جبهة تخلف جبهة ومبادرة تتلوها مبادرة. ولا يكاد يمر شهر أو أسبوع من دون أن يظهر في تونس من يقول للتونسيين إنه الاكثر قدرة وجدارة من غيره لقيادة البلاد، وإنه وحده من يملك الحلول الناجزة والسريعة لفض كل المشاكل والأزمات، بدءا بمعضلة الحكم والبطالة وغلاء الأسعار والفقر، وصولا إلى مشاكل المرور والمواصلات والصحة والنظافة.
ومقابل تضحيته الغالية تلك وما سيبذله من وقت وجهد خارق لخدمة الشعب، فإن كل ما يطلبه من حشود الفقراء والبسطاء والمعدمين، التي تزداد أعدادها يوما بعد آخر، أن تجهز نفسها وتستعد تمام الاستعداد للحظة التي تمنحه فيها أصواتها عند الاستحقاق الانتخابي المقبل.
قد يقول قائل وما العيب في ذلك؟ أليس من حق السياسيين أن يطمعوا ويعملوا بكل السبل المشروعة لكسب الأصوات والوصول إلى السلطة، مادام التنافس عليها أمرا عاديا ومن صميم العملية الديمقراطية؟ وما الإشكال مادامت الامور تسير بشكل مدني وسلمي، وما دام الكل يعرض بضاعته ويروجها في سوق انتخابية مفتوحة، يختار فيها الجمهور بالنهاية الافضل والانسب؟ ولكن من يفترضون ذلك ينسون أن التجربة القصيرة في تونس لم تنضج بعد، وأنها ما زالت تتحسس طريقها بوعورة، ولم تقطع حتى الان بالكامل، مع سرديات وتمثلات ذهنية ونفسية لطبيعة الحكم وأدوار الحكام والمحكومين، رغم كل التغيرات السياسية والدستورية التي عرفتها البلاد خلال السنوات الست الاخيرة. وربما كان الانطباع الذي رسخ حول أداء الطبقة السياسية في الشهور والأعوام التي تلت هروب بن علي، واحدا من بين الاسباب التي تفسر ذلك، وتنعكس على حالة اليأس والاحباط وعدم الثقة،
التي تسود نظرة قسم واسع من الجمهور للعملية الديمقراطية بوجه عام، ولكن الإشكال قد يكون أكبر واعمق من ذلك. انه يتعلق بالتصورات التي يستبطنها التونسيون حول معنى تحمل المسؤولية داخل الدولة. وقد لا يكون لهذا الامر علاقة بالطرق والأشكال التي يسلكها الطامحون والقادرون على الوصول لتلك المواقع العليا. فلا فرق هنا أو اختلاف بين من توصله صناديق الاقتراع وبين من ترتقي به قوة المال أو السلاح أو العلاقات أو حتى الحظ إلى الصفوف الامامية الاولى، مادامت النتيجة بنظر الناس تبدو في كلتا الحالتين واحدة. لقد قال لهم بورقيبة في خطابه في الجلسة الاولى لافتتاح أشغال المجلس التأسيسي، الذي وضع الدستور الاول للاستقلال، «من اليوم لن يتصرف في حقوق الشعب التونسي غير الشعب التونسي، ولن يكون الحكم في البلاد لفائدة فرد أو جماعة أو طبقة بل لفائدة مجموع الأمة التونسية». وذكر لهم ذات مرة أيضا في خطابه الشهير في البالماريوم أنه لم يسع للسلطة، بل جاءته المسؤولية رغما عنه، وبعد كفاح دام نصف قرن، لكنه وعلى مدى ثلاثين عاما من حكمه الفردي المطلق ظل يتصرف في البلاد وكأنها قاصر لا تستطيع التحرك من دون عونه ومساعدته. لقد أوهم التونسيين أنه في غيابه عن السلطة لن يكون لهم قيمة أو وجود وأنهم سيصبحون ساعتها «غبار افراد» كما وصفهم في إحدى خطبه. وظلوا طوال سنوات حكمه المديد يشاهدون كل يوم وبلا انقطاع مقتطفات من خطبه وتوجيهاته على شاشة التلفزيون الرسمي، ويستمعون في الإذاعة للقصائد والمدائح المشيدة بعبقريته وعظمته الفذة. فيما استمر هو في الامساك بالسلطة بكل ما أوتي من جهد وقوة، رغم وهنه وتقدمه في العمر، حتى حان أجله وأطاح به أقرب رجاله، ليعلن في بيانه الاول أن الشعب «قد بلغ من الوعي والنضج ما يسمح لكل ابنائه وفئاته بالمشاركة البناءة في تصريف شؤونه، في ظل نظام جمهوري يولي المؤسسات مكانتها ويوفر اسباب الديمقراطية المسؤولة، وعلى أساس سيادة الشعب، كما نص عليها الدستور». ثم يعيث بعد شهور وأعوام قليلة من ذلك فسادا واستبدادا ويملأ البلاد ظلما وجورا وقهرا.
لقد كان الامر عبارة عن حلقة تاريخية مغلقة ونسخة طبق الاصل بقيت وتكررت باختلاف الحقب والمراحل. فقد ازاح بورقيبة آخر ملك في تونس ليسقطها في استبداد أقوى وأشد وبادر بن علي بالانقلاب عليه ليجعلها مرتعا للفساد والظلم، قبل أن يهرب بعدها في ظروف مريبة ومجهولة ليظهر من يقول للتونسيين هذه المرة أن العصر هو عصر «الشعب يريد» لكن من دون أن تظهر دلائل على أن هناك تغييرات حقيقية، لا على جوهر السلطة، ولا على بنية الدولة. هل كان الناس عرضة لخداع الساسة؟ وهل أنهم بالنهاية ليسوا سوى ضحايا لا حول لهم ولا قوة؟ أم انهم كانوا مدركين وقانعين بذلك الوضع، وراغبين في أن يسمعوا من يقول لهم أنا ربكم الاعلى ولا اريكم إلا ما أرى، ما دام يحقق لهم أهم شيء وأقصى غاية قد يطمحون لتحقيقها وهي الأمان واللقمة؟
قد يكون من السهل إلقاء اللوم على الحكام واتهامهم بانهم وحدهم سبب كل المصائب والبلاوي والكوارث، ولكن سيكون من الصعب على التونسيين أن ينظروا إلى انفسهم في المرآة ويعترفوا بعللهم وقصورهم وقدرتهم على التلون والتغير بحسب الظرف، وعلى تفريخ المستبدين وصناعتهم وتعظيم صورهم وجعلهم انصاف آلهة. فإذا كان صحيحا أن الشعوب على دين ملوكها فلاشك أن الملوك والحكام ايضا لم يكونوا مخلوقات فضائية تنزل من كوكب آخر بقدر ما هم خميرة طبيعية واصلية لمجتمعاتهم. ومن المؤكد أن الحكم الفردي المطلق لبورقيبة وبن علي لم يكن ليستمر كل تلك العقود الطويلة لو لم يكن هناك مناخ محلي واقليمي يشجع على الفردانية، وعبادة الشخص، ويسمح لطبقة من النفعيين واصحاب المصالح بالتقرب بشتى الطرق والاساليب من السلطة، ومباركة كل تصرف أو عمل يصدر عنها، وإيجاد المخارج والحجج القانونية له حتى لو طائشا وظالما. فالوصوليون والمتسلقون والمقربون من تلك الدوائر كانوا غالبا اخطر على التونسيين من الحكام انفسهم. وهؤلاء لم ينقرضوا بمجرد اختفاء الحاكم المستبد وزوال حكمه، بل غيروا جلودهم وظهروا مرة اخرى هاتفين ومؤيدين لبديله الديمقراطي، لأن شعارهم كان دائما «مات الملك عاش الملك». ومن الطبيعي انهم لم يجدوا فرقا أو اختلافا بين الاستبداد والديمقراطية واستطاعوا بحركات بهلوانية رشيقة ركوب الموجة الجديدة، مستغلين تجذر الزعاماتية والفردانية في المخيال العام، وعجز الديمقراطية الفتية عن انتاج نماذج تشاركية بديلة. لقد وضعوا غشاوة فوق أعين الناس والحكام معا فجعلوا التونسيين يتصورون انهم بحاجة لزعيم وقائد ورجل دولة مثل بورقيبة، وجعلوا الحكام الذين اختارتهم الصناديق يعتقدون انه بامكانهم خرق الدستور ودوس القانون ومسك السلطات بيد واحدة واستعادة الحكم الفردي المطلق تحت مسمى هيبة الدولة.
وفيما كان حكم الفرد يستمد قوته في الماضي من سطوة النظام وترهيب الناس وخوف وجبن قسم واسع من النخب، فانه صار الان يلبس ثوب ديمقراطية مغشوشة تدعي انه التعبير الاصلي عن ارادة الشعب. وبين هذا وذاك ظل قلق التونسيين وبؤسهم على حاله وسيستمر كذلك على الارجح رغم كل الجبهات والمبادرات والمشاريع التي قد تظهر بين الحين والاخر.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية