لماذا هم هناك؟ ونحن هنا؟

حجم الخط
8

بين الهُم والنحن، والهناك والهنا، مسافات يمكن أن تتعدد مستوياتها وأبعادها. عندما نضع التقاطب بين الهم والنحن، فإننا عادة ما نتحدث، عربيا، عن الشرق والغرب. أما التمايز بين الهناك والهنا، فيمكننا أن نتعامل معه في ضوء التقاطب السابق نفسه منظورا إليه أفقيا، لأن التعامل معه عموديا، يضعنا أمام شمال وجنوب: شرق جنوبي، وغرب شمالي.
واضح من خلال هذا التمييز أننا أمام اختلاف متعلق بالمكان ـ الجغرافيا. إن هذا الاختلاف أزلي. فالشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا، على حد قول كيبلنغ. وهناك اختلاف آخر يتصل بالزمان ـ التاريخ، لكنه متغير. لقد سبق الغرب الشرق إلى دخول العصر الحديث، وعمل عن طريق الاستعمار على «إقحامه» فيه قسرا، فلم يكن دخول الشرق الزمن الحديث طبيعيا. وظل التعثر قائما في الزمان.
ما انفك السؤال عن الاختلاف بين الشرق والغرب يفرض نفسه تاريخيا ووجوديا وفكريا وسياسيا، ومن أتيحت له فرصة العيش هنا (الشرق)، وهناك (الغرب)، لا يمكنه إلا أن يطرح السؤال التالي الذي يعطي لذلك الاختلاف بعدا آخر: لماذا هم (الشمال) هناك؟ ونحن (الجنوب) هنا؟ ولا يمكن فهم هذا السؤال بالدقة التي أريد، بدون توضيح يسلب عنه البعد القدري ويجعل السؤال يربط بين الزمان والمكان، ويتخذ هذه الصيغة: لماذا هم هناك في زمن؟ ونحن هنا في زمن آخر؟ وواضح أن هنا وهناك يمكن أن يتخذا أيضا بعدا زمنيا.
لم يتولد لدي هذا السؤال، بهذه الصيغة الدقيقة، إلا بعد أن اقتُطِعت من حياتي «هنا» سنتان عشتهما «هناك». وهناك ظهر لي أن قولة كيبلنغ ليست فصيحة فقط، ولكنها بليغة أيضا. والأقوال البليغة من القول المأثور الذي لا يمكن أن يجبه سوى قول أشد أثرا. وفي الصور التالية ما ينبئ عن التمايز والتقاطب بين الهنا والهناك، زمكانيا.
أتذكر، أنني كنت أفرح، وما أزال، مرتين في «هنا» لمدينتي. المرة الأولى إبان الزيارات الملكية. كان البراح يمر في أسواقنا الشعبية وبراريكنا، منبها إلى ضرورة تنظيف الأزقة، وتجيير الصفائح التي نسكن فيها بالجير، ورفع الرايات الحمراء فوق البراريك، وعدم رمي المياه القذرة في المجاري. وفعلا تصبح المدينة أخرى.
أما الفرحة الثانية، فهي عتبة الانتخابات. بقدرة قادر، ترى المدينة، بل كل المدن، تصبح ورشة عمل دؤوب وجاد ومتواصل: توسيع الأزقة، تزفيت الشوارع المتربة وترصيفها، إقامة أعمدة الكهرباء، غرس الأشجار والنخيل هنا وهناك، إصلاح الحدائق المهملة. كنت أظن، الآن، هذه الإصلاحات، فقط في الرباط، وعندما زرت الجديدة مؤخرا، لاحظت الاهتمام نفسه بالمدينة، وقد صارت عاصمة دكالية بامتياز. الأغرب أن كل هذه الأعمال تنجز في زمان قياسي، وبجودة عالية.
كانت هاتان الفرحتان تجعلاني، منذ طفولتي، أتمنى لو أن الزيارة الملكية تتكرر إلى مدن صفيحنا كل شهر، ولو أن الانتخابات تتواتر كل ستة أشهر. كان هذا سيجعل فرحي يتعدى حدود الزمان، وأنا أرى المكان الذي أعيش فيه قد أصبح مهيأ لجعلنا نشعر بأننا فعلا إنسان.
في ليون، كنت أستيقظ دائما على الساعة الخامسة صباحا على صوت المياه الهادرة، فكنت أتوهم العواصف، وغزارة الأمطار. وتبين لي مع التجربة، أنهم يغسلون المدينة يوميا، وكل من يخرج صباحا، يجد المدينة تستقبله بوجه متجدد. وعندما بالغت في وصف نظافة ليون أمام أحدهم، علق شامتا: إنها مدينة «براز» الكلاب، مقارنة بالمدينة الألمانية.
عندما عدت إلى ليون بعد سنتين، في زيارة علمية، وجدت أنفاقا تحفر، وأبراجا تقام، وشوارع توسع، وجسورا تبنى فوق نهري الرون والسون وتحتهما. تعجبت، فقيل لي: إنهم يخططون لليون 2050.
أمام تلك الفرحتين حزنان يلازمانني أبدا هنا: الذهاب إلى الحراسة أيام الامتحان، والذهاب إلى الإدارة. ونحن على عتبة الامتحانات الجامعية أحس بتوتر شديد، وأعتبر ساعتين في الحراسة توازي شهورا من التدريس. تجعلني ساعات الحراسة أمام زمان آخر، أقوم فيه بدور لست مؤهلا له نفسيا. فالطالب يرى نفسه «ضحية»، وأنت تراقبه تتقمص دور «الجلاد». وعليك بـ»توم» و»جيري»؟
أما الذهاب إلى الإدارة لتحصيل وثيقة فتلك الطامة الكبرى. أفرط أبدا في مصالحي الإدارية للرهاب المتكون لدي كلما اضطررت للذهاب إلى أي إدارة، وكيفما كان نوعها. هنا يظهر لك الموظف والمؤسسة، وكأنهما مكرسان لشيء واحد هو إشعارك بأنك في حاجة إلى شيء ليس من حقك. وفي حال إنجازهما لعمل ما لفائدتك، فإنهما أعطياك ما لا تستحقه.
وصلت إلى ليون مساء الأحد، وفي صبيحة يوم الإثنين، ذهبت إلى الكلية، فوجدت لي صندوقا للرسائل، وعليه اسمي، وكل الوثائق المتعلقة بالقوانين المنظمة للجامعة والكلية والقسم، وجدول الحصص، فكان أول العجب. وبعد السلام على العميد، ذهبت إلى رئاسة الجامعة، فاستقبلتني المسؤولة مرحبة باسمي، وكأنها تعرفني من زمان. وفي حدود الثانية عشرة زوالا، كان عندي رقم حساب، وشيك على حسابي، ومكتب مجهز، وثلاث بطائق لمكتبات الجامعة الموزعة على طول المدينة وعرضها. وعندما ذهبت للفحص الطبي، تمنيت لو سكنت في المستشفى. وصارت أكثر أيامي فرحا، أن أذهب إلى أي إدارة لتسوية أوراق معينة. سهولة وانسيابية، في التعامل وسلوك حضاري راق. وأي وثيقة يوقعها أي موظف ينجزها أمامك. ولست في حاجة إلى انتظار، أو الذهاب، إلى حين رجوعها بعد  توقيعها من المسؤول الأكبر.
كنت أتساءل: لماذا كل التعقيدات الإدارية «هنا»، ووقعت لي تجارب مريرة في بعض البلاد العربية، بسبب وثيقة تافهة؟ بينما كنت أفرح حين أطالب بوثيقة  «هناك». هناك تجد الترحيب، وترى الفرح على محيا من يخدمك، وحين تطلب منه الرجوع في وقت آخر، يصر على بقائك أمامه حتى ينجز مهمتك، مدعيا أنه يكون في غاية السرور حين يقدم لك خدمة.
حرست «هناك» في الامتحان. وصرت أطلب من بعض الأساتذة أن أعوضهم في الحراسة. وجوه الطلبة بشوشة. كل واحد أمامه قطعة شوكولاته، وماء. وما إن يطرح السؤال حتى يلتزم كل واحد بورقته، ولن تجد أحدا يخاطب زميله، أو يلتفت، أو يفكر في الغش. كان عجبي كبيرا. وكنت أتمنى لو أن ساعتي الحراسة تطول أكثر. تجد من يحرس معك، يقرأ جريدته، أو يطالع في كتاب، أو يتناقش مع زميل له. لم أر أحدا يلتفت إلى الطلبة. هو فقط في خدمتهم وقت الامتحان، لمد ورقة جديدة، أو جمع الأوراق.
ما أكثر ما يحزن «هنا» وليس الأمر مقتصرا على الإدارة، بل حتى في علاقاتك مع الحرفي والصانع والبناء والسباك والتاجر والجار، لماذا العلاقة بين الناس هنا مبنية على الاستغفال والاستبلاد والانتهاز والنفاق، و»هناك» على الشفافية والاحترام والتقدير؟ لماذا أي عامل «هناك» يحب عمله، ويتفانى فيه إلى حد اعتباره «الزبون» ملكا؟ ولماذا «هنا» لا أحد يحب عمله، وحين يقوم به، لا يكون عن طيب خاطر، وكأنه يسدي لك معروفا ينتظر منك مقابلا له، أو إهانة منه تشعره أنه مهم، وأنك تافه في حاجة إلى «ورقة» إدارية تطلبها منك إدارة أخرى؟
«هناك» ترى في وسائل الإعلام «المجتمع»، والبرامج التي يحضر فيها المواطنون للتعبير عن آرائهم في مختلف القضايا التي تهم الجميع. «هنا» تجد «الدولة» هي التي تتصدر مختلف البرامج والأغاني، والصحافي لسان الدولة هو الذي يخاطب، ويوجه.
لا داعي للعجب. الفضاء «هناك» متلائم مع الزمان. أما «هنا»، فالزمان لـ»فضاء» آخر.
كاتب مغربي

سعيد يقطين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية