لماذا أنا مسلمة؟

حجم الخط
10

ببساطة شديدة، لأني أومن بأن جميع الناس منذ بدء الخليقة فطرهم خالقهم على معرفة وجوده، وعلى التسليم بهذه المعرفة «فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله…» (الروم 30) وقد أشهد الخالق النفس الانسانية على ذلك حين خاطب بني آدم وهم في صلب آبائهم منبّها «ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا» (الأعراف 172) فهذه هي الشهادة بالاسلام للّه بمعناها الشامل.
وقد كرّم الخالق بني آدم على غيرهم من المخلوقات بالعقل، ليكونوا قادرين على القيام بالمهمة الموكولة اليهم على هذه الأرض، مما استلزم بالضرورة منح بني آدم الحرية الكاملة، ليتمكنوا من تطوير المعرفة والبناء عليها، من خلال اطلاق التفكير بالتحليل والتركيب والاضافة والاكتشاف. وشملت الحرية الانسانية حرية الاختيار من أوسع أبوابها، الى حدّ القدرة على التصريح بفطرة الاسلام التي خلق عليها الانسان، أو ستره هذه المعرفة وانكارها والكفر بها فالكفر لغة يعني التغطية والستر- وذلك لغروره ورغبته في الشعور بالتميّز والتفوّق على غيره من البشر، وتغليب مصلحته وهوى نفسه على مراعاة حق الآخرين.
فلماذا اخترت بكامل حريتي ألا أنكر هذه الفطرة، وأن أحاول جهدي احياء النفس اللوّامة في داخلي؟ ولماذا اخترت أن أتّبع شرعة الاسلام في صيغته النهائية، كما تنزّلت على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلّم)؟ هل تمّ ذلك بفعل الوراثة لكون والديّ مسلمين؟ وهل يتفق الاسلام بالوراثة والولادة مع التطبيق الصحيح لحرية الاختيار وإعمال الفكر الانساني واتخاذ القرار عن وعي وادراك؟ لقد حذّرنا الخالق جلّت قدرته من الوقوع في فخّ الاتباع والانقياد حتى لآبائنا دونما وعي وادراك، وأمرنا بالنظر والتبصّر وأخذ العبرة في كل ما نقوم به «ولا تقف ما ليس لك به علم ان السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا» (الاسراء 36).
لقد طالبت جميع الأمم عبر العصور بالحرية والمساواة والعدل منذ ثورة العبيد على الرومان قبل الميلاد الى ثورات الشعوب المعاصرة. فما موقع هذه الشعارات في دين الاسلام الخاتم؟ أما الحرية، فقد أطلق دين الاسلام العنان لها من أوسع أبوابها الى حدّ ترك الحرية باتباع هذا الدين أو انكاره «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر…» (الكهف 29)، وتمّ فرض المساواة بين جميع البشر بدون تمييز في اللون أو الجنس أو العرق. كما فرض هذا الدين الحكم بالعدل ماديا كان أم معنويا.
ومع تطبيق المبادئ الأساسية للدين الاسلامي ازدهر حال المجتمعات الاسلامية في أقلّ من خمسين عاما، وأسّست حضارة امتدت الى كل مجالات الحياة المادية والفكرية والفنية، ونهل منها العالم كله، حتى أن العالم الرياضي الفيلسوف الانكليزي روجر بيكون كتب في منتصف القرن الثالث عشر: من أراد أن يتعلّم فليتعلّم العربية لأنها لغة العلم.
الاّ أن هذه النهضة سرعان ما أصابها الانحدار عندما أهملت الأخذ بمبادئ الاسلام الأساسية، مع التنازع على السلطة التي باتت وراثية، وجنحت الى الترف والاسراف، ووقف على بابها المتملقون بمن فيهم رجال الدين الذين سقطوا في متاع الدنيا الفانية فغيّبوا الدعوة الى كلمة الحق، وعمّ الفساد والظلم وهضم الحقوق، وتفرقت الأمة وضعفت، فسقطت بغداد على يد المغول، وبدأ انهيار حضارة فقدت عناصر قوّتها. ورغم مرور أكثر من 750 عاما على تلك الكارثة، بقي حالنا في العمق على ما هو عليه، اذ تجاوزت السلطات المتعاقبة، المبادىء الكلّية الجامعة في ديننا حماية لمصالحها، وتعاملت فقط مع الجزئيات التي لا يجوز تطبيقها بمعزل عن الكلّيات، فبدون الحرية والمساواة والعدل وتوفير العلم النافع تغدو الأحكام الجزئية منقوصة وخارج اطارها الصحيح، فلا أثر فيها ولا نفع منها.
لقد أصبح للدين رجال محترفون يفسّرون النصوص وفق هواهم ويدّعون امتلاكهم الحقيقة المطلقة، ويلصقون بالسلطة الحاكمة القدسية والحصانة، ويعزون ما يستشري في مجتمعاتنا من جوع وفقر وهضم حقوق بأنه القضاء والقدر، الذي يستوجب معه السكوت والقبول لأنه من ارادة الله. وأصبح عامة الناس يأخذون الفتاوى والأحكام الصادرة عن هؤلاء الذين يفسّرون النصوص كما تهوى نفوس حكامهم، فيجتزئون منها ما يناسب مقالهم لا حقيقة الدين، فبات حالهم منطبقا ومتماثلا مع قوله تعالى «الذين جعلوا القرآن عضين٭ فوربّك لنسألنّهم أجمعين٭ عمّا كانوا يعملون» (الحجر 91-93) فأين نحن من دولة الاسلام التي تحرّم على المسلم أن يبات مرتاحا وهو يعلم أن جاره جائع، وتعمل على تقويم الحاكم إن أخطأ، كما طالب بذلك الفاروق العادل، الناس حين تولّى الحكم، فما بالك بظالم فاسد. أين هي الأمة التي أنارت العالم بالحكمة والعلم والعمل؟ وأين هم رجال الدين الذين لا يخشون في الحق لومة لائم، أين نحن من علماء المسلمين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومنهم الشهيد عبد الرحمن الكواكبي الذي كتب منذ أكثر من مئة عام في كتابه «أمّ القرى»، «انّ بلاءنا من تأصل الجهل في غالب أمرائنا المترفين، الأخسرين أعمالا، الذين ضلّوا وأضلّونا السبيل… والبلية أننا فقدنا الحرّية…فالحرية هي روح الدين ومنها، حرية التعليم والعدالة بأسرها…» فبماذا تراه سيصف حالنا هذه الأيام مع بلائنا بصور مشوهة تتطابق مع ما يريده ألدّ أعداءنا لنا، ومنهم الصهيوني برنار لويس الذي عزا سبب تخلفنا بأنــــنا غير قابلــين للتطوّر، بسبب النظم التي يرسّخها ديننا الاسلامي، كما ساهمنا نحن وما زلنا بتعميق هذه الصورة القاتمة بوصف ما يحدث بالتطرّف الاسلامي، بينما الأولى وصفه بالانحراف والاجرام الذي لا علاقة له بالاسلام.
ليس الأمر بهيّن، فقد تربّينا ونشأنا في مجتمعات افتقدت وما زالت أسس الاسلام الصحيح في الحرية والمساواة والعدل والعلم والتعاون والوحدة، ففقدت بالتالي عزّتها وكرامتها، لأنها أضاعت المضمون وأبقت القشور. وصدق الرسول الكريم حين قال: (تتكالب عليكم الأمم كما تتكالب الأكلة على قصعتها.قالوا: أمن قلّة يا رسول الله؟ قال: بل من كثرة ولكنكم غثاء كغثاء السيل) وباللغة المعاصرة، فان هذا الحديث الشريف يعني أنه سيأتي زمـــان تنقضّ فيه الأمم على المسلمين (التحالف) ليأكلوا خيراتهم بشراهة وشراسة، وعندها لن يكون المسلمون قليلي العدد بل كثيري العدد، ولكنهم كزبد النهر الذي يطفو خفيفا دونما فائدة أو أثر! لأنهم أضاعوا أسس قوتهم ومناعتهم.

٭ باحثة فلسطينية

ريما كمال

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية