القاهرة ــ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: «ما زلت لم أضع يدي على حافة البئر/وما زلت أمزج اليابس باليابس/ والأخضر بالأخضر/ والأزرق بالأزرق/ ما زلت أنتظر الفجر/لن أبتسم وأضحك/ وأسخر من نفسي كثيرا/لأنني أعيش بين بياض الورق/ ووداعة القطط/ وأستقبل كل صباح دهشة جديدة/ فسوف يأتي آخر آدم في العائلة/ ليسألني عن مجري النهر/ وآخر عناقيد العنب/ سأقول/ لم يتبدد العمر/أنا امرأة ذات قلب ونشيد وألم/ وما زلت لم أضع يدي على حافة البئر». (من نص للكاتبة نعمات البحيري)
تاريخ طويل من التهميش والاستبعاد المقصود لصوت المرأة يرصده الناقد والشاعر شعبان يوسف في كتابه «لماذا تموت الكاتبات كمداً» ما يثيره الكتاب هو حال المبدعات وأزماتهن النفسية، التي أودت بحياة معظمهن، وكأنهن طريدات وضعهن في مجتمع ذكوري ـ مؤسسي في الأساس ـ وبالتالي قرّاء ونقاد استكانوا للنظرة التقليدية والأصولية، لكون هناك صوت أنثوي يكتب ويقول. يستوي هنا الصوت الذكوري الصاخب، والمتحدث دوماً بعبارات المساواة والديمقراطية، لكن في أساس وعيه، هو صوت رجعي بامتياز، حتى أن الكاتبة تبدأ أولى خطواتها متعثرة في وصمة أنها امرأة، والصوت الآخر الذي يتسق ومعتقداته بالتحريم البات لكل أفعال المرأة، فما بالك بأنها تتصدر منصة القول. هذا الفصام الاجتماعي أصاب النماذج التي استعرضها يوسف، وإن كانت هذه النماذج تتوالد وتتكاثر حتى لحظتنا الراهنة، فهناك العديدات من الموهوبات يصبحن فريسة المتصيدين لها، ولنا في التجمعات الثقافية من ندوات ومقاهٍ الأسوة السيئة، يحدوها الأمل في أن تكون، ثم تصبح هائمة على وجهها تتسول نظرة عطف أو شفقة.
كتب يوسف عن نساء غادرن الحياة، ولكن هل لنا الكتابة عن بعضهن وقد أصابتهن لعنة كونهن من صنف النساء، هل لنا الكتابة عن الأموات في الحياة؟ ربما يتجاسر أحد ويكتب عن اللحظة الراهنة، ويبقى للرجل أنه أعاد كتابة تاريخ الراحلات إنصافاً لدورهن ووجودهن الأدبي والثقافي في مجتمع مزيف، يلهو بالكلمات كما بالأشخاص كما يحلو له.
حالات مختلفة والمصير واحد
يقسم شعبان يوسف الكتاب إلى عشرة فصول ومقدمة، قاصراً كل فصل على حياة كاتبة أو شاعرة أو باحثة من أولئك النساء اللاتي متن كمداً ــ الموت النفسي في المقام الأول ــ كاشفاً تاريخاً من التجاهل والإقصاء، فنازك الملائكة يتم اغتيالها وتجاهلها معنويا، ويتم تجاهل دورها في تجديد الشعر العربي، بل وحين تترك العراق وتأتي إلى مصر، تعيش فيها ثلاثين عاما بعيدا عن أضواء الحياة الثقافية في القاهرة، ولا يلتفت لوجودها أحد، كذلك مي زيادة، التي تختصرها الذاكرة الثقافية في صالونها الثقافي وعلاقة كبار المفكرين والأدباء والنقاد بها، وينسى الجميع كتاباتها الإبداعية والنقدية، فهي من رائدات النقد النسائي في مصر، لكن هؤلاء الرجال الذين يكتبون التاريخ الرسمي للحركة الثقافية المصرية والعربية لا يرونها سوى المرأة الجميلة التي عشقها كبار المفكرين في عصرها. وهكذا يواصل يوسف سرد مآسي الكاتبات والأديبات منذ ملك حفني ناصف ومي زيادة وعائشة التيمورية ونازك الملائكة مروراً بشاعرات العامية اللاتي وصفهن الباحث بأنهن «ممنوعات من التداول» وصولا إلى أروى صالح ونعمات البحيري وابتهال سالم.
ويشير الكاتب إلى أنه لا توجد فروق جوهرية بين انتحار فرجينيا وولف في مطلع الأربعينيات، وانتحار عنايات الزيات في الستينيات، ودرّية شفيق في السبعينيات، وأروي صالح في التسعينيات، الفروق تكمن في التفاصيل، وفي الزمان والمكان. ويستكمل قائلاً.. وبعيدا عن النهايات التي دفعت الكثيرات لقرار الانتحار، فهناك نهايات مؤسفة لكثيرات من الكاتبات والمبدعات البارزات في الأدب والسياسة والفن، لأن المقدمات الاجتماعية التي أحاطت بهن، كانت تنطوي على أشكال من الخلل، ثم الملابسات الاجتماعية التي حدثت في حياتهن، كانت لا بد أن تؤدي إلى تلك النهايات، ومنهن على سبيل المثال، الأكاديمية والقاصة ليلى الشربيني رابطة الوصل بين الحركة الطلابية المصرية، والحركة الطلابية والشبابية في فرنسا عام 1968، وقد حدث لها بعض الخلل النفسي، وانتهت حياتها في عزلة تامة بدون أن يعرف أحد عنها أي شيء، كذلك المناضلة الطلابية سهام صبري، وكانت أبرز قيادات الحركة الطلابية في السبعينيات، والتي انتهت حياتها على عتبات زواج فاشل، لتلحق بليلي الشربيني، وتنتابها الأعراض النفسية ذاتها، كذلك الراحلة ابتهال سالم، التي ماتت وحيدة، ولم يدركها الآخرون إلا بعد ثلاثة أيام، وإصابة نعمات البحيري بمرض السرطان وهي في عزّ العطاء الفني. ولا ننسى في هذا السياق السيدة نبوية موسي، التي ظلمت ظلما بيّنا من مجايليها، ومن الذين أتوا بعدها، بوصمها بالعمالة لصالح الإنكليز.
جانب من الندوة
وفي شكل احتفائي أقيمت ندوة في المجلس الأعلى للثقافة بمناسبة صدور الكتاب، تحدث فيها عدد من المثقفين المصريين، والمهتمين بالشأن الثقافي، نستعرض جانبا منها.
لم تقتصر الحالة على المرأة فقط
بداية تحدث وزير الثقافة الأسبق شاكر عبدالحميد، وبعد أن عدد مزايا الكتاب من اختيار الموضوع وسرد الحكايات في شكل أدبي، كذلك أهمية النماذج المختارة وما تمثله للثقافة العربية، كرصد تجارب مبدعات من أكثر من دولة عربية كمصر وفلسطين والجزائر والعراق لأسماء قوية في تاريخ المرأة المبدعة، مثل ملك حفني ناصف ومي زيادة ونبوية موسى ونعمات البحيري وابتهال سالم وغيرهن، لفت عبد الحميد النظر إلى ضرورة أن يكون الكتاب أكثر شمولاً، لأن الموت كمداً لم يكن مقصوراً على المرأة فقط، بل الرجل أيضاً، كما أن هناك من النماذج التي وردت في الكتاب عليها ملاحظات في موتها كمداً، مثل نازك الملائكة لأنها كانت قد تخطّت الـ 84 من عمرها، كما أن الجانب البيولوجي يلعب دوراً في موت المرأة، بالإضافة إلى العلاقات المجتمعية والعديد من الجوانب الأخرى يجب أن توضع في عين الاعتبار.
اليمين واليسار سواء
ومن ناحيتها رأت الكاتبة عزة كامل أن الكتاب تحدث عن المساواة بين اليمين واليسار تجاه المرأة وقضاياها، وهو ما انعكس على الحياة الأدبية والثقافية، ودلَّل الكتاب على ذلك بالعديد من الأمثلة التي كان فيها اضطهاد واضح للمرأة المبدعة، كما أن منهج الكتاب تناول مشكلة النساء المبدعات من منظور نسوي، خاصة أن النساء حينما كن يناقشن تلك القضية كان هناك تأكيد أن من أسبابه تخوف الرجل من المرأة فتم طمسهن تاريخياً في الأدب، واعتبرت كتاباتهن غير جيدة، خاصة أن مَن يكتب التاريخ رجال، لذلك فمن المهم إعادة قراءة التاريخ والبحث عن مصادر جديدة له.
تغييب دور المرأة
كما أضاف نبيل عبدالفتاح أن الكتاب يدور حول العتمة التي تحيط بالنساء والإبداع الأدبي بمختلف أجناسه، حيث فرضت سياسات معينة على المرأة حصرها في إطار مجموعة من القيم المحافظة التي اعتمدت على نمط متشدد، في محاولة حجب عقل وصوت المرأة واحتجازها في الإطار الأسري، لتتشكل الذكورية التي هاجمت خروج المرأة للمجال العام وحصرها في نطاقات هامشية. وأضاف أن الكاتبات رغم اختراقهن المجال العام وفرض إرادتهن الحرة بالمزيد من الكفاح لتأكيد حضورهن في المشهد الإبداعي، إلا أنهن مازلن في حالة من الغياب، نظراً لتهميشهن وقصص حياتهن المليئة بالألم.
سؤال استنكاري بالأساس
وأوضح الناقد محمد بدوى عنوان الكتاب «لماذا تموت الكاتبات كمدًا؟» ليس سؤالاً بحاجة إلى إجابة، وإنما هو سؤال استنكاري يرفض الإجابات السابقة، إلا أن هناك بعض النماذج مثل نازك الملائكة ووجودها في الكتاب ولم تمت كمداً؛ ليس لأنها تخطت مرحلة عمرية معينة، وإنما لأنها كتب عنها رجال كثيرون، كما كانت مي زيادة أيقونة الحياة الثقافية بالصالون الذي كانت تقدمه وحضره كبار المثقفين، لذلك فنحن إزاء مشروع كبير يجب السير وراءه، وهو وضعية الكاتبة أمام خطاب الذكورية.