■ لأنها اعتمدت على مصادر مسيسة، أرادت تمرير روايتها، كمستشار من الحكومة العراقية التي قد تدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية بأخبارها الملفقة التي لا تنتهي. لكن الصحافيين الغربيين، والكثير منـــهم اصدقاء اعزاء، يتوخون في العـــــادة الموضوعية، ولا ينحازون بسهولة لطرف، كما يحصل مع معظم الصحافيين العرب، فما الذي حصل معهم ليقعوا في فخ أخبار مزيفة أريد تمريرها في إطار حرب إعلامية من الحكومة العراقية؟
السبب الرئيسي أن الملف العراقي والسوري بات أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، وأصبح من الصعب على صحافي أجنبي ولو كان مهنيا أن يستشعر نوايا مصادره، وأن يلم بدوافع من يتحدث إليهم، فالإسلاميون أنفسهم منقسمون حول الجهاديين، والجهاديون أيضا منقسمون حول «تنظيم الدولة»! وهكذا فإن لكل طرف مصلحة ما ورواية يريد تمريرها، طبعا المؤسسات الإعلامية العربية جاهزة لذلك، لأنها أصلا مسيسة مسبقا، إما لهذا الطرف أو لذاك، لكن الجديد أنه حتى الصحافة الغربية قد تصبح أحيانا اسيرة محيط معين، فعلى سبيل المثال اثنتين من كبريات الصحف الغربية تحدثتا إلى المصادر نفسها في ما يتعلق بإصابة البغدادي وعجزه وتعيين العفري نائبا، ومنهم مستشار في حكومة بغداد كان منتميا لأحد الفصائل الجهادية، قبل أن ينقلب عليها، وحصلتا على المعلومات الخاطئة نفسها، التي كان من الغريب جدا أن تظهر على صفحاتها رغم ما اعتراها من هنات بالغة، مثل أن ابو علاء العفري التركماني، هو الذي سيتولى موقع البغدادي، وهي معلومة يجب ألا تمر على مطلع على تنظيم يحدد مواصفات الخليفة بالنسب العربي بل القرشي، وكان من الممكن لو بذل الصحافيون الغربيون جهدا أكبر للوصول لمصدر مقرب من التنظيم في الموصل لنفى لهم تلك الأنباء وبتبرير منطقي، كما نشرناه في موضوعنا في «القدس العربي»، الذي كان الموضوع الوحيد الذي نفى إصابة البغدادي وتعيين العفري خليفة له، في طوفان من الاخبار من صحف كبيرة تقول عكس ذلك، فكانت مشكلة الصحف الكبرى انها اعتمدت على مصادر قليلة المصداقية، وصدقتها!
ولم يكن أحد ليقتنع بصحة الخبر او خطئه، إلا بعد أن اصدرت المخابرات الامريكية تصريحا رسميا قبل خطاب البغدادي بيومين قالت فيه إن البغدادي بخير، وهو ما زال يدير تنظيم الدولة، ثم بعدها بيوم جاء خطاب البغدادي ليظهر مواصلة امساكه بزمام السلطة. وهذا ايضا ما حصل في موضوع صحيفة «دير شبيغل» التي نشرت موضوعا طويلا عن الحجي بكر، وقالت إنه ضابط في «المخابرات الجوية»، واعتمدت على هذا التوصيف لتبني تصورا كاملا لتنظيم الدولة انه بني بتصميم خلية استخباراتية من النظام السابق. وأيضا أوضحنا في موضوعنا السابق أن حجي بكر لم يكن ضابط مخابرات، ولم يكن هناك جهاز في العراق اسمه المخابرات الجوية، والذي حصل مع صحافيي «الغارديان» و»النيوزوييك» باعتمادهم مصادر من الحكومة العراقية في مسألة البغدادي، تكرر مع صحافي «دير شبيغل» باعتماده مصادر من فصيل اسلامي سوري، لديه نزاع دموي مع تنظيم الدولة، ليتبنى ما تريد تلك الفصائل ترويجه حول تنظيم الدولة في نزاعها معه، مثل ربط التنظيم بالبعث العراقي وبأجهزة المخابرات العراقية، في مسعى منها لبناء تصور معاد للتنظيم عند السوري الثوري الذي يكره البعث في سوريا، والمخابرات الجوية، فجاء موضوع «دير شبيغل» متبنيا روايات اعتيد نشرها من قبل بعض الناشطين محدودي الفهم السياسي، على صفحات شبكات التواصل، لا تصلح ابدا لنشرها في مجلة رصينة، كان من الاجدر بالصحافي الغربي أن يتعمق أكثر في الملف، ليدرك أن هناك فرقا بين بعث سوريا الذي تحالف مع ايران، وبعث العراق الذي قاتل ايران لعقود، وكانت جوازات سفر مواطنيه تسير بسماح السفر إلى كل بقاع العالم ما عدا سوريا والعكس صحيح، لذلك فإطلاق تهمة على شخص بربطه ببعث العراق من المفترض أن يطمئن ثوار سوريا لا أن يخيفهم.
اما المفارقة الاخرى، فهي الاعلام العربي الذي اخذ يترجم وينشر كل ما جاءت به الصحف الغربية، بتقديس تام، ولم يكلف نفسه التدقيق او عمل تحقيق خاص لسبر الموضوع، في إطار تبعية ثقافية ومعلوماتية لا تنتهي على ما يبدو، ومن كان الضحية؟ الجمهور العربي، الذي قرأ ايضا هذه المعلومات بكل ثقة كونها من صحف عريقة، وهي كذلك، صحف عريقة لكنها ليست قادرة دائما على التعامل مع تعقيدات الملفات الحالية، والرغبة الجامحة للأطراف السياسية في ترويج روايتها، وليس خبر البغدادي مهماً مقارنة بأخبار وتصورات اخرى خاطئة من الاعلام الغربي، وأكثر من الاعلام العربي ترسخ فهما غير موضوعي للكثير من الأحداث، لتتراكم مجموعة معلومات خاطئة في ذهن المواطن وتقوده بالتالي إلى تحليلات خاطئة، أحد تجلياتها تبدو في نظرية المؤامرة، التي تعكس عجز العقل عن تفسير ما يحدث بأسبابه الواقعية المتصلة بأطراف الصراع المباشر فيلجأ لتفسيرها بقوى الخارج. ولكننا نعذر الصحافيين الغربيين في امرين، اولا انهم قدموا تغطيات صحافية وتحليلية لشؤوننا بشكل موضوعي، ما يكفي ليشفع لهم، ووسائل اعلامهم المكتوبة والمسموعة والمرئية كانت وما زالت المصدر الاكثر وثوقية نسبيا لدى الكثير من العرب، الذين لم ولن يثقوا ابدا لا بالاعلام الحكومي ولا بالاعلام العربي المرتبط بلوبيات السلطة العربية.. فالصحافة الاجنبية غطت بشكل ثري وغني اهم ازمات المنطقة منذ عقود، وباتت أعمال المؤسسات الاعلامية الغربية المكتوبة او المصورة جزءا من ذاكرتنا، بل كرست دفاعنا عن قضايانا التي كانت دولهم الغربية في موقع الخصم فيها من مشاهد محمد الدرة في فلسطين حتى سجون ابو غريب في العراق.
الأمر الثاني هو ما قاله أحد الأصدقاء الباحثين في مركز كارنغي، وهو يحاول أن يفسر كيف تمرر بعض القصص الصحافية غير الدقيقة عن بلادنا لتنشر في الصحف الغربية، إذ عزا ذلك لعدم توقع الصحافي الغربي لوجود هذه القدرة المذهلة من السياسيين في بلادنا على الكذب، او تعود الكثير من شعوبنا على اختلاق اي حادثة لخدمة قضاياهم، بلا أي اكتراث لمدى صدقيتها.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام