■ لقد حملت وفاة الكاتب والروائي أحمد خالد توفيق الكثير من المفارقات، إذ كشفت عن الكثير مما يعتور وعينا الثقافي والإنساني، في ما يتعلق بتقدير الكتابة الحقيقية التي تلامس ذاكرة المتلقي، كما كشفت عن تباين يسكن مجتمعاتنا العربية من ناحية الفهم للروح الثقافية المتحولة في عالمنا العربي، الذي ما زال قائما في مقاربات القرن العشرين، بالإضافة إلى وعي النهضة الزائفة التي بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر، وحداثتنا المأزومة، حيث لم نتمكن من فهم التحول الإنساني إلا بوصفه تجسيدا لممارسة الوعي التجديدي، عبر انخراطنا في ممارسات الشكل والمادة، ومن ثم تلبس واقع التعبير الرقمي، بوصفه شكلا من أشكال التعبير عن الأزمات، والوعي، والقلق والسخط، ولكنها في كثير من الأحيان بدت غافلة، ولاسيما المؤسسات، عن التلفّت لأنماط جديدة في التعبير عن الإشكاليات الحقيقية، ما جعل الثقافة العربية متخلفة عن باقي الثقافات في العالم، ولاسيما على المستوى الأدبي، أو الفني بشكل عام.
ولعل هذا ما يكاد ينسحب على كافة التمثيلات والتشكيلات الاجتماعية والثقافية والسياسية، حيث نعاني من تراتبية شاملة، وهذا ربما ما تمثله أو تجسده «رواية يوتوبيا» للراحل أحمد خالد توفيق، حيث قرأتها عام 2010 أي بعد صدورها بعامين، وقد بدت لي حينها شكلا سرديا مختلفا، لكونها تتخفف من عباءة الرواية العربية بتقليديتها، وصوتها المألوف، فضلا عن طرحها غير التقليدي، لقد بدت الرواية اختراقا أو تحديا لشكل الرواية العربية، حيث سعى من خلالها أحمد خالد توفيق إلى تقديم تمثله للعالم ضمن أجواء مغايرة، وهذا تحقق من خلال خلق انزياح في السرد نحو طبقات ومسارات جديدة لم تعتدها الذائقة العربية (الرسمية) التي تنهض على تصنيفات مؤسساتية، لا تعترف بالتنوع والاختلاف حتى على مستوى الكتابة، فالوعي العربي لا يمتثل لمعنى المغاير والجديد لدى القارئ العربي، الذي ينطلق من متخيل أو بعبارة أدق ذاكرة تاريخية عميقة، فهو ملتصق بعالمه اليومي البسيط، أو همه السياسي الكبير، وبينهما لا توجد مساحات كبيرة للتأمل والفكر، أو حتى المتعة، لقد أنهكتنا الأقوال الكبرى بشكلها المدعي، ونبرة الوصاية المقيتة التي لا تستشعر الهامشي، أو الأسئلة التي تسكن ما وراء فهم العالم من منظور تخيلي جديد وممتع. لقد تُركت أجيالٌ من النشء العربي بلا موجهات تستلهم الخيال، وتحاول أن تجيب عن أسئلة الميتافيزيقيا، أو تستشعرها، فمؤسساتنا التعليمية لا تعتني بالفلسفة، كما أنها لا تحبذ الأسئلة التي تهجس في ما وراء الطبيعة، ولا تفضل أن تقع على أسئلة تطال البنى الموروثة أو تتساءل عن وعي الحقيقة، وهذا يمكن أن يفسر بأننا نبحث عن أجوبة كبرى لأسئلة بسيطة في حياتنا، فواقعنا لا يمكن له أن ينفكّ عن وعيه اليومي، ومن هنا تكمن مشكلة التعبير، لكونها لصيقة مجال التفسير، وهذا ينتج عن محدودية الخيال، ورفض التنوع، ومن هنا فإنه يمكن تفسير شعبية أحمد خالد توفيق لدى جيل من القراء الذين كبروا مع هذا الكاتب، بعيدا عن وعي المؤسسة الثقافية والأكاديمية التي أهملته، على الرغم من أن مسوغ الكتابة بالنسبة إليه كان ينطلق من دافع ذاتي، بمعنى التخلص من فائض الألم، كما يذكر في أحد اللقاءات التلفزيونية، غير أن هذا الحس أكسبه حضورا في ذاكرة قرائه.
لقد بد أحمد خالد توفيق واقعا في إشكالية رغبته بأن يعبر عن عالمه بصورة مغايرة، فهو يرفض أن يكون ضمن النسق، أو النمط، فهو يرى العالم من منظور فلسفي آخر، يبحث عما وراء الأشياء، فكتابته توجهت في معظمها إلى القراء الناشئين الذين لم يتلوثوا بزيف المؤسسة، بالإضافة إلى أن له جمهورا من كافة الأعمار والطبقات، كما تمكن من تقديم نفسه باعتباره روائيا عربيا مختلفا، غير أن دوائر النخبة والصحافة والأكاديميات العربية بدت غافلة عنه، أو أنها لا تعترف بهذا التكوين الكتابي. لا شك في أن أحمد خالد توفيق – بعد وفاته- كشف عن أن ثمة خللا في فعل التلقي، وأن ثمة تجاهلا لشريحة كبيرة من الوعي المتسائل الناشئ، وهذا ما شكّل مفاجأة حين اكتشف معظمنا أن شعبية الراحل تتفوق على الكثير من الروائيين الذين صعدوا بواسطة مؤسسات ثقافية، أو حسب نظام الجماعات، وآلية المجاملة، والصداقة، وهكذا فإن قيمة كاتب سلسلة ما وراء الطبيعة تتجاوز ما يمكن أن تعكسه المؤسسة الإعلامية أو الثقافية الرسمية، وحتى النخب الأكاديمية في خطابها التصنيفي إلى ما هو أكثر حقيقية.
إن فعل القراءة ليس رهن مفهوم الوصاية على الذائقة الجمالية، كما أن القارئ العربي الصامت، وغير الممثل بدا مالكا لشرعية ولكن عبر تقرير قيمة المبدع وأهميته، حتى لو بعد وفاته، وهذا ما فاجأ البعض كون أحمد خالد توفيق بدا قائما في وعي الجميع، ونحن في غفلة عن تقدير أهميته.
في رواية يوتوبيا جسد توفيق هذا الإقصاء في مجتمعاتنا العربية بصورة واضحة، حين عكس تمثيل الواقع العربي المستقبلي، حيث يصور لنا عالمين يحاذيان بعضهما بعضا، ولكنهما يفترقان، يبتعدان كثيرا في التكوين والأفق، صورة متشائمة لواقعنا العربي، لقد بدت الرواية ضمن صيغة تنبؤية لصورة العالم العربي، حيث لم تمضِ سنوات قليلة حتى اندلع الربيع العربي، الذي بدا نتاجا للبنى الفوقية لمجتمعاتنا العربية التي تلاشت منها الطبقة الوسطى. الرواية جاءت تعبيرا عن التمثيل الكولونيالي الجغرافي القائم على هيمنة قطاعات مركزية، في حين تقبع الأكثرية على الهوامش، بل ثمة علاقات بدت في الرواية تمثيلا عن صورة القبح لفعل الاستغلال، وذلك عندما تتحول الذات المهمشة والمحتقرة إلى زاد للأقوى، أو لعلها فريسة تصطاد لتمضية الوقت، هكذا تتحول اليوتوبيا في صورتها السلبية، وتكوينها المستقبلي إلى العكس من ذلك، لتمسي ديستوبيا.
ولعل هذا الولع بسلسلة الأعمال الروائية التي تعالج ما وراء الطبيعة والرعب والخيال العلمي، ما هو إلا تجسيد لصورة بدت نابذة للواقع، غير أن محاولات التفسير العقلاني للواقع لا يمكن أن تؤتي ثمارها، فكان لا بد من أن تتعالى الكتابة، والنص، والمبدع لتعيد صوغ صورة متطرفة عبر تجسيد متخيل ينازع الواقع، وهذا ما دفع أحمد خالد توفيق للبحث عن صوته الخاص، أو لنقل بصمته المتميزة في الكتابة العربية الشديدة الفقر، أو التواضع في ما يتعلق بالبحث عن صيغ جديدة من السرد، فالرواية العربية ما انفكت ترتهن إلى التمثلات التاريخية والواقعية المنجزة، فضلا عن تكريس أفكار على هامش الفعل السردي الكامن في المغامرة، وهنا أستحضر روايات الكاتب الأمريكي ستيفن كينغ، الذي سطر أجمل رواية لأحد أهم أفلام السينما العالمية، وأعني «خلاص شوشانك»، بينما في فيلمه الأخير – المقتبس عن رواية له- يبقى وفيا لتجسيد المقصدية الإنسانية التي تدرج بفعل مدمج في البنية التقنية القائمة على الرعب، كما في فيلم «المخلوق» حيث تضغط عوالم الشخصيات، وهواجسها على وعيها، ولكنها تدرك أن وجودها يرتهن بتقدير فعل التكاتف والصداقة بين مجموعة من الأطفال الذي يقهرون الشر بتوحدهم معا.
إن أفعال التحول في الثقافة العربية شديدة البطء والتخلف، بل إنها تكاد تستهلك وقتا أطول من أي مكان في العالم، فالثقـــــافة العربية محافظة إلى أبعد حد في سعيها للتجريب، وهي لا تعترف بالتنوع والاختلاف، فضلا عن أن صخب الآلة الإعلامية بات مضللا لعقود، ما تسبب بوضع الكتاب الحقيقيين في ظلال الثقافة، في حين تتقدم الكتب الأكثر مبيعا، أو الحاصلة على جوائز لتتقدم، وتنال التقدير الرسمي، غير أنها لا تمكث في وعي الذاكرة الجمعية.
٭ كاتب فلسطيني أردني
رامي أبو شهاب