لماذا تأخرت الإنتفاضة الثالثة؟

حجم الخط
5

لندن – «القدس العربي»: هل ستندلع إنتفاضة ثالثة؟ كان من الأولى أن يكون السؤال لماذا تأخرت الإنتفاضة الثالثة؟ وهل لهذا علاقة بحس الإعتيادية التي عاشها الفلسطينيون منذ إنتهاء الانتفاضة الأولى والثانية. فبعد الأولى جاء اتفاق أوسلو، وبعد الثانية جاء السلام الإقتصادي وبناء دولة المؤسسات وتهيئة الوطن لولادة الدولة التي يريدها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو محاطة من كل مكان بأراض تسيطر عليها إسرائيل وبلا حدود وغير قابلة للحياة، بمفهوم دولة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا:«بانتوستان». صحيح أن الأنتفاضات لها محفزات أو شرارات، فإنتفاضة عام 1987 الأولى اندلعت عندما دهست حافلة عسكرية إسرائيلية عمالا فلسطينيين من جباليا غزة كانت سيارتهم تنتظر عند محطة وقود في كانون الأول/ديسمبر 1987، أما انتفاضة الأقصى فقد جاءت نتيجة لدخول ارييل شارون الإستفزازي باحة الأقصى. وكما يرى البعض فكل انتفاضة تأتي نتيجة لأزمة، فانتفاضة عام 2000 اندلعت بعد فشل محادثات كامب ديفيد التي حمل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مسؤولية فشلها. واليوم نتساءل إن كانت الإنتفاضة الثالثة ستندلع بعد فشل المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة وقادها جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي الذي وضع جدولا زمنيا لها 9 أشهر، وهي مدة غير واقعية لحل نزاع عمره أكثر من 60 عاما وفي كل يوم يتعقد.
ولعل الأسباب الحقيقية وراء الفشل، إستمرار إسرائيل في مشاريعها الإستيطانية فيما لم يمتلك الجانب الفلسطيني من أوراق يلوح بها للأمريكيين ولا للإسرائيليين سوى ورقة العضوية في الأمم المتحدة والإنضمام للمنظمات الدولية بما فيها المحكمة الدولية لجرائم الحرب التي تجعل من قادة إسرائيل موضع مساءلة أمامها.
هذا هو أصل المشكلة، فشل ملف التسوية الذي أنشئت من أجله السلطة الوطنية الفلسطينية حيث لم يحقق الفلسطينيون منه أي شيء بل زادت معدلات الإستيطان وفي كل مرة يريد فيها نتنياهو استفزاز الفلسطينيين والرئيس محمود عباس، يعلن عن بناء وحدات إستيطانية في القدس أو الضفة الغربية، إرضاء للأحزاب الإستيطانية التي تؤثر على تحالفه.
ولا بد من التنويه هنا لعامل الإستيطان والمستوطنين الذي بات يلقي بظلاله على واقع الإحتلال، فسكان الضفة الغربية لا يعانون فقط من الهجمات ونقاط التفتيش التي يقيمها الجيش الإسرائيلي، بل من سطوة مستوطنين متوحشين يرومون المناطق الفلسطينية. ونتيجة لهذا فقد أصبح الحقد عليهم منتشرا في أوساط المجتمع الفلسطيني، فهجماتهم اليومية على مزارع وبساتين الزيتون الفلسطينية، وحرقهم للمساجد حول كل المستوطنين إلى أشرار في عين الفلسطينيين، وأصبحوا مصدرا لكل شرور الإحتلال. ومع ذلك نسي سكان الضفة أو حاولوا تناسي المستوطنين مقابل الهدوء النسبي الذي عاشوه والتطور الاقتصادي في بعض المدن الفلسطينية.
ومن هنا جاءت عملية إختطاف المستوطنين الثلاثة من مجموعة ربما تصرفت بطريقة فردية وهزت الساكن، فقد سارعت إسرائيل الى إتهام حماس دون تقديم أدلة، وشنت حملة إعتقالات واسعة في الضفة الغربية، وفوق كل هذا خلقت المؤسسة الإسرائيلية جوا من الحقد وحملة من الكراهية قادها الإعلام ضد من قاموا بتشويش الوضع القائم.
«مدينة الإرهاب» كان مانشيت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الأكثر توزيعا في إسرائيل، وهي تصف مدينة الخليل التي يعيش فيها أكثر من 400.000 فلسطيني. وبعد التأكد من مقتل المراهقين الثلاثة تحولت الحملة لتصبح أكثر استفزازا وعنفا، فخرج نفتالي بينت، وزير الإقتصاد الذي يعتبر من أهم السياسيين وأبرزهم تأثيرا في إسرائيل، خرج منتقدا سياسة تعاطي الحكومة مع الحادث واصفا إياه بانه لين وعلى «اسرائيل ان تعبر عن جنونها». أما الحاخام نعوم بيرل، مدير حركة الشباب المؤثرة بيني أكيفا في حزب «بينت» فقد كتب داعيا الجنود الذين كانوا يبحثون عن المراهقين الى التحول إلى «جنود إنتقام» فيما انضم لصفحة فيسبوك «شعب إسرائيل يريد الإنتقام» 30.000 في غضون ساعات، ووضع الجنود صورهم وهم يصوبون البنادق الى الكاميرا ويقولون «دعونا نملأهم بالرصاص»، وظهرت فتيات جميلات وهن يلبسن قمصانا كتب عليها «كراهية العرب ليست عنصرية بل قيما». وانضم لحملة الحقد الجنونية فريق رياضي يفاخر بكراهيته للعرب «بيتار» حيث ذهب مشجعوه إلى مستوطنة غوش إتزيون وطالبوا سكانها بالإنتقام لأنفسهم من المارة العرب. وفي الليلة التي قتل فيها أبو خضير أخذ الشبان اليهود يطوفون في وسط القدس وهم يهتفون «الموت للعرب» وكانوا يبحثون عن أي عربي يقابلونه. وبناء على هذا فعائلة أبو خضير والفلسطينيون بشكل عام مقتنعون أن قتلة ابنهم هم من المتطرفين اليهود.
ولم تكشف العملية الإنتقامية عن درجة الغضب على مقتل وحرق الفتى الفلسطيني بل وعن واقع ومظالم يعاني منها الفلسطينيون المقادسة وأهل الضفة الغربية كما كشفت عن العادية الزائفة التي تميزت بها السنوات الماضية. وكما قال ممرض فلسطيني لمجلة «فورين بوليسي» «نسمع عن السلام منذ 20 عاما ولكننا لم نحصل على شيء». و «نعامل كمواطنين من الدرجة الخامسة في هذا البلد، يعتقد الفلسطينيون أننا نعيش حياة مرفهة بسبب الهوية، الجميع ضدنا، وربما كان الحل الوحيد هو التحرك والخروج للشارع». فالتظاهرات التي اندلعت في شعفاط وغيرها من الأحياء المقدسية عبرت عن حالة الإحباط والإهانة التي يعاني منها السكان، فهناك 300.00 مقدسي يعيشون في الأحياء التي ضمتها إسرائيل بعد إحتلال عام 1967 أي نسبة 40٪ من السكان. فمن ناحية نظرية يعتبرون جزءا لا يتجزأ من المدينة ولكنهم عمليا يعيشون حياة مختلفة، حيث البنية التحتية متداعية والتمييز ضدهم يجري على قاعدة يومية. ولأن ما يجري في القدس يترك أثره على بقية البلاد فمن السابق لأوانه الحديث عن إنتفاضة ثالثة، ولكن عناصر الثورة موجودة، فجهود حكومة نتنياهو لدمج الضفة الغربية عبر سياساته الإستيطانية بالقوة وضم القدس الشرقية التي يراها الفلسطينيون عاصمة لدولتهم المقبلة سترتد عكسا.
ربما تكون شعفاط آخر مكان يمكن أن تبدأ فيه إنتفاضة، فهو حي راق مقارنة مع الأحياء العربية الأخرى، لكن مخيم شعفاط الذي يعيش فيه أكثر من 70.000 فلسطيني في أوضاع سيئة يذكر دائما بأن الثورة قادمة. وكما علقت صحيفة «فاينانشال تايمز» فمحاولة نتنياهو السيطرة الأمنية المحكمة على الضفة الغربية ومنع المفاوضات حول حل الدولتين لما لا نهاية ليس من مصلحة إسرائيل على المدى البعيد. وطالما ظلت إسرائيل تسيطر على حياة 2.5 مليون فلسطيني في الضفة الغربية الذين لا يتمتعون إلا بحقوق مدنية قليلة وتحت نظام عدالة عسكرية، فمزاعمها حول الديمقراطية تتعرض لخطر، ولهذا فعلى إسرائيل الإعتراف بأن الوضع القائم لا يمكن إستمراره.
وفي نهاية هذه المقاربة لا بد من الإشارة إلى أن السلطة الوطنية التي تمسكت بوهم التفاوض ربما لعبت بطريقة أو بأخرى دورا في منع إندلاع إنتفاضة، فأجهزتها الأمنية ظلت حارسا أمينا ضد اي حركة للإحتجاج والتظاهر، وفي غياب صوت المعارضة في الشارع والإعلام وارتهان حياة الفلسطينيين بالعمل والراتب والقضايا اليومية، بهتت صور الشهداء ولم يبق منها سوى أسماء مكتوبة عن الجدران داخل البلدات القديمة تشير إلى أنهم ماتوا في إنتفاضة ما ضد الإحتلال.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية