لماذا نجحت تجربة العدالة والتنمية في المغرب؟

حجم الخط
2

سؤال يطرحه الكثير من المراقبين لتجارب الحركات والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في العالم العربي، وهو لماذا نجحت تجربة الإسلاميين في المغرب في الاندماج السياسي والعمل من داخل مؤسسات البلاد، بعد حوالي 20 سنة من الانخراط في العمل السياسي والانتخابي في إطار حزب العدالة والتنمية؟
فبكثير من الدهشة يتابع المراقبون من خارج المغرب التجربة السياسية لحزب العدالة والتنمية ويتساءلون عن عناصر قوتها التي مكنتها من التوقيع على نتائج سياسية متقدمة بالمقارنة مع الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في العالم العربي، فقبيل الانتخابات التشريعية الأخيرة ساد الاعتقاد لدى الكثيرين بأن مهمة الإسلاميين جرى استنفادها وهي الإسهام في الخروج من استحقاقات الربيع العربي بأقل الخسائر من الناحية السياسية، بعدها سيتم إغلاق القوس الديمقراطي والعودة لاستئناف جدول أعمال التحكم والاستبداد، ولا مجال للحديث عن استثناء ديمقراطي في المنطقة العربية!
والحقيقة أن هذه التجربة هي محصلة الكثير من المحددات الموضوعية التي تعود لاعتبارات تاريخية عميقة، فالمغرب عرف تعددية سياسية حزبية منذ سنة 1934، هذه التعددية التي ترسخت مع الاستشارات الشعبية والاستحقاقات الانتخابية المتوالية منذ سنة 1962 رغم ما شابها من عمليات تحريف عن الإرادة الشعبية، كما تميزت التجربة المغربية بطبيعة النظام الملكي الذي يعتبر محل إجماع من طرف القوى السياسية المشاركة، وبطبيعة الأدوار الاستراتيجية التي يقوم بها الملك مثل دور التحكيم في القضايا الخلافية الكبرى بالإضافة إلى قيادة الجيش وإبعاده عن الشأن السياسي، دون أن ننسى الدور الهام الذي يحتله الملك في رعايته للشأن الديني باعتباره أميرا للمؤمنين..
إن طبيعة الواقع الاجتماعي والسياسي المغربي جعلته يعرف منذ الاستقلال انفتاحا اجتماعيا وسياسيا مقدرا، ومن هنا نفهم بأن المغرب، على عكس بعض التجارب العربية المقارنة، لم يعتمد سياسة عدائية اتجاه الحركة الإسلامية، ولم يختر أسلوب تجفيف منابع التدين لمحاصرتها، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على نمط التدين السائد بشكل عام في أوساط المجتمع بشكل عام وفي أوساط الحركة الإسلامية بشكل خاص والذي اتسم في عمومه بالاعتدال والوسطية، وبالمرونة في الجانب السياسي.
لقد اختارت الملكية في المغرب أن تواجه احتجاجات الشارع المغربي بالحوار، وتفاعلت مع مطالب الدينامية الاحتجاجية لـ20 شباط/فبراير المتأثرة برياح الربيع العربي بالحوار وبالتفاعل السريع مع مطالبه عبر خطاب مباشر يوم 9 آذار/مارس وعبر إصلاح الوثيقة الدستورية التي سجلت الكثير من المقتضيات المتقدمة بالمقارنة مع الدستور السابق..
الشباب المغربي الذي أطلق شرارة الاحتجاجات تفاعلا مع ثورات الربيع العربي هو بدوره لم يرفع شعار إسقاط النظام وإنما طالب بإصلاحات ديمقراطية عميقة، وهو ما كان ثمرة لسياسة الاعتدال والانفتاح السياسي الموزون التي اعتمدها النظام السياسي اتجاه معارضيه بدرجات متفاوتة منذ الاستقلال إلى اليوم.
إن منهج حزب العدالة والتنمية لم يكن من الممكن أن يقفز على هذه السياقات البارزة، فهو امتداد لفكرة المشاركة السياسية التي تم تطويرها داخل حركة التوحيد والإصلاح منذ حوالي ربع قرن.
هذه الحركة التي ولدت رسميا سنة 1996 على إثر وحدة اندماجية بين تنظيمات سابقة، وقد كانت هذه الوحدة نتيجة مسار مراجعات عديدة على الصعيد الفكري والسياسي والتنظيمي، ويعود تاريخ هذه التنظيمات إلى نهاية الستينيات وبداية السبعينيات.
من أبرز ما تميزت به هذه الحركة بالمقارنة مع شبيهاتها في باقي الأقطار العربية هو نجاحها في ترسيخ منهج التداول الديمقراطي على المسؤوليات التنظيمية، كما نجحت في المحافظة على خصوصيتها كحركة إسلامية ملتصقة بالبيئة المغربية وليست لها أية ارتباطات تنظيمية بحركات إسلامية خارج التراب الوطني، وساهم مفكرو الحركة ومثقفوها في إشاعة فكر إسلامي معتدل ينهل من مدرسة المقاصد كما تبلورت في الغرب الإسلامي من الشاطبي إلى ابن عاشور وعلال الفاسي وأحمد الريسوني وسعد الدين العثماني وغيرهم…
هذه النتيجة هي امتداد لمسار من المراجعات الفكرية والاجتهادات السياسية، أبرزها مطلب القطيعة مع مطلب إقامة «الدولة الإسلامية»،وتثمين المرتكزات التي تستند عليها شرعية النظام السياسي القائم وتركيز الوعي بأهمية كون الدولة في المغرب ذات جذور تاريخية تمتد إلى أكثر من اثني عشر قرنا، والوعي بأهمية المحافظة على الشرعية الدينية التي تستند عليها، والتي تعززت بالتنصيص الدستوري على أن المغرب دولة إسلامية وأن الملك أمير المؤمنين. وبالتالي، فإن تأثير صدمة سقوط «الخلافة الإسلامية» على المغرب كان أخف بكثير منه على المشرق العربي، لأن الجميع يعتبر أن الدولة الإسلامية في المغرب مستمرة، لم تنقطع ولم تسقط. وقد أعطى ذلك ما عرف بـ«الخصوصية المغربية»، مما كان له تأثير بعيد المدى على السلوك الدعوي والتنظيمي والسياسي للحركة وللحزب.
غير أن هذا المسار لا ينسحب على جميع الحركات الإسلامية في المغرب، فقد ظلت جماعات أخرى تحتفظ بمقولات أخرى، جعلها تخوض مسارا مختلفا أثر في طبيعة العلاقة بينها وبين الدولة وباقي الفاعلين السياسيين.

٭ كاتب من المغرب

لماذا نجحت تجربة العدالة والتنمية في المغرب؟

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية