ليس هناك من مطلع على الغيب حتى يؤكد حتمية اندلاع «ثورة الغلابة» أو ينفي وقوعها نفيا قاطعا، وليس لأحد أن يدعي علما ببواطن الأمور حتى يصر على أن «ثورة الغلابة» هي ثورة شعبية صادقة وانفجار طبيعي نتيجة لتدهور مستوى المعيشة وغلاء الأسعار، أو أنها مخطط مرسوم من قبل النظام والأجهزة الأمنية والمخابراتية المصرية « كما يشيع البعض»! إلا أن أمورا حدثت مؤخرا على الساحة المصرية تضطر الكثير إلى التساؤل عن سببها ودوافعها وعلة توقيتها! أهمها اصرار الحكومة المصرية على «تعويم الجنيه» ورفع أسعار الوقود بنسبة 50٪ في مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، رغم يقينها بأن قرارات «كارثية» كهذه كفيلة بحد ذاته لغليان الشارع المصري وتأجيجه إلى حد الانفجار! لا سيما وأن الشعب لم يكن قد استوعب بعد حزمة القرارات الاقتصادية «المريعة» التي أقرتها الحكومة مؤخرا، كرفع أسعار السلع الأساسية والكهرباء وغيره، فهل إصرار الحكومة على اتخاذ مثل هذه القرارات في توقيت «حرج « كهذا، (رغم علمها بالنداءات المهيبة بالشعب لاستنفاره)، هي قرارات مقصودة بهدف استفزازه والدفع به بالقوة الى المشاركة ؟ أم هي قرارات «غير محسوبة» من حكومة «غير مكترثة» تتعامل مع شعبها بمبدأ «حعمل ألي أنا عايزه وأعلى ما بخيلكم أركبوه» ؟ أم هي حقا قرارات حتمية الصدور ولم يكن بالإمكان تأجيلها لضرورات الإصلاح الاقتصادي في أقصى وقت ممكن، لتفادي مزيد من التدهور «كما يدعي النظام»؟
بادئ ذي بدء، لا بد من التأكيد بأن «السيسي» ونظامه، مسؤول مسؤولية كاملة عن الوضع المزري الذي آل اليه الشارع المصري وما تبعه من غضب شعبي عارم، ولا يمكن تبرئة ساحته من أي تبعات سيئة مقبلة، سواء أكانت في القريب العاجل او البعيد وإن ثبت صدق ادعاء النظام وحسن نواياه من وراء تلك القرارات الاقتصادية، فحسن النوايا « إن ثبتت» لا يعفيه من كونه المتسبب الأول والوحيد في وجود الأزمة الراهنة وإصراره على التعامل معها بعقلية «طالب محاسبة» في سنه أولى، كل ما في جعبته هو «الجنيه» و «الفكة» لحل أزمة اقتصادية كبيرة بهذا الحجم!
وعندما تدهور الاقتصاد أكثر نتيجة لسياسته الفاشلة، اختار آخر الحلول وأكثرها ضررا وهو «تعويم الجنيه»، دون التدرج أو اتباع إجراءات ضرورية لتفادي الوصول اليه، معتبرا بأن أول العلاج «الكي» وليس آخره! ففي مقابلة أجرتها شبكة الـ BBC العربية، صرح «د. رشاد عبدو» رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، قائلا :» أن مصر بوضعها الحالي لا تملك كثيرا من الخيارات، وأن هناك طريقين لتحرير سعر صرف الجنيه أحداهما التحرير والآخر الخفض التدريجي، لكن الحكومة اختارت التعويم لأنه أحد شروط صندوق النقد الدولي للحصول على القرض»، بينما نفى «د. عمرو صالح» أستاذ الاقتصاد السياسي ومستشار البنك الدولي السابق في تصريح له لـ BBC أن تكون الحكومة المصرية قد لجأت إلى «تعويم» الجنيه بناء على إملاءات صندوق النقد الدولي مؤكدا أن القرار جاء بإرادة مصرية بحتة، وأن صندوق النقد يقدم مجموعة من النصائح التي يمكن الأخذ بها أو تجاهلها، كما حدث في عام 1991 عندما وقعت مصر مع صندوق النقد ذاته اتفاقا للإصلاح الهيكلي، إلا أن القاهرة رفضت تنفيذ خطة الاصلاح طبقا لرؤية الصندوق، وظلت تهيئ الرأي العام لمدة عامين، رتبت فيها أوضاع الاقتصاد وفق خطة مصرية، نجحت فيها إلى حد إبهار الصندوق «على حد تعبير أستاذ الاقتصاد»، وأضاف « د. عمرو صالح» قائلا: «أن تعويم الجنيه جاء من خلال قفزة قدرت بحوالي 40٪ من السعر الرسمي وكان أولى أن يتم «التعويم تدريجيا» حتى يصل الى هذه القيمة بعد فترة زمنية، لأن هذه القفزة الكبيرة في سعر الصرف تضيف صدمة أخرى إلى سلسلة صدمات وجهها النظام للسوق المصري، ومنها ارتفاع الأسعار مرات متتالية في فترة زمنية وجيزة»، إذن فقد لعب «السيسي» في أزمة «تعويم الجنيه» دور «لاعب الجمباز» الذي قفز مباشرة الى آخر الملعب، مع فارق أن «لاعب الجمباز» كان على استعداد تام وتدريب مسبق يؤهله إلى الوقوف على قدميه بعد تلك القفزة اللولبية، بينما قفز «السيسي» قفزة أدت إلى كسر رقبة الاقتصاد المصري. وبالعودة مجددا إلى نوايا النظام المصري وراء اتخاذه تلك القرارات الاقتصادية «الشنعاء» في هذا التوقيت الحرج، وهل الهدف من ورائها هو استفزاز الشعب ودفعه إلى المظاهرات؟ أو عدم الاكتراث لحال المواطنين واستبعاده القيام بأي مظاهرات نتيجة لانشغال الشعب بتأمين لقمة العيش؟
إن الحديث عن الفرض الثاني يجعلنا أمام مصيبة أعظم وأكبر! إذ لا يعقل أن يكون «السيسي» مغيبا تماما الى حد الاستهانة بما وصل إليه غضب الشارع الذي بات كالقنبلة الموقوتة الآيلة للانفجار في أي وقت! واستبعاده قيام ثورة ضارية من شأنها أن تطيح بالنظام والرئيس شر إطاحة أكان عاجلا أم آجل! إذن فلم يبق سوى تفسير منطقي واحد لا غير، ألا وهو تعمد «السيسي» ونظامه استفزاز الشعب وان كان الثمن هو إشعال نار الثورة! وحتى أكون منصفة في التحليل، لا بد وأن أطرح سؤالا بديهيا لا بد وأن دار في رأس كل منا، إلا وهو « هل يعقل أن يكتب السيسي نهايته بيده؟» أو «هل النظام بهذا الغباء حتى يخطط هو بنفسه لاستدراج الشعب إلى ثورة تطيح به؟»، وللإجابة على هذه الأسئلة «المنطقية» وما شابهها، لا بد من التنويه إلى أن الأمر ليس بهذه الصورة ولا على هذه الشاكلة البسيطة والساذجة، أي أن «السيسي» لن يأخذ بيد الشعب المصري «المرفه» إلى الثورة، كما يأخذ الأب بيد ولده «المدلل» ليصحبه إلى المدرسة أو إلى رحلة! فالأمر بالطبع أعظم من هذا وأكبر بكثير، فزمام الأمور قد أفلت «أو في طريقه للإنفلات» من يد «السيسي» والنظام المصري برمته، ولم يعد في استطاعته أن يعيد عقارب الساعة إلى الخلف ليسيطر عليه، بيد أن «السيسي» يعي تماما أن شعبيته في انخفاض حاد وتكاد تلامس الصفر إن لم تكن اقل، ولا أمل له في البقاء في سدة الرئاسة بعد أن دمر مصر ، إذن ففي أفضل الأحوال فلا فترة رئاسية جديدة لـ «السيسي»، إلا أن كل المؤشرات الداخلية والخارجية، المؤيدة والمعارضة، العالمية والمحلية تؤكد بما لا يعد للشك، بأن الشعب قد ضاق ذرعا بكل تلك الأعباء التي حملها ولا يزال يحملها، وأنه عازم على القيام بثورة قبل موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، إذن فلا حل أمام «السيسي» سوى أن يرتدي بذلته العسكرية ويستعد لمواجهة الشعب فيما هو آت، وبدلا من أن يأخذ موقع الدفاع ، فضل أن يكون في الهجوم، ويبدأ هو معركته خاصة وأن دولا إقليمية وعالمية أوحت إليه بأنها حتما ستكون في ظهره في حال وقوع ما لا يحمد عقباه، لا سيما وأن إسرائيل الحليف الأهم لـ «السيسي» ليست ببعيدة عما يجري في مصر حاليا.
إذن فقد بدأ « السيسي» استعداداته تحسبا لأي فعل شعبي، وأول ما بدأ به فعليا هو توزيع الجيش، ونشره في ارجاء القاهرة وتعزيزه بقوات أخرى من الصاعقة والمشاة المتواجدة في الإسماعيلية والسويس وسيناء، بهدف تهديد الشعب وإخافته في حال فكر في الخروج في ثورة ضد النظام، واستعدادا لضربه بيد من حديد اذا ما لبى الشعب النداءات وخرج ثائرا، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تم تداول أخبار بأن مخططا تم وضعه للزج بالمعارضة وعلى رأسها الإخوان وللإطاحة بهم والتخلص منهم عن طريق اتهامهم بإشاعة الفوضى في البلاد، حيث صرح مصدر رفيع المستوى في جهاز الأمن «رفض ذكر أسمه» بأن هناك تعليمات صدرت بالفعل لقيادات الجهاز الأمني وأفراده بسحب كافة الذخيرة الموجودة معهم، والتي تحمل اسم وجهة الصنع ومصدرها، واستبدالها بأخرى مجهولة المصدر، لاستخدامها في حال خرجت المظاهرات عن السيطرة، وإطلاق عيارات نارية عشوائية على المتظاهرين واحداث اصابات في صفوفهم، بهدف توريط المعارضة وعلى رأسها جماعة الإخوان واتهامهم باستخدام الأسلحة والذخيرة المجهولة المصدر، ومن ثم تبرئة ساحة المؤسسة العسكرية بأن الذخيرة المستخدمة غير تابعة للجيش وقوات الأمن المصرية، ومحاولة تصدير الصورة للرأي العام على أنها محاولة استغلال قامت بها المعارضة والإخوان على وجه التحديد لإثارة الفوضى وإحداث الوقيعة بين الجيش والشعب، بالتالي تفقد المظاهرات شرعيتها ويتحول الصدام من مواجهات بين المتظاهرين مع الدولة، إلى صدام ضد الإخوان.
٭ كاتبة فلسطينية
سامية أنور دنون: