في مسلسل الأزمات المتفاوتة الثقل والتبعات الذي بات يحتل الحياة العامة في مصر (أو ما تبقى منها) بصورةٍ متواصلة ومستمرة، وعلى خلفية العنف والتوتر المحتقن اللذين يسريان في أوصال المجتمع، فإن حدثين بالأخص يحتلان الحيز الأكبر من الأهمية في نظري، وهما غير بعيدين عن بعضهما بعضا كون مجلس الشعب طرفاً فيهما.
الأول، وربما الأبعد أثراً والأعمق مغزىً في نظري، تلك المتعلقة بقانونٍ جديد للهيئات القضائية مرره مجلس الشعب، ووفقاً له يتم استبدال قاعدة ومبدأ تولي القضاة لرئاسة تلك الهيئات بناءً على أقدميتهم، باختيار الرئيس لهم من بين ثلاثة قضاة ترشحهم كل هيئة.
أما ثاني الأزمات فبطلها النائب هيثم الحريري الذي حُول إلى التحقيق متهماً بالإساءة إلى رئيس المجلس بسبب إصراره على المطالبة بحقه في الكلمة وإبداء الرأي في مشروع قانون الهيئة الوطنية للانتخابات، إذ عقب خلافه مع رئيس المجلس في هذا الصدد اعتبر هذا الأخير أن انتقادات النائب الحريري له إهانة للمجلس ذاته.
والحقيقة أن الموقفين بالنسبة لي لا يعدوان مثالين للفكاهة، ولذلك الكم من الهزل الذي تردى إليه الوضع العام في مصر ومدى الاضمحلال والابتذال اللذين يسمان ما قد نسميه تجاوزاً الممارسة السياسية للنظام.
من البين تماماً أن الغرض من قانون الهيئات القضائية الجديد ليس سوى توسيع صلاحيات الرئيس لكي يختار من يشاء، قاضياً بذلك على أي هامشٍ قد يكون متبقياً لدى المنظومة القضائية من الاستقلالية، مما قد تتيحه آلياتها الداخلية.
والحقيقة أن ذلك يعيدني إلى ما كتبته سابقاً بصدد الحكم ببطلان الطعن المقدم من الحكومة على حكم محكمة القضاء الإداري في قضية ترسيم الحدود البحرية، أي قضية تيران وصنافير، إذ على الرغم من ترحيبي بالحكم، لم أنسق إلى التهليل والطبل والزمر بـ»القضاء الشامخ»، ووضحت حينها رأيي في كون جسد القوانين في الإجمال ليس سوى تعبيرٍ عن توازن القوى داخل التركيبة الاجتماعية، الذي يأتي في صالح الطغم أو النخب الحاكمة في نهاية المطاف، خاصةً في مجتمعاتنا التي تفتقر إلى قوى سياسية تعبر عن طبقاتٍ لها ثقل في العملية السياسية (الشكلية في أحسن الأحوال والمفتقدة من الناحية الفعلية). لكن ذلك لا يمنع أو ينفي أن لتلك المنظومة قانوناً ومنطقاً داخلياً يحكمها وأن ثمة شرفاء هنا وهناك وذوي أهواءٍ وانتماءاتٍ مغايرة للطبقة الحاكمة قد يحكمون بعكس ما تريده.
والسيسي ونظامه لا يريدان أن يسمحا أو يتيحا حتى هذا الهامش، وأكاد أجزم بأن ذلك الموقف الحرج الذي وجدوا أنفسهم فيه إبان حكم المحكمة، وراء ذلك التغيير، ففي وقتٍ مأزومٍ كالذي نمر به، حيث يتجلى كل يومٍ فشل السياسات الاقتصادية وكارثية تبعاتها على القطاعات الأوسع، بالإضافة إلى ما بات لا شك فيه من التفريط، في أوقاتٍ كتلك، يختار النظام أن يتخفف من أي موانع أو أحمالٍ من الشكليات قد تعيقه أو تحرجه.
مصر ليس فيها أي نوعٍ من الفصل بين السلطات، ومن يقول غير ذلك فإما هازلٌ أو حسن النية، أو منافقٌ وهو الأرجح. مصر فيها سلطةٌ واحدة فقط، مؤسسة الرئاسة، وكل الباقي مكسبات لون وطعم ورائحة يتم التخلص منها والعصف بها حين اللزوم، ولعل مثال المستشار هشام جنينة هو الأقرب والأحضر في الذهن.
مجلس الشعب الموجود حالياً هو مجلس «موافقات» بامتياز، شأنه في ذلك شأن كل المجالس السابقة في الحقيقة، اختير جل أعضائه في غرف أجهزة الأمن، ولعل الفارق الأساسي يكمن في التخفف أيضاً من تلك النسبة من «المعارضين» التي كان يسمح بها لإضفاء شكلٍ ديمقراطي وطابعٍ تعددي يستطيع أن يرضي به الخارج الذي يضغط من أجل الانفتاح السياسي، وربما الداخل أيضاً. هو مجلسٌ لم يأتِ ليدير الاختلاف معبراً عن قوى سياسية وراءها جماهير، كما الحال في الديمقراطيات العتيدة (على إشكاليات ذلك النموذج وحدوده التي ظهرت للعيان في السنوات الأخيرة) وإنما أُتي بها لإضفاء غلالة من المشروعية على انقلاب، ولتمييع السلطوية والمركزية اللامتناهيتين، ومن يدري فربما لتوزيع تبعات ومسؤولية الكوارث على جهاتٍ عدة واللائمة أيضاً.
قديماً، اعتُدي على عبد الرزاق باشا السنهوري الفقيه القانوني الأكبر وضُرب في مجلس الدولة، بعد أن ساعد وساند ثورة يوليو، وأسدى لهم أجل الخدمات حين اشار عليهم بالشرعية الثورة مضفياً بذلك على الانقلاب غلالة المشروعية، التي كان في أمس الحاجة إليها.
لذا، فإن ما يدهشني حقيقةً هو دهشة الكثير من الكتاب من هذه التطورات، أحسب أن المشكلة الاساسية تكمن في أنهم بالفعل صدقوا بأن هذه دولة، وأن بها مؤسسات، خاصةً أولئك الذين أقنعوا أنفسهم بأن السيسي ناصر جديد أو مخلص، لذا يبدو أنهم يجدون صعوبة بالغة في رؤية أحلامهم بانبعاثٍ قومي ٍ جديد تسقط، ومن ثم رؤية الواقع كما هو، عارياً بكل قبحه، علماً بأن «معلمهم» بنفسه اعترف بأن مصر «شبه دولة» ومن الأكيد أنه لم يفعل شيئاً ليعدل ذلك.
ولأن النظام، بدعمٍ من هؤلاء الكتاب أحياناً، قد عصف بالناشطين وبالفصيل الوحيد ربما الذي كانت له أرضيةٌ شعبية، فإنه بات القوى الوحيدة المنظمة على الساحة، ولم يعد لدى هؤلاء الهاربين من الحقيقة سوى التعبير عن جزعهم من ذلك التهديد «للفصل بين السلطات»، غير الموجود أصلاً والذي لا يكترث به النظام كثيراً، على الأقل الآن في عز أزمته.
كذلك تجدهم يناشدونه التريث لكي لا يضر ذلك بصورته أمام العالم، كأن ذلك هوأهم ما يعنيني كمواطن.
لعبةٌ بائسةٌ وسخيفةُ تماماً تلك حيث يتظاهر كل الأطراف بتصديق ما يدركون تماماً كذبه ويستمرون في لعب أدوارٍ غير مقنعة، وعلى مضض، بينما ينزلق البلد في دوامةٍ عنفٍ وفقرٍ وتوحش.
والسؤال هو: لماذا مايزال هؤلاء الواهمون يفاجأون بعد مسلسل الفشل والكذب الطويل المستمر؟ ومتى سيدرك هؤلاء عبثية ذلك ومتى سيدركون إفلاس الإصلاحية؟
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل