لماذا السكوت الروسي في سوريا؟

حجم الخط
2

موسكو ـ «القدس العربي»: بعد مرور شهر على فرض نظام وقف إطلاق النار في سوريا، لا يمكن الحديث عن «هدنة» حقيقية. فوفقا لمعطيات المركز الروسي للمصالحة بين أطراف النزاع في سوريا، تم تسجيل 38 خرقاً للهدنة خلال الأسبوع الفائت في محافظات اللاذقية وحمص ودمشق وحماة وحلب. ووفقا لمعلومات وسائل الإعلام الأجنبية ووزارة الدفاع الروسية، استهدف الطيران الروسي مواقع جهاديين من تنظيم «الدولة الإسلامية» وجبهة النصرة في محافظات حلب والرقة وحماة.
وأعلنت هيئة الأركان العامة للجيش الروسي أن المقاتلات الروسية استهدفت خلال الأشهر السبعة الماضية نحو 29 ألف موقع للإرهابيين فى سوريا، من بينهم أكثر من 200 موقع لاستخراج النفط وأكثر من 2000 صهريج لنقله، لافتة إلى أن خبراء المتفجرات الروس قاموا بتفكيك أكثر من 3000 عبوة ناسفة فى تدمر الأثرية.
كما شدد الفريق سيرجي رودسكوي قائد إدارة العمليات في هيئة الأركان في كلمة ألقاها، خلال مؤتمر قضايا الأمن الدولي المنعقد بموسكو، على أن ذلك ألحق خسائر جسيمة بموارد تنظيمي «داعش» و»جبهة النصرة» وأفقدهما مصدرا رئيسيا لتمويل عملياتهما وقيد إمكاناتهما في شراء الأسلحة والذخائر.
لكن نتائج التسوية السياسية في سوريا ليست كبيرة بهذه الغاية.
وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 21 نيسان/أبريل للمرة الأولى أن في روسيا تعمل مجموعة، ليست من الطائرات فقط، ولكنها تضم قوات جوية وبحرية بالإضافة إلى البرية. وفي هذا الخصوص، أفادت الصحيفة الأمريكية «وول ستريت جورنال» أن الاستخبارات الأمريكية سجلت نقل المجموعات الروسية المدفعية إلى شمال غرب حلب ومحافظة اللاذقية حيث تجري العمليات العسكرية في الوقت الراهن. ورافقت المجموعات الإيرانية القوات الروسية بحسب الصحافيين الأمريكيين. ويرى المحلل السياسي الروسي والمستشرق فلاديمير أحمدوف أن المرحلة العسكرية في النزاع السوري في الوقت الحالي غلبت على المرحلة السياسية، ويضيف: «تحتفظ القوات الروسية بوجود عسكري كبير في سوريا. والجنود الروس يشرفون على العملية العسكرية في حلب. كما نعمل على خط حمص- حماة- دمشق-إدلب. وليس من الممكن الحديث عن وقف إطلاق النار في سوريا حيث تجري العمليات القتالية في حلب. أعتقد في الوقت الحالي تجري المرحلة الجديدة من العملية العسكرية الروسية». ويؤكد الخبير انه يوجد نوع من السكوت من قبل القيادة الروسية، ويتعلق هذا السكوت بآمال موسكو الكبيرة بإمكانية توصل الأطراف في جنيف إلى اتفاق».
ويقول أحمدوف «ولكن لم تتمكن الأطراف في جنيف من التوصل إلى اتفاق. والحل السياسي لا يعمل في سوريا في هذا الوقت. وذلك على الرغم من ان الرئيس الأمريكي دعم الرئيس السوري بشار الأسد، حيث قال إن إسقاط الأسد الآن ليس صحيحا. من جانب آخر، توجد أنباء أن الولايات المتحدة إلى جانب تركيا ودول الخليج ستقوم بتوريد السلاح الجديد إلى المعارضة السورية. لكن المهم أن مواقف روسيا والولايات المتحدة متقاربة في الوقت الراهن حيث يسعى الروس والأمريكيون إلى الانتهاء من هذه المسألة في أسرع وقت ممكن. ومن أجل ذلك، من الضروري تحقيق الرجحان في الساحة العسكرية. وبدون ذلك، من الصعب الحديث حول التسوية السياسية».
ويرى الخبير، المستعرب، والأستاذ في قسم العلوم السياسية في مدرسة الاقتصاد العليا في موسكو، ليونيد إيسايف، أن السكوت الروسي يتعلق بقرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسحب القوات الروسية من سوريا ولو جزئيا. هذا الأمر يشير إلى أن سوريا ليست محور السياسة الخارجية الروسية وانطلاقا من هذه اللحظة سيدور الحديث حول سوريا إذا وقع أمرٌ ما جدي هناك مثل تحرير مدينة تدمر. ويضيف:»صرحت قيادتنا ان المرحلة العسكرية للنزاع قد انتهت. كما توجد هناك بعض العواقب للتقدم في الساحة العسكرية في البلاد، وهو ضعف الجيش السوري الذي خسر كثيرا خلال خمسة أعوام من الحرب». ويؤكد إيسايف ان حل النزاع السوري ليس هدفا رئيسيا للسياسة الخارجية الروسية. والهدف الأهم هو عرض دور روسيا على الساحة الدولية كلاعب أساسي. ويشير الخبير إلى ان الكرة الآن في الملعب العسكري في سوريا مضيفا ان المعركة في حلب قد تؤدي إلى تصعيد التوتر في المنطقة: «بالنسبة لموسكو، الهجوم على حلب ليس مفيدا ولا حاجة له، حيث تتمركز في منطقة حلب المجموعات المعارضة المختلفة، والاصطدام معها أمر ليس مرغوبا فيه وسيؤدي إلى أزمات عديدة. ولكن يمكن التقدم باتجاه الشرق لمحاربة الإرهابيين وتنظيم الدولة الإسلامية».
وعلى الصعيد السياسي، لا بد من الاعتراف ان الجولة الجديدة من محادثات جنيف فشلت حيث لا يوجد أي تقدم في تسوية النزاع، خاصة بعد مغادرة المعارضة السورية جنيف الاسبوع الماضي. ولا يزال مصير الأسد مسألة مبدئية. حيث ترفض المعارضة رؤيته في مستقبل سوريا ويـقـــتـــرح المشــــاركون الآخــــرون الخيارات الأخرى. ومن البديهي أن هذا الفشل في محـــادثات جنيف سيؤدي إلى تنشيط العمليات العسكرية.
وتعتقد ماريا دوبيوكوفا، رئيسة النادي الدولي للدراسات الشرق أوسطية، أن حل قضية الخلافات داخل المعارضة السورية هو القضية الأساسية على طريق التسوية السورية، والقضية الأخرى هي عدم وجود حل وسط حول مسألة الانتقال السياسي ولا يوجد فهم لهذا الانتقال لدى المعارضة السورية ولدى مشاركي المجموعة الدولية لدعم سوريا. وتضيف: «حتى هذه اللحظة، توجد عدة خيارات للانتقال السياسي في سوريا ويجري العمل على صيغة تشكيل نص الدستور الجديد. ولكن هذا العمل يصبح صعبا جدا مع عدم وجود الاستقرار على خطوط الجبهات الحربية والتهديدات بخرق الهدنة. كما يوجد تهديد جدي بأن الجيش السوري سيشن هجوما في حلب قريبا، الأمر الذي سيؤدي إلى تصعيد التـــوتر وعــــدم إمكانية تسوية النزاع بالوسائل الدبلوماسية السياسية».
كما ترى الخبيرة أن آفاق وقف إطلاق النار تبقى غامضة حتى في حال امتناع دمشق عن الهجوم على حلب. وذلك بسبب عدم تمكن روسيا والولايات المتحدة من صياغة الآليات الآمنة للرد على خروقات الهدنة ووسائل منع وقوع هذه الخروقات. ولهذا، الوضع يبقى غير واضح، حسب ما تقول ماريا.
وعلى صعيد آخر، اعترف ممثل المجموعة التحليلية البريطانية «جينز» بأن الدخل الشهري لتنظيم الدولة الإسلامية قد انخفض بنسبة 30 في المئة مقارنة مع عام 2015 الأمر الذي اضطر الجهاديين إلى فرض ضرائب جديدة على المناطق التي تخضع لسيطرتها. كما انخفض استخراج النفط في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم «الدولة» من 33 الف إلى 21 برميل يوميا. أما أسباب هذه الخسائر، فتعود في الدرجة الأولى إلى أعمال القوات الجوية الروسية العسكرية. وبشكل عام، تستعد الأطراف المتنازعة في سوريا في الوقت الحالي لما يسمى في وسائل الإعلام «معركة حلب». ويبدو أنه في هذه المحافظة سيكون حل النزاع السوري في الأيام القليلة المقبلة.

لماذا السكوت الروسي في سوريا؟

فيكتوريا سيميوشينا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية