لماذا تبدو فرص المعارضة محدودة في تحقيق تقدم في ريف دمشق؟

حجم الخط
4

قادت هيئة تحرير الشام مع حلفائها هجومين على قوات النظام في ريفي حماة ودمشق، وكان من الممكن ومنذ البداية توقع محدودية تأثير تلك الهجمات على مراكز سلطة النظام في مدينتي حماة ودمشق بالنظر لعدة عوامل ظلت تتحكم في مديات وفرص المعارضة المسلحة على مدى سنوات النزاع المسلح الخمس الماضية. لكن الملفت ان هجوم ريف دمشق في جوبر، القابون على تخوم ساحة العباسيين التي لم تتمكن المعارضة المسلحة من السيطرة عليها ولا مرة في السنوات الماضية، هذا الهجوم تم اجهاضه بصورة أسرع مما كان متوقعا، ولعل ذلك يرجع لعدة اعتبارات، منها ان جيش الإسلام أكبر فصائل الغوطة في دوما (وان عدديا) لم يشارك في العملية، بل انه لم يكن يعلم بها حسبما صرح، ليقود العملية منافسه في الريف الشرقي فيلق الرحمن والنصرة باسمها الجديد للمرة الثالثة «تحرير الشام». ورغم ان تحالف النصرة في سوريا المشكل من مجموعات جهادية في الغالب، بات هو القوة العسكرية الأكثر تنظيما وتأثيرا في العمليات ضد النظام في العامين الأخيرين، إلا انه لا يملك امكانيات كبيرة لتنظيم هجوم فعال بريف دمشق كتلك التي يملكها في جيب ادلب وريف حماة، فهو لا يملك هيمنة على فصائل ساحة الريف الدمشقي الشرقية بوجود جيش الإسلام الذي يرتبط معه بعلاقة طالما كانت مأزومة مع النصرة والجهاديين، فكريا وتنظيميا، والأمر نفسه مع باقي فصائل الغوطة المتنازعة فيما بينها كجيش الامة الذي اعـــدم قائده بسجون جيش الإسلام قبل ان يتلاشى.
وبسبب هذه الخريطة المشتبكة لفصائل الريف الدمشقي التي تتوزع فيها السيطرة على المناطق كالاقطاعيات تبدو فرص تكوين جسد عسكري يفكر برأس واحد في الغوطة مستحيلة، وهكذا فان وضعا فوضويا كهذا ظل ينهك قوى المعارضة بسوريا على مدى خمس سنوات لا يمكن ان ينتج قوة عسكرية مؤهلة لمواجهة النظام وحلفائه من الميليشيات الذين ينتظمون في النهاية في مرجعية قرار عسكري وسياسي واحدة.
الأمر الثاني يذهب بالخريطة الفوضوية السابقة نفسها لكن على المستوى السياسي وليس فقط العسكري، فبينما تصر المجموعات الجهادية على خيار المواجهة المسلحة فان مجموعات الجيش الحر المحدودة التأثير اجمالا في مناطق المعارضة، انخرطت في طريق التسوية السلمية ووصلت لمرحلة تسليم مناطق كاملة بالريف الدمشقي للنظام ضمن تسويات بعد الحصار، فالخيار العسكري لم يعد مرجحا لدى فصائل مرتبطة بحكومات الدعم العربية ومنها جيش الإسلام، وهو فصيل يقود ممثله فريق التفاوض المتواضع مع النظام في جنيف، وسبق للدولة الداعمة الأساسية لجيش الإسلام وهي السعودية ان أعلنت على لسان وزير خارجيتها الجبير انهم يقبلون ببقاء مؤسسات الدولة السورية وبضمنها الجيش الحكومي، وتركيا التي ترتبط بعلاقة وطيدة ببعض فصائل الحر والفصائل الإسلاموية ومنها جيش الإسلام بالتنسيق مع الولايات المتحدة، أعلنت على لسان وزير خارجيتها موقفا يعطي شرعية واضحة لقوات النظام، انها لا تمانع في سيطرة جيش النظام على الأراضي السورية ومنها منبج، فكيف يمكن تصور ان فصيلا منخرطا في هكذا مشروع تسوية سيكون متحمسا ومهيئا لمواجهة عسكرية جادة مع النظام وهو يسيطر على مقدرات أكبر كتلة سكانية للمعارضة على تخوم دمشق؟ 
لقد أدى الانخراط في مشروع التسوية مع النظام، ان كان من خلال الدول العربية أو التواصل مباشرة مع النظام، إلى ان يصبح هذا الجيب في الريف الدمشقي في حال أشبه بالهدنة، وهكذا فانه لا يمكن ان تكون العاصمة دمشق مهددة فعلا بوجود هكذا قوى مسلحة لم تعد تؤمن كثيرا بلغة السلاح، وهي اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام والتي ما زال يتحدث بها الأسد في المفاوضات، ولا يمكن توقع تحقيق شيء يذكر من شن هجمات «موسمية» كل عام أو نصف عام على قوات النظام المرتاح نسبيا في دمشق، والقول انها ستهدد فجأة قصر الأسد في العاصمة دمشق الأكثر تحصينا، بينما دلت أمثلة أخرى انه ورغم سيطرة فصائل أكثر قوة وتنظيما على نصف حلب المدينة فإنها عجزت عن السيطرة على فرع أمني واحد داخل مركز المدينة رغم معارك استمرت سنوات، ورغم السيطرة على معظم الريف المحيط بالمدينة، لان النظام كان ينظر لهذا المحيط الريفي في النهاية كمصدات دفاعية عن مراكز السيادة في المدن، وهو لا يملك قدرة عددية ولوجستية على تغطية الأرياف فيركز على عواصم المحافظات الأكثر رمزية لبقاء سلطته.

تقلص مناطق سيطرة المعارضة

الأمر الآخر الذي يفسر صعوبة تنفيذ هجوم مؤثر ضد النظام في دمشق من الريف، ان العامين الأخيرين شهدا ضمورا وتقلصا في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في ريف دمشق، وآخرها كان المعضمية وداريا في الريف الغربي وهما تحملان رمزية كبيرة للمعارضة، ومع انحسار مساحة الحركة ضمن الريف وانقطاع خطوط الامداد تصبح فرص تنسيق هجوم كبير ومؤثر ضد دمشق محدودة، حتى لو افترضنا ان هناك جسدا عسكريا موحدا وكفوءا، فلا يمكن تصور ان مناطق محاصرة تماما يعيش سكانها في وضع خانق، مقطوعة خطوط الامداد تماما يمكن ان تشكل أرضا داعمة لهجوم جدي يشكل تهديدا على قوات النظام التي تتمتع بفضاء جغرافي واسع من الحركة والامداد. ومجرد النظر لخريطة دمشق ومحيطها، نجد ان مناطق المعارضة المتبقية في الغوطة شرق دمشق تكاد تكون جزيرة صغيرة في بحر يحيطها بالكامل من قوات النظام، ومن الصعب ان تتمكن نقطة صغيرة من تشكيل موجة غارقة، بعد خمس سنوات تخللتها فرص مواتية لشن هجمات مؤثرة عندما كانت مناطق سيطرة النظام في دمشق هي من تبدو كجزيرة وسط بحر الريف المحرر.

لماذا تبدو فرص المعارضة محدودة في تحقيق تقدم في ريف دمشق؟

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية