لماذا فشل السيسي في اختبار غزة؟

حجم الخط
11

■ لم يكن العهد الجديد في مصر يتمنى ان يتعرض لهذا الاختبار القاسي في غزة بهذه السرعة. لم يكن مستعدا، وهو ما يفسر التأخر في التعاطي مع الملف لاسبوع كامل. كان يتمنى التفرغ لاجندته محليا واقليميا.
وللوصولإلى فهم افضل للكواليس يجب على المراقب ان يضع الامور في سياقها بدون تسرع في اصدار الاحكام.
اولا- ان النظام الذي بنى شرعيته وسمعته على محاربة الارهاب وجماعاته، وبينها «الاخوان» التي يعتبرها رسميا «ارهابية ومحظورة»، وهو ما يمتد تلقائياإلى حركة حماس التي ذهب البعض في مصرإلى اعتبارها «الذراع العسكرية»، وجد نفسه فجأة في موقف يضطره نظرياإلى «التخابر» معها، وهي التهمة نفسها التي وجههاإلى الرئيس المعزول محمد مرسي.
ناهيك عن ان النظام كان يحضر لتقديم عدد من الفلسطينيين الذين يزعم انهم حمساويون للمحاكمة بتهمة الارهاب. فما كان منه الا ان اختار تجاهلها في التشاور بشأن المبادرة قبل اعلانها، معتبرا ان تشكيل حكومة التوافق يجعل الرئيس محمود عباس العنوان الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وذهبإلى القول بأنه من الغريب ان تتوقع حماس من النظام الجديد، الذي لم تعترف به حتى الان، ان يتواصل معها او يتجاوز سلطة رام الله من اجلها.
وفي الواقع ان النظام فوت فرصة مهمة عندما فعل ذلك، متجاهلا تصريحات ايجابية من زعيم حماس في بداية العدوان تحدث فيها عن «نخوة الجيش المصري». ومع رفض حماس للمبادرة، وايغال اسرائيل في غزة قتلا وتدميرا، خسر النظام اي قدرة على التحكم في الاحداث، ناهيك عن الخسارة الاخلاقية الفادحة التي لا تفوقها الا فضيحة اسرائيل نفسها. وفي الواقع انه كان يمكن التواصل مع حماس بالاسلوب نفسه الذي لم يتوقف حتى اثناء توتر العلاقات في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، اي عبر القنوات الامنية، بدون ان يعني هذا اي تطبيع سياسي او «مكافأة لحماس» على ما يعتبره النظام تدخلا عدائيا من جانبها في الشأن المصري.
ثانيا – من الناحية الانسانية اقتصرت المساعدات المصرية على هدية قدمها الجيش باسم الشعب المصري لاهل غزة تقدر بخمسمئة طن من الاغذية والادوية، بل ان السلطات الامنية منعت قافلة من المساعدات من الوصولإلى رفح بدعوى عدم حصولها على الترخيص المطلوب. وكان الموقف الصحيح ان يتم تفتيش القافلة ومنحها الترخيص حسبما تقضي القوانين، بدلا من اعادتها من حيث جاءت، وهو ما اعطى انطباعا بان النظام المصري يواصل محاصرة القطاع، حتى وهو يتعرض للقصف الاسرائيلي. والمؤكد ان القاهرة كانت تستطيع ان تحصل على هدنة انسانية من اسرائيل لاقامة جسر من المساعدات الانسانية، واستقبال عدد اكبر من الجرحى لتلقي العلاج، سواء في مصر او اي بلد عربي اخر. لكن ما حدث هو ان النظام سمح بدخول المساعدات الاماراتية فيما يتقاعس حتى كتابة هذه السطور عن منح ترخيص لمساعدات ايرانية. مع ان المفترض هو فصل كل ما هو انساني عن العلاقات السياسية مع هذا البلد او ذاك.
ثالثا- فشل النظام في التعامل مع تجاوزات واساءات اعلامية مهينة لغزة واهلها وليس لحركة حماس.
وحتى اذا كانت تلك الاساءات صادرة عن شخص مختل عقليا، كما اعتبرته محكمة جنح القاهرة العام الماضي، فان هذا لم يمنع اثرها المدمر على صورة الموقف المصري، ناهيك عن كونها تمثل اهانة لمصر وشهدائها في القطاع عبر قرون طويلة.
ومن المرير ان تتزامن تلك الاساءات مع نشر صحيفة «معاريف» الاسرائيلية لتفاصيل عملية اغتيال الضابط المصري البطل مصطفى حافظ في منتصف الخمسينيات، عقابا على دوره في تدريب الفدائيين الفلسطينيين وتسليحهم. وقد نعاه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في خطاب شهير باعتباره «قائد جيش فلسطين» في غزة.
والامر هنا لا يتعلق بحرية رأي نطالب النظام بقمعها، ولكن بهيبة دولة يفترض ان ترفض اهانة شعبها واي شعب اخر، والشعب الفلسطيني بشكل خاص، لما للعلاقات التاريخية معه من خصوصية تعمدت بدماء الشهداء، بل ان الرئيس السيسي شخصيا تغاضى عن اتهامات خطيرة وجهها اليه السيد عكاشة ولم يرد عليها، ومفادها انه كان قرر ان يقوم بقصف اهداف في غزة اثناء توليه وزارة الدفاع، لولا ان الرئيس المؤقت عدلي منصور رفض التوقيع على الهجوم. وبالطبع لا يمكن ان يكون النظام هو من اوحى بتلك الاساءات او معظمها، الا ان مجرد سكوته عنها جعله مسؤولا عنها ومتبنيا لها.
رابعا- فشل الرئيس السيسي في اعلان ادانة مصر للمجازر الاسرائيلية في خطابه بمناسبة ليلة القدر الاسبوع الماضي، رغم ان العالم كله كان يشعر بالصدمة بعد قيام اسرائيل في ذلك اليوم بقصف «سجّادي» في غزة اوقع عشرات الشهداء. ورغم ان شيخ الازهر الذي سبق السيسي في الحديث ادان تلك المجازر بوضوح، وهو ما ينفي عن السيسي احتمال النسيان، خاصة ان خطابه كان مرتجلا. وباستثناء بيان هزيل من وزارة الخارجية المصرية يدين «الاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين» فشلت رئاسة الجمهورية في اتخاذ اي موقف سياسي او حتى اعلامي واضح، رغم تأكيد السيسي خلال خطابه بمناسبة ذكرى ثورة يوليو ان «مصر ستقفإلى جانب الشعب الفلسطيني».
فماذا يتوقع النظام ان تكون سمعته بعد كل هذا الفشل؟ وماذا يتوقع من نتائج؟ وكيف يمكن ان يتعامل مع كارثة انسانية كبرى على حدوده؟ وما معنى هذا الفشـــل في غزة بالنسبة لامكانية نجاحه في قضايا اخرى استراتيجية؟

٭ كاتب من اسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية