لقد قتلتم الناس جميعا!

حجم الخط
2

لم يكن لإنسان منا أن يتصور ذات يوم أن تصل الأمور إلى هذا الحد من
الانهيار المعنوي والأخلاقي الذي تعيشه أمتنا العربية اليوم، ولربما من خطط ودبر خطة الانهيار الحالية لم يكن يتوقع سرعة ذلك الانهيار وتداعياته وكامل تفاصيله، التي نشهدها عبر ميادين المواجهة في عدة ساحات ومدن وعواصم عربية.
فاختلاط الحابل بالنابل، وتقسيم المقسم وتجزيئ المجزأ، لم تعد أمورا مستعصية أو مستحيلة، خاصة في ظل تصاعد الحديث المحزن عن تقسيم ليبيا واليمن وسوريا والعراق، لكن انهيار الجغرافيا جميعها لم يعد السمة الوحيدة لعصر المذلة التي نعيش، بل تتقاطع معه حالة التوظيف الهائلة لإحباطات الناس وجوعها وحرمانها وبطالتها وكبتها وقمعها وعزلتها، باتجاه تهييج المشاعر وتحولها نحو الوحشية وإلباسها لباس الدين الحنيف، لإضفاء نوع من الشرعية والقداسة عليها.
فالقتل والحرق والشنق والذبح لم تعد من المحرمات، بل وظفت معها وسائل الاتصال الحديث لبث الرعب وإشاعة الفزع والفوضى وكسر النفوس والاستقواء على آدمية البشر وحرماتهم وكراماتهم.
تصرفات تنسب إلى دين قاده نبي عظيم لم يرض لامرأة ذات يوم أن تحبس هرة، فأعلمها بجهنم مثوى لها على فعلتها، نبي جاء ليتمم مكارم الأخلاق ويشيع رسالة الحب والمودة والإخاء وسط «خير أمة أخرجت للناس»، وليؤكد أن من يقتل نفسا بدون حق «فكأنما قتل الناس جميعا». اليوم تزهق أرواح وتنحر رقاب وتقطع رؤوس وتحرق أجساد باسم الدين، الذي لن يكون إلا بريئا طاهرا من كل ما يدنس مكارم الأخلاق وعظمة رؤيته وقداسة مراميه وأهدافه ورسالته.
لقد قتل الناس جميعا في العالم العربي آلاف المرات، فمنهم من قضى نحبه منحورا، ومنهم من نحره الهم والحزن والكرب على انهيار هذا العالم وتفكك أركانه وسطوة الجهل والتكفير في بعض زواياه وأجزائه، ولربما نحتاج اليوم إلى التدقيق اللصيق والتمعن الحثيث بمسببات ولادة الروح الإجرامية واستسهال القتل، وهذا الانعكاس اللئيم للحقد والغل الذي نراه اليوم.
فلو أننا وضعنا المؤامرة جانبا ومعها دور الوكالات الاستخبارية العديدة في تدمير وتفكيك العالم العربي، فإننا لن نرى إلا ضرورة التدقيق في خلفيات الجرائم الشنيعة التي نشهدها اليوم، وتبث عبر الفضائيات والمواقع الإلكترونية ومنصات الإعلام الاجتماعي، خاصة أنها فاقت ما قرأناه في نشأتنا في كتب التاريخ ذات يوم، معتقدين بأنه أسوأ ما حصل من مشاهد دموية.
فكلنا عرف بحرق روما في عهد الإمبراطور الروماني نيرون، وكلنا سمع بدجلة الذي تحول ماؤه إلى اللون الأحمر نتيجة الدماء وإلقاء كتب مكتبة بغداد فيه، في عهد هولاكو المنغولي، بل كلنا قرأنا عن هيروشيما وشاهدنا البوسنة ورواندا وليبيريا وغيرها من محطات أزهقت فيها أرواح وأجناس، لكننا اليوم نشهد في عالمنا العربي ما قد يفوق بدرجات بعض تلك المحطات، بصورة تنافي قيمنا وأخلاقنا، فما هو السر الدفين وراء هذا الغل وما هي أسبابه وخفاياه؟
الموضوع لا يمكن أن يلخص في مقال واحد، بل يحتاج إلى تحليل ديني واجتماعي واقتصادي ونفسي، كما يحتاج إلى التبصر في فك طلاسمه ومصدر ولادته. فإما أن نكون قد غفلنا غلوا قد جرى توليده لعقود في أقبية التآمر، أو أننا بتنا أمام أناس من كوكب آخر. وبين هذا وذاك سيستمر مسلسل القتل مع كل قنبلة تنفجر وكل قذيفة تطلق وسيستمر معه «قتل الناس جميعا»!

٭ كاتب فلسطيني

د. صبري صيدم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية