لماذا تخلّفنا عن ركب الحضارات؟

لماذا تخلّف المسلمون وتقدم أهل الغرب المسيحيون؟
سؤال طرحه المفكرون العرب وغير العرب كثيراً على أنفسهم، ولا أدّعي هنا أنني سوف أعرض هذه الأفكار كلها، أو أبتكر غيرها وإنما سأحاول إعادة عرضها بأسلوب يتناسب مع صعود الحملة الدينية الإسلامية المتشددة في أيامنا الأخيرة، كما لدى تنظيمي «القاعدة» و»داعش» بهدف إعادة الرواج للمشروع الإسلامي الذي لفظ أنفاسه منذ قرون كدولة إمبراطورية واسعة.
ولعل أهم ما يمكن قوله في هذا الصدد هو تنبيه المسلمين عامة إلى أن النظام السياسي الذي تبناه المسلمون عقب وفاة رسولهم كان نظاماً قلقاً غامضا لا ينسجم تماماً مع الدعوة إلى «الشورى»، كما ورد نصها في القرآن الكريم، وكما ألح عليها الرسول نفسه وهو على فراش الموت، عندما ألحوا عليه في السؤال، ما عساهم يصنعون بعده في اختيار النظام الأفضل للدولة الإسلامية الناشئة، فكان يجيب باستمرار وهو يعاني ما يعانيه بقوله تشاوروا في ما بينكم وأنتم أدرى بشؤونكم..
وهكذا انعقدت أول جلسة ـ وآخر جلسة ـ للنقاش حول هذا الموضوع الخطير في سقيفة بني ساعدة بعدد قليل من المهاجرين والأنصار، والتي حسمها عمر بن الخطاب بمبادرة خاصة به حين لاحظ الخلاف الكبير الذي نشب بين المجتمعين هناك وخشيته من انقسام المسلمين حين مدّ يده إلى أبي بكر وبايعه كخليفة للرسول أو أمير للمؤمنين، كما سماه، داعياً الحاضرين معه إلى إنهاء الخلاف ؟؟؟؟ الذي طال وتأييد مبايعة أبا بكر على الفور.
هذا ما حصل فعلاً في ذلك اليوم الذي غاب فيه علي بن أبي طالب عن الاجتماع بسبب انشغاله بإجراءات دفن ابن عمه رسول الدعوة الإسلامية، وكلنا نعرف أن عليّاً امتنع عن مبايعة أبي بكر وكان هذا الامتناع أول ظاهرةٍ خطيرة في الإعلان عن ضياع المشروع الأفضل لاختيار قادة المسلمين، في ما بعد، إذ تحول الأمر إلى نظام وراثي بعد الفترة الراشدية، نظام بعيد كل البعد عن «الشورى» التي دعا إليها القرآن والرسول الإسلامي في نصائحه الأخيرة. وهكذا تسللت جرثومة الانهيار السياسي إلى جسد الدولة الجديدة، وتحولت إلى وباء قاتل بعد أربعة قرون فقط من التوسع والازدهار حين طغى العسكريون المرتزقة على الحكم وغاب الخليفة العباسي في قصره بعد أن فقد سلطانه، وشرعت منذ ذلك الوقت الذي هجاها المتنبي بقوله الأليم:

وإنما الناس بالملوكِ وما
تفلح عُرْبٌ ملوكها عجمُ
لا أدبٌ عندهم ولا حَسَبٌ
ولا عهودٌ لهم ولا ذِمَمُ
بكلّ أرض وطئتُها أممٌ
تُرعى بعبدٍ كأنها غَنمُ

ومنذ ذلك العهد الرجيم شرعت الإمبراطورية الإسلامية تتحول إلى دويلات وإمارات تتنازع بعضها مع بعض، أو مع الزحف الأوروبي المسمى بالحروب الصليبية. هذه وقائع تاريخية حدثت بالفعل لم أخترعها في مقالي هذا، فما هو الحل الذي يحسن بالمسلمين التفكير فيه والعمل به، ليس كما حدث في الماضي وإنما بالنظر والعمل لمشروع الشورى بمعناه الحقيقي، الذي ينسجم مع تطور الحضارة العالمية، هل نعود مثلاً إلى نظام الخلافة الأموية أو العباسية؟ أم نعود إلى نصيحة «الشورى» التي دعا إليها الإسلام وكيف يجب أن يتمّ ذلك؟
إذا أردنا ـ كما يدعو بعضهم ـ تقليد النظام الذي ساد بقيادة الرسول نفسه في المدينة المنورة، أم نبتكر أسلوباً آخر ينسجم مع نصيحة الرسول ونعني نظام «الشورى»؟
ويكفي هنا للرد على هذه الأسئلة التذكير بأن النظام الذي ساد في المدينة المنورة إنما نجح بسبب وجود صاحب الدعوة الإسلامية شخصياً على رأس النظام، ولكن هل يجوز أن نعتبر خليفته مساوياً له في القدرة والطهارة والقداسة كي يحق أن يضمن تحقيق سلامة النظام الحاكم، كما حدث لمحمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم؟ بالتأكيد لا.. إذ لا يمكن حسبان البشر العاديين مهما اتصفوا بالحكمة والتقوى أنهم مثل الأنبياء المرسلين مثل محمد وعيسى وموسى مثلاً؟
لا بأس إذن بوجود دولة إسلامية معاصرة، ولكن شريطة أن تكون منتخبة على أساس «الشورى» بمعناها الذي يتفق مع مفاهيم الحضارة الحديثة، أي مع الانتخابات العامة النزيهة التي توفر بحق نظاماً ديمقراطياً جديراً بالإسلام والشورى الإسلامية.

٭ أديب سوري

لماذا تخلّفنا عن ركب الحضارات؟

شوقي بغدادي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية