لماذا لم يخسر حزب المعارضة الرئيسي في تركيا أي مقعد؟

حجم الخط
1

حزب المعارضة الرئيسي، وهو الحزب الجمهوري الأتاتوركي، ارتفع حضوره في البرلمان مقعدين اثنين، من 132 إلى 134، وهذا الحزب يستند إلى قاعدة جماهيرية يمكن وصفها بالملتزمة المتزمتة، خصوصا أن الكتلة الصلبة منها تمثل العلويين الاتراك، بشقيهم العرب في انطاكيا، والترك في انطاليا ومحافظات أخرى.
وهؤلاء اختلافهم مع حزب العدالة ليس سياسيا أو يتعلق بمتطلبات خدمية أو إنجازات اقتصادية، أو حتى استقرار أمني، بل هو اختلاف جذري عميق بالهوية، ممتد لذاكرة سحيقة في التاريخ من المصادمات مع العثمانيين قبل خمسمئة عام، عندما كان السلطان سليم متوجها لقتال الصفويين في بغداد، فتمردوا عليه في انطاكيا، ما أدى لقمعهم بشدة وقتل الآلاف منهم.
زعيم الحزب الجمهوري الاتاتوركي المعارض من العلويين، وقد اتهمه أردوغان يوما بتأثره بانتمائه الطائفي، في تصريحات أثارت ضجة حينها، خصوصا بعد مواقف قيادات هذا الحزب المؤيدة علنا للرئيس السوري بشار الأسد، ولكن الحدث الأخير الابرز في هذا الشأن هو مطالبات الحزب الجمهوري بتغيير اســـم الجسر الثالث، الذي توشك الحكومة التركية على الانتهاء من بنائه في مضيق البوسفور، وقد اطلقت عليه جسر السلطان سليم..
قبل الانتخابات بيوم التقيت بعدد من العلويين العرب جنوب البلاد، وكما كل استحقاق انتخابي كان همهم الاول هو افشال أردوغان، بغض النظر عن أي نتائج سلبية قد تذهب بالبلاد نحو الفوضى أو التراجع الاقتصادي، فهذا هو آخر ما يفكرون فيه تماما، كحال أقربائهم على الجانب الآخر من الحدود السورية في اللاذقية، الذين دمروا سوريا من اجل الحفاظ على سلطة الطائفة.
وفي تركيا تتعامل الحكومة بمرونة بالغة مع العلويين العرب، يكفي أن يذهب أي شخص لمناطقهم ويرى صور الرئيس السوري الاسد معلقة إلى جانب صور الحسين «رضي الله عنه»، في المحلات والشوارع العامة، ليعرف مدى المرونة التي لا يمكن لأي دولة أن تسمح بها، لولا وجود اعتبارات تتعلق بتجنب إثارة الحساسيات والنعرات الطائفية، خصوصا أن جنوب البلاد شهد بالفعل اقتتالا مذهبيا بين السنة والعلويين في اواسط الثمانينيات استمر لأشهر قبل أن يتدخل الجيش ويفرض فصلا بين المتحاربين، لكن تلك الازمة أدت لتهجير عدد من التجمع العلوي حينها .
عدا عن تلك الكتلة الصلبة من العلويين التي تبلغ نحو 80‎٪‎ من جمهور الحزب الاتاتوركي، حسب تصريحات صدرت من إحدى قياداته سابقا، فإن الشريحة الاخرى التي تمثل اقل من الثلث من ضمن قاعدته الانتخابية هي اقلية من الاتراك السنة المرتبطين بالحقبة الاتاتوركية، الذين ينتمون لعائلات ارتبطت ببروجوازية السلطة في عهد اتاتورك.. وهؤلاء رغم انهم لا يشكلون أكثر من 10٪‎ من الاتراك السنة في عموم البلاد، إلا انهم متعصبون ايضا لحزبهم، ومن الصعب على أي حسابات اقتصادية أو متعلقة بمصلحة الاستقرار بالبلاد أن تجعلهم يحولون اصواتهم للحزب الذي اثبت انه حقق قفزة اقتصادية هائلة في البلاد بشهادة خصومه.
أما باقي الأحزاب كالحزب القومي والشعوب الكردي، فهي التي حصل منها حزب أردوغان على أغلبيته، من كتلة من كل حزب حولت اصواتها لحزب العدالة، وهؤلاء أيضا تأثروا بمناخ التوتر المذهبي مع اليساريين الاكراد والعلويين، الذين يقودون المعارضة ضد اردوغان وحزبه، لذلك فقد قررت كتلة كبيرة من الحزب القومي تحويل اصواتها لحزب العدالة، خاصة أن الخلافات بينها تتعلق فقط بجوانب سياسية واقتصادية وليست هوياتية، فجمهور الحزب القومي وجمهور حزب العدالة ينتمي للمكون نفسه، وهم الاتراك السنة، فكان أن حصل حزب اردوغان على اربعين مقعدا من الحزب القومي، وهو نصف مقاعده تماما! إذ أن الحزب القومي كان قد حصل على ثمانين مقعدا في الانتخابات السابقة قبل أشهر، بينما الاخير حصل على اربعين مقعدا فقط.
ولا يبدو أن الاصوات التي ذهبت من الحزب القومي لاردوغان آمنوا فجأة بسلامة نهجه الاقتصادي أو السياسي، بعد أن كانوا في المعارضة، وبعد أن كان اهم شروط حزبهم للمشاركة في الحكومة هو محاسبة الفاسدين ومحاكمة الوزراء الذين يتهمون بقضايا فساد مالي في حكومة اردوغان، في الازمة المالية التي وقعت مؤخرا، وقد استمر رئيس الحزب القومي بموقفه المعادي لبعض المؤسسات التي تسيطر عليها اجنحة حزب العدالة، كالقناة التركية العامة، عندما ازاح الميكروفون الخاص بها من امامه قبل الانتخابات بيومين فقط، كاحتجاج من قبله. ورغم ذلك الموقف المعادي لحزب العدالة في الناحية الاقتصادية والسياسية، الا أن جزءا منهم تحرك للحفاظ على مصالح اقتصادية خاف من زوالها بضعف حزب العدالة، لكن العامل الآخر المهم هو مناخ الاستقطاب الطائفي العرقي الحاد، خاصة أن القوميين هم اكثر المتعصبين ضد الحركة الكردية ووجدوا أن إضعاف اردوغان قد يمنح الاكراد مزيدا من هامش القوة والمناورة ومزيدا من القدرة لإحداث الفوضى .
أما المجموعة الأخرى التي انحازت لحزب العدالة فهم الاكراد المحافظون المتدينون، الذين كانوا اصلا جزءا من قاعدة الحزب الاسلامي، ولكنهم صوتوا لحزب الشعوب في الانتخابات السابقة، رغبة منهم في منح قومهم الاكراد النسبة اللازمة للدخول إلى البرلمان، وهي حاجز العشرة بالمئة، هذه الشريحة من الاكراد المتدينين، التي تمثل نحو ثلث الاكراد في تركيا، وجدوا أن اقرانهم من اليساريين الاكراد القوميين سيدخلون البلاد في حالة هذيان، لذلك قرروا تحويل أصواتهم والعودة لحزب العدالة، ليفقد حزب الشعوب الكردي نحو عشرين مقعدا من اصل ثمانين كان قد حصل عليها في الانتخابات السابقة.
وهكذا فإن الاحزاب التي تمثل مكونا عقديا أو عرقيا معينا لا تتأثر كتلتها الصلبة بأي اعتبارات سياسية أو اقتصادية عند الانتخاب، بل تصوت للحزب الذي هو في الحقيقة يمثل ذاته كمكون متمايز عن البقية، بغض النظر إن كان هذا الحزب فاشلا اقتصاديا أو سياسيا، كالحزب الجمهوري، أو أنه سيدخل البلاد في أزمة عدم استقرار، ففي البلاد المنقسمة لا صوت يعلو فوق صوت القضية، بينما من يحولون اصواتهم الانتخابية لحزب اخر، يكونون من المكون نفسه، وينتمون للهوية نفسها داخل الجماعة، كما حصل مع الاتراك السنة الذين انتقلوا من الحزب القومي لحزب العدالة، لقد كان انتقالا داخليا لأسباب سياسية حزبية داخل المشروع نفسه وخيمة الجماعة الثقافية.
هذه الرؤية تقودنا لقضية سبق أن ناقشناها، وتتعلق بمدى إمكانية تطبيق الديمقراطية في بلدان منقسمة بشدة طائفيا وعرقيا، لأنه ستصبح حينها الاعتبارات الاقتصادية والسياسية ثانوية مقابل الاعتبارات الحاسمة كالانتماء الايديولوجي أو العرقي، وفي تلك الحالة تصبح العملية الديمقراطية وكأنها انتخابات بين شعوب داخل بلد، وليس انتخابات لشعب واحد في بلد واحد.

٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية