماضي كما كتب مثلها في جريدة «الأنوار» وكان يوقعها باسم فارس فارس.. ولا أدري لماذا تم استبعادها من تراثه بعدما فقدت (فضائحيتها) الغزلية بمرور الزمن وصارت جزءاً من تراث غسان ومن الأدب العربي قبل أن تخص إمرأة بالذات أحبها وكتب لها أجمل الرسائل.. ثم أن غسان كنفاني كان أيضاً كاتباً ساخراً.. وما زالت ذاكرتي تحتفظ بالكثير من مقالاته الساخرة وأذكر على سبيل المثال نصاً بعنوان «داغ الفن» حين اتصل غسان هاتفياً بالمؤسسة الثقافية «دار الفن» في بيروت ما قبل الحرب وردت عليه عاملة الهاتف بلثغة فرنسية متعمدة «داغ» الفن بدلاً من «دار» الفن واستفز ذلك غسان!.. ولديه كتابات أخرى كثيرة ساخرة كما كان يكتب بعض المقالات في مجلة «الحوادث» تحت اسم «ربيع مطر».. وكان يكتب في تلك الزاوية بعض الصحافيين الكبار ولم يبق حياً منهم سواي ليدل على مقالات غسان.. كم أتمنى أن يصدر كتاب جديد في ذكرى ميلاد غسان الآتية يضم بقية إبداعاته المغيّبة..

مسؤوليتنا عن مآسينا العربية

أكتب باستمرار عن مآسينا العربية.. يلخص الكروي داوود جوهرها ومسؤوليتنا عنها بالتذكير بالآية الكريمة «إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم». ذلك يلخص جوهر الهزائم التي لا نتوقف عن (النق) حولها والشكوى ونكاد نتهم العالم الخارجي بالمسؤولية وننسى أولاً أفعالنا واقتتالنا في ما بيننا وعشق البعض (لوثنهم) الكرسي!..
رؤوف بدران من فلسطين يحرك الأشجان محاولاً إيقاظ الضمائر العربية ومذكراً بخرافات إسرائيل حول أرض فلسطين المسمّاة عندهم إسرائيل وحضروا إليها كغزاة محتلين..
ويزيد في ضيق العربي الحملة الإعلامية الغربية بمناسبة إعلان إسرائيل دولة، (أي النكبة عندنا) ونقل سفارة U.S.A إلى القدس وتكريسها عاصمة لإسرائيل.
ومن العناوين حول الوطن السليب فلسطين تسميته «بالأرض الموعودة لشعبين» والأفلام والبرامج الإعلامية الداعمة لإسرائيل في تلك المناسبة لا تحصى وما من صوت عربي مضاد.. وأتمنى على الجيل الشاب العربي من الإعلاميين الاهتمام بتقديم أفلام جذابة إبداعياً تجسد الحق الفلسطيني، وشكراً للقارئة الفلسطينية غدير ماهر من غزة التي تفاعلت مع كلماتي.. كما ستنك – اليونان.. وسلام عادل ـ المانيا
وكنت أتمنى التوقف مطولاً مع الإعلامي الكبير «سوري» وتوفيق عبد الرحمن وأبو محمد شهاب أحمد والدكتور العراقي أثير الشيخلي وأسامة كليّة وتوفيــــق عبد الرحـــمن والفلسطيني غاندي حنا ناصر وسواهم ولكن المجال ضيّق وما بالقلم حيلة..

لقاء مع القراء (3): السباحة في بركة التماسيح

غادة السمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية