لماذا يبدو العلماني العربي أكثر قابلية للخيانة الوطنية من نظيره الإسلامي؟

حجم الخط
10

هو سؤال مشروع تماما في ظل الاستقطاب الحاد الذي تشهده أقطار الوطن العربي بين التيارين الإسلامي والعلماني منذ انطلاق قطار الربيع العربي. ومن حق المرء أن يتساءل: أي الفريقين أشد عرضة للسقوط والتورط في الخيانة الوطنية والانقياد خلف أعداء الأمة، وبخاصة أننا نشهد اليوم الكثير من التدخلات السافرة من جانب قوى دولية، معروفة بمخططاتها ومساعيها الخبيثة للهيمنة الكلية على المنطقة العربية وأهلها؟
أول ما يمكن التفكير به في معرض محاولة الإجابة عن سؤال المقالة هو مرجعية كل من الإسلامي ونظيره العلماني. فمعرفة المرجعية التي يتبع لها المرء مهمة جدا، لأنها توجه الفكر والسلوك إلى ما هو مفترض، وسأضرب لكم بعض الأمثلة على ذلك:
عندما أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين عام 1947، سارع معظم الكوادر العلمانية الشيوعية العربية على امتداد الأرض العربية إلى الموافقة عليه، لمجرد أن مرجعيتهم العليا المتمثلة في الحزب الشيوعي في موسكو صادقت عليه، بدون أن تفكر في كثير أو قليل أنه يشكل خيانة وجريمة لا تغتفر ضد فلسطين وضد حقوق أهلها العرب.
وعندما تسلل عرفات وزمرته، وكلهم علمانيون، إلى أوسلو للارتماء في أحضان قادة الكيان الصهيوني، لم نجد معارضة جدية من سائر الأحزاب والشخصيات العلمانية الفلسطينية والعربية، وقلائل جدا هم الذين احتجوا على اتفاقية أوسلو من العلمانيين. ومهم هنا أن نوضح أن احتجاجهم عليها لم يكن احتجاجا مبكرا وأصيلا يرفضها من حيث المبدأ، وإنما جاء بعد توقيعها بسنوات، لإدراكهم لسلبية نتائجها ولعدم التزام الكيان الصهيوني بتقديم التنازلات التي تعهد بتقديمها في الاتفاقية.
ولو تتبعنا مرجعية التيارات والشخصيات التي رفضت الاتفاقية ونددت بها حقا وصدقا وما تزال، على الأقل مقارنة برفض العلمانيين وتنديدهم بها، لوجدنا أنها جميعها ذات مرجعية إسلامية. ولوجدنا أن هذه التيارات والشخصيات هي التي ترفع منذ أوسلو، ووحدها، شعار المقاومة الجدية، بينما سقطت نظيراتها العلمانية إما في فخ العمالة الصارخة للكيان الصهيوني ضد نهج المقاومة، أو تحولت في أفضل الأحوال إلى هياكل عاجزة للتنظير والثرثرة المكتبية الفارغة!
ذلك أن مرجعية الإسلامي هي مرجعية داخلية عريقة عميقة تنبع من صلب تاريخه ومعتقده، وتمتد أصولها إلى مصدر سماوي مقدس يتحدث عن ثوابت ومبادئ راسخة لا مجال لتغييرها أو التلاعب بها والتنازل عنها. لذلك يصعب كثيرا على متبعها التفريط بها أو التصادم مع مقولاتها، قياسا إلى العلماني، الذي يتبنى مرجعية أرضية دنيوية مائعة مذبذبة، قد تتغير مفرداتها فجأة بدون سابق إنذار بتغير المصالح وتبدل التحالفات.
فالعلماني العربي يتبنى بالضرورة خطابا مستوردا دخيلا خارجي المصدر، سواء جاء من روسيا او من أمريكا، وسواء كان ليبراليا أو يساريا، لا يعبر عن هويته وعن تاريخه وعن مصالحه. وهو لا يملك إلا أن يجد نفسه واقفا في مرحلة من المراحل بالرغم عنه في خندق واحد مع أعدائه وأعداء أمته. وهذا ما نراه بوضوح اليوم في ما يتعلق بالموقف من الصراع في سوريا.
فالقومي العربي الذي صدّع رؤوسنا زعيقا حول العروبة لسنوات طوال، لم يعد يجد أدنى غضاضة أو تناقض في أن يقف في المعسكر نفسه إلى جانب الصفويين، أحقد الحاقدين على العرب وعلى كل ما يمت إليهم بصلة.، بل إنه يبدو على أتم الاستعداد للتحالف مع الكيان الصهيوني نفسه، لمجرد أن مرجعيته في روسيا أو دمشق تجد أن من مصلحتها فعل ذلك!
ثاني مسألة يمكن أن تستوقف المرء وهو يحاول الإجابة عن سؤالنا هي المسألة الخلقية. فالمنظومة الأخلاقية للعلماني عموما هي منظومة براجماتية مطاطة سائبة، لها أيضا علاقة بالمرجعية الفكرية التي توجه خطواته. فسواء كان ليبراليا أو اشتراكيا، فإنه لا يجد في العادة مشكلة في شرب الخمر مثلا، وفي إقامة علاقات عابرة مع ما يتيسر من النساء، تماما كما تفعل النماذج المثالية الأجنبية التي يهتدي بهديها. وهذا يضعف كثيرا من جدران صلابته ومناعته الأخلاقية، ويجعله أكثر عرضة بكثير من نده الإسلامي للوقوع في فخاخ الانحراف والفساد، سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا.
ومن يقرأ عن حيوات الكثير من الشخصيات العربية التي اغتيلت على أيدي الموساد، وكلهم تقريبا من العلمانيين، يكاد يجد أن الكثيرين منهم قد سيقوا إلى حتفهم على يد عميلات صهيونيات قمن بإغوائهم. ولكم ان تتخيلوا كمية وخطورة الأسرار التي سربها سياسيون عرب إلى عشيقاتهم من الجاسوسات وهم تحت تأثير الخمر وعلى الأسرة الحمراء!
وقد نشرت وسائل الإعلام قبل أشهر قليلة أن سوزان مبارك، زوجة الدكتاتور المصري الفاسد المخلوع، هددت بعرض أفلام تصور الكثير من السياسيين العرب وهم في أوضاع جنسية مخجلة، إذا لم يسارعوا إلى نصرة زوجها الساقط. ولعل ذلك التهديد المخيف يفسر جزءا من الحماس المتوقد للعديد من الأنطمة العربية للدفاع عن مبارك والترحيب باستضافته والسعي الحثيث لإنقاذه من حكم الإعدام الذي كان يستحقه بدون أدنى شك، جزاء جرائمه التي لا تحصى على مدار عقود!
في المقابل، وبينما ما تزال الصحف المصرية تضج بأخبار فضائح الفساد المشينة لكثير من الشخصيات السياسية في مصر، العلمانية في معظمها، التي أفضت إلى إسقاط حكومة محلب، الذي لا يخلو ملفه هو نفسه من شبهات الفساد منذ أيام خدمته في عهد مبارك، دققوا قليلا في تجربة الإخوان المسلمين.
فبعد إسقاط حكمهم على يد الانقلاب الدموي الآثم في مصر، لم يتمكن الانقلابيون من إيجاد قضية فساد واحدة، أخلاقية أو دينية، ضدهم. وذلك لأن التزامهم الديني المتمركز حول ثوابت لا مجال للتساهل أو العبث فيها، يحصنهم ويقيهم إلى حد بعيد خطر الانجراف خلف النزوات والشهوات والأهواء.
صحيح أن الأمور نسبية، وصحيح أن الإسلاميين ليسوا ملائكة وليسوا بمعصومين من الوقوع في صور كثيرة من صور الانحراف والزلل. إلا أن الشواهد الدامغة التي لا يحاول دحضها إلا متشدق مكابر، تثبت أنهم الأنقى والأنظف، وأنهم الأكثر استعدادا للتضحية والبذل والعطاء، وأنهم الأحرص والأخلص في الدفاع عن قضايا الأمة وحمايتها من المخاطر التي تتهددها.
أما العلمانيون، فحتى وإن افترضنا فيهم النظافة التامة من باب الجدل، فإنهم وكما أثبتت التجارب سرعان ما يسعون إذا تمكنوا من الحكم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، إلى إفساد وتلويث مجتمعاتهم العربية الإسلامية بقيم غربية غريبة مستوردة، لا يمكن إلا أن تتناقض مع دين الأمة وثوابتها وأخلاقها، ولا يمكن إلا أن تضع بلدانهم تحت إسار التبعية والاستلاب والتغريب على أقل تعديل.
فهم يبيحون الخمر والبغاء والقمار والشذوذ الجنسي والانقياد للقوى الأجنبية تحت مسميات كثيرة مختلة ومخادعة، ويحاربون في الوقت نفسه الطهر والعفاف والأًصالة والتدين والاستقلال الحقيقي، أيضا تحت مسميات كثيرة مخاتلة ومخادعة.
فكيف يمكن الثقة بهؤلاء وائتمانهم على أوطاننا بعد أن جربناهم وعرفنا معادنهم؟ ولماذا نستغرب عندما نسمع عن انكشاف أخبار فضائحهم وصفقاتهم وخياناتهم وعمالتهم لهذه الدولة الغربية أو تلك!؟

د. خالد سليمان – كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية