يعد مفهوم التعايش من المفاهيم المتداولة والمعروفة عند معظم شعوبنا العربية، إلا أن إمكانية تطبيقها في عالمنا العربي صعبة جداً في ظل إرث تم توارثه عبر سنوات عديدة من الآباء والأجداد بتعظيم العرق والطائفة والفكرة الواحدة، بمقابل التحقير والتصغير لأي فكرة أو عرق أو طائفة تناقض أو تعاكس تلك الفكرة. وهناك أسباب كثيرة رسخت ذلك في الذهن العربي ولا يسعنا هنا ذكر جميع الأسباب التي عززت ونمت مفهوم الفكرة الواحدة في الذهن العربي، وما يهمنا هنا الوصول إلى الطريقة التي تخلصنا من هذا المفهوم، مفهوم الفكرة الواحدة، الذي أصبح في الآونة الأخيرة مصدر قلق وتشريد وقتل للشعوب العربية للأسف.
وبسبب الخراب والدمار الذي ينشأ في الأساس من الإيمان بالفكرة الواحدة فقط وعدم قبول الآخر لا بل شيطنته ووجوب الخلاص منه، ولدت سلسلة من الإحباطات عند العديد من المثقفين والمفكرين العرب وبعض العامة من الناس؛ بأن لا مناص من الخلاص من هذا المأزق وأن العربي كتب عليه مثل هذه الحياة وهذه الصراعات، لا بل توجه العديد منهم في تشويه التاريخ العربي والإسلامي وبأن ما يحصل معنا في هذه الأيام هو نتاج الخلاف بالأمس، وهذا يعاكس تماماً تاريخنا وحضارتنا التي نمت وترعرعت تحت مفهوم التعايش فتلك الحضارة التي قامت في بغداد وفي الأندلس طبقت مفهوم التعايش بحذافيره فأنشأوا قوة وحضارة لا تضاهيها قوة في ذلك الزمان.
ولا يمكن لأي مجتمع بشري أن يعيش بسلام إلا إذا استوعب جميع طوائف وأطياف المجتمع الدينية والعرقية وغيرها من الأطياف، أن لا مناص من استيعاب الآخر، وأنه لا يمكن لأي طائفة أو طيف في أي مجتمع أن ينهي ويهزم باقي الأطياف والطوائف ويهدم فكرها، لا بل سيبقى الشقاق والنزاع والحروب والتشريد والذبح على الهوية قائم، ويمكن توريثه لأجيال.
وللخلاص مما نحن فيه من خراب ودمار وحروب وانتقام وخلاف ونزاع لابد من الاستدلال إلى الطريق الصحيح، الطريق الذي يُرسم من خلاله مفهوم التعايش، ولا يمكن الاستدلال على هذا الطريق إلا من خلال سلسلة من الأجيال المتتالية التي تذوق من الألم والعنف ما لا يطاق، وفي النهاية لا تصل إلى نتيجة ولا يستطيع أحدها أن ينتصر على الآخر ولا ينهي أو يقصي الآخر، وبعد هذه السلسة من الأجيال يأتي جيل على الأمة يمحص بكل ما حصل مع آبائه سابقا وبما ورثه من آبائه وأجداده من الأحقاد والتشبع بالفكر العنصري فكر الإقصاء والتطرف، ولا يريد من هذه الحياة إلا العيش الكريم فتتقابل الأضداد من كل طائفة أو عرق وترسم لها سياسة وقانون تضع الجميع على مسافة متقاربة تضمن المعنى الحقيقي للتعايش، فتلك الأمم التي سبقتنا كالأوروبيين في العصر الحديث الذين ذاقوا ما ذاقوا من ويلات الحروب والقتل والتشريد بسبب العنصرية التي لم يجنوا منها إلا العنف، فما كان من أجيالهم اللاحقة إلا الوقوف عند كل نقاط الخلاف وتجسيد مفهوم التعايش بين جمع الطوائف فيها ورسم قانون يضع الجميع على مسافة واحدة، وكانت نتائج ذلك مذهلة فازدهر الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا وسبقوا معظم الأمم بالعالم.
فلا ازدهار ولا تطور في عالمنا العربي إلا بتجسيد مفهوم التعايش في أذهان أبنائنا لنصل في النهاية إلى الجيل الذي لا يؤمن إلا بفكرة الحياة المشتركة بغض النظر عن دينك أو طائفتك أو عرقك أو إلى أي بلد تنتمي.
د. موسى كوفحي