لماذا على المرأة دفع ثمن جرائم الرجل أحيانا؟

مع أن العشائر تعتبر المرأة من عناوين الشرف والكرامة والفضيلة، وترفع شعار «إراقة الدم مقابل مس عرض وشرف المرأة» مع ذلك فإننا وجدنا العرف العشائري، يتغلب على ما عداه، والذي يقضي بأن تكون المرأة «فدوة» و«دية» في الحادثة التي وقعت بين عشيرتين في منطقة البصرة في العراق، وذهب ضحيتها عدد من الرجال، لتكون المرأة هي ثمن التهدئة وإعادة العلاقات إلى مجاريها المقبولة عشائريا! علما أن هذا العرف الذي يعرف الجميع في العشيرتين، الذي تساق بموجبه المرأة لتكون «فدية»، لن تعامل معاملة كريمة لدى الطرف الآخر.
أفلا يوجد تناقض، بين عرف اعتبار المرأة، من عناوين الشرف والكرامة والعرض، لتمتهن في المقابل، ويمكن معاملتها معاملة العبيد، في حال كانت هي «الفدية»؟ وألا يوجد من الرجال والأموال والحلال والمواشي ما يمكن أن يسد متطلبات وأثمان ما تم اقترافه من جرائم؟
إلا أنه على ما يبدو، يجب في عرف بعض العشائر العودة إلى أعراف سبق التعامل معها وتطبيقها، فهل ما حصل في منطقة البصرة مؤخرا هو من هذا النوع؟ وهل يوجد ما يشبه العرف السابق في بلدان أخرى؟
في روايته البديعة «الأشياء تتداعى» والتي نال عنها وعن غيرها من رواياته، جائزة «مان بوكر» العالمية في العام 2006، واعتبرها نقاد وأكاديميون ومثقفون من أفضل الروايات التي صدرت في القرن العشرين في أفريقيا، وثق الكاتب غينوا إتشيبي النيجيري، لما كان سائدا في مجتمعه القبلي وعاداته وأعرافه وتقاليده وحكمه، قبل مجيء الاستعمار البريطاني لبلاده في أواخر القرن التاسع عشر.
من بين تلك الأعراف، تقليد كان سائدا في تلك المرحلة، مفاده إن على قبيلة أو عشيرة من يقتل رجلا أو امرأة، تعويض عشيرة القتيل أو القتيلة بنساء يعتبرن بديلا ويعاملن معاملة العبيد. وهذه إحدى التعويضات التي كانت تدفع كـ «دية» لأهل القتيل أو القتيلة، وهي إحدى الأعراف التي كانت سائدة قبل مجيء الاستعمار البريطاني في أواخر القرن التاسع عشر واحتلاله لنيجيريا، ثم تغييره وعبثه بالمكونات التقليدية لمجتمع استمر في تقديس واحترام تقاليده وتطبيقها تطبيقا حرفيا منذ زمن قديم، إلا ان المستعمر ما لبث أن غير وبدل وسن من القوانين، ما أدى إلى تقويض البنى التقليدية التي كانت قائمة في البلاد.
أما ما هو قائم راهنا، فإن منظمة «بوكو حرام» في نيجيريا، تحاول العبث وتقويض كل ما استكن عليه المجتمع بأعرافه وسننه وقوانينه، لتبيح السلب والقتل والتدمير والعبث بمكونات المجتمع، ولتكون المرأة أولى الضحايا وأضعف من تتولى هذه المنظمة خطفها وسبيها ومعاملتها معاملة العبيد، كما في زمن مضى وانقضى، وما سوق وسرقة مئات التلميذات وخطفهن من مدارسهن، إلا من أكبر الدلائل الفاضحة والواضحة على ممارسات هذه المنظمة، التي تجعل من المرأة مجرد سلعة تباع وتشترى.
يبدو أن الأمر في العراق، قد عاد إلى ما كان سائدا في الممارسات الاجتماعية إلى زمن عشائري، ربما إلى ما كان سائدا في زمن الدولة العثمانية، وما تلاها من استعمار بريطاني للعراق، الذي حاول كسر منظومة التقاليد والأعراف التي كانت سائدة من قبل، حيث كانت المرأة فيها تدفع ثمن الكثير من الممارسات والجرائم، إلا أن الاستعمار البريطاني، لم ينجح في محاولة إيجاد بدائل قانونية ومدنية، تتجاوز ما كان سائدا من أعراف وعادات وتقاليد عشائرية وقبلية، إلا في مدن محدودة كبغداد والبصرة والموصل.
ومع أن الدولة الحديثة في العراق، حاولت الارتكاز على منظومة من القوانين والأحكام المدنية التي تحد من الطابع العشائري، خصوصا أن ما يمكن الأخذ به من جوهر الأديان، ينافي بعض ما يطبق من أعراف وتقاليد. كذلك فإن تراجع دور الحكم المركزي وطغيان الفوضى التخريبية في العراق، خلال العقود الأخيرة، أفسح المجال لممارسات وتقاليد عشائرية، ربما يعود زمانها إلى حتى ما قبل وجود الاستعمار. والحادثة الأخيرة التي أشارت إليها وسائل الإعلام في بداية شهر حزيران/يونيو من هذا العام، والتي ذكرت فيها عن قيام نزاع بين عشيرتين من عشائر منطقة البصرة، والتي ذهب فيها بعض الضحايا، فحكم فيها العرف العشائري بتغريم إحدى العشيرتين دفع نحو 51 امرأة للعشيرة الأخرى، ليكونن «فدية» أو «دية» ثمنا لما تم اقترافه من ممارسات وجرائم قد حصلت!.
فلماذا تكون النساء ثمنا لأخطاء أو جرائم ارتكبها الرجالّ، ولماذا المرأة بالذات هي فدية دائمة لجرائم معينة في هذه المجتمعات ارتكبها الرجال؟ ولماذا 51 امرأة ـ لا أكثر ولا أقل ـ وهل المرأة سلعة رخيصة إلى هذه الدرجة، ويمكن تحويلها إلى «فصلية» حسب التعبير العشائري السائد؟ أي أنها فدية أو «دية» تدفع لتسوية جرائم اقترفها الرجال لتتم معاملتها لدى العشيرة الأخرى التي سيقت إليها سوقا، لتعامل معاملة تشبه معاملة العبيد. أما المرأة «الفصلية» فهي التي تدفع كتعويض من عائلة القاتل إلى عائلة القتيل، ليتم تزويجها من دون مهر أو دفع تكاليف، والمرأة في هذه الحالة عادة ما تعامل معاملة العبيد.
أفلا يذكر هذا الذي جرى في منطقة البصرة من ممارسات عشائرية، بما كان سائدا في نيجيريا قبل مجيء الاحتلال البريطاني، وألا يوجد في نصوص وأحكام الديانات والقوانين والشرائع السماوية وغير السماوية ما يمكن أن يكون أرحم على نساء لم يرتكبن ذنبا أو إثما؟

٭ كاتب فلسطيني

سليمان الشيخ

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية