لا يمكن وصف تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الأخيرة خلال زيارته إلى مخيمات تيندوف والجزائر مطلع شهر آذار (مارس) الحالي، ونعته الصحراء بالمحتلة إلا بأنه تعبير عن ذهنية تقليدية لـ»حل» المشاكل العالقة أو الطارئة والتي يتخبط فيها الوطن العربي منذ خضوعه للاستعمار والتقسيم. وحين أصفها بالتقليدية أحملها كل تركات الرؤية الاستعمارية التي هي وليدة القرن التاسع عشر، من جهة، وأعتبرها، من جهة أخرى، تعبيرا على التعامل مع العرب وقضاياهم ومشاكلهم التي سببها الاستعمار.
لا يمكن التعامل مع عبارات كي مون بأنها من قبيل الشطحات الشخصية التي تنتاب بعض المسؤولين في لحظات الانتشاء الذي يتولد عن الأهواء. إنه تعبير عن موقف ثابت، ولاسيما وهو في اللحظات الأخيرة على رأس هذه المنظمة التي تأسست في ظروف خاصة جعلت المهام المنوطة بها لا تتعدى خدمة المستعمرين القدامى، ومن يسير في فلكهم ممن يمارسون الاستعمار الجديد (بعضهم يتحدث عن «ما بعد الكولونيالية»؟) الذي لا يختلف عن التقليدي إلا في أنه يحتل ويسيِّر ويتدخل دون أن يحتل شبرا واحدا من الأرض.
يمكن تلخيص تلك المهام التي تتكلف بها مثل هذه الهيئات التي تحضر فيها الدول «السائدة» في كلمة واحدة: إدامة المشاكل في المناطق التي يمكن أن تتطور، لأن أي تقدم لهذه المناطق لا يمكن إلا أن ينعكس سلبا على تلك الدول. وما دام جزء أساسي من المشاكل التي تتخبط فيها المناطق نفسها وليدة الاستعمار التقليدي لأنه هو الذي اصطنعها، فالعمل على استمرار تلك المشاكل قائمة هو من الأدوار الأساسية التي تتكلف بها مثل هذه الهيئات. وبذلك فتصريحات كي مون الأخيرة لا يمكن فهمها إلا في هذا السياق.
قد يتعجب البعض من رد الفعل المغربي، ومن المظاهرة ذات الثلاثة ملايين التي نظمت بالرباط، وبعدها التي نظمت بالعيون. وقد ينفعل كي مون، ويرى في السلوك المغربي إساءة له ولمنظمته العتيدة. كما أن التعليقات الشديدة اللهجة التي تكثفت في الشبكات الاجتماعية الرقمية ضد تصريحاته لا يمكن سوى أن تدفع إلى السؤال. لكن ذلك التعجب وهذا الاعتبار، وكل الأسئلة، سرعان ما تذوب مثل فص ملح في كأس ماء إذا ما تبين العمق التاريخي والحضاري للوطنية المغربية. فالشعب المغربي قدم كل غال ونفيس من أجل وحدته الترابية. إن المغرب الأقصى لم يتشكل مع الاستعمار شأن العديد من الدول الحديثة. وحدوده الحالية لم يضعها سوى الاستعمار الفرنسي بعد احتلاله للجزائر، ورسمه حدودها وفق مبتغياته بعد أن اقتطع أجزاء من المغرب الشرقي. وعند اقتسام فرنسا مع إسبانيا المغرب، إلى قسمين: الشمال والجنوب لإسبانيا والوسط وجنوب الصحراء (موريتانيا) لفرنسا، ، كان الاستعمار بذلك يسعى إلى تثبيت أقدامه في المنطقة، وإبراز أن المغرب ليس دولة، وليس له تاريخ.
هذا العنف الاستعماري الذي مزق أوصال المغرب، وفرق بين القبائل، باسم نقل الحضارة الغربية الراقية، هو العنف نفسه الذي يمارس علينا حاليا باسم حقوق الإنسان والحريات العامة. لكن رجوعا بسيطا إلى التاريخ القريب والبعيد يكشف لنا بالملموس تشكل الدولة المغربية وتطورها على مدار التاريخ. فما الذي يباعد بين الصحراء المغربية والحدود التي اصطنعها الاستعماران الفرنسي والإسباني؟ وما الذي يباعد بين القبائل المغربية في الوسط ونظيراتها في موريتانيا؟ ويمكن طرح السؤال نفسه عن القبائل والأراضي المغربية، ونظيرتها في الغرب الجزائري؟ إلى الآن ما تزال الأغنية الشعبية المغربية تتأسف على «مغنية» الموجودة حاليا بالجزائر، والتي ترددها الشيخات: «هذيك لالة مغنية/ دركَوك شي جبال عليا».
لكل هذه العوامل التاريخية حضورها في الذاكرة الشعبية المغربية، ولا يمكن أن يمحوها الاستعمار، ولا مقولات تولدت في سياقات الصراع بين كتلتي الشرق والغرب مثل تقرير المصير. متى ظهرت الصحراء المتنازع عليها؟ ما هي الدولة التي حكمتها طوال التاريخ؟ يزعم الاستعمار الفرنسي والإسباني أنها أرض خلاء؟ من يصدق هذه الخرافة الاستعمارية؟ ألم يقل ذلك بصدد المغرب؟ ألم يقم الاستعمار الفرنسي عندما أقدم العلامة عبد الله كَنون على تأليف كتابه في النبوغ المغربي، وهو كتاب في تاريخ الأدب المغربي، بمنعه من التداول لأنه يثبت أن للمغرب تاريخا وحضارة وينقض بذلك الأطروحة الاستعمارية؟
في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين قامت ثلاث حركات وطنية تقاوم الاستعمار الفرنسي والإسباني من الريف والأطلس والجنوب المغربي. ألم تناضل الحركة الوطنية المغربية عن استقلال تام للمغرب الأقصى الذي يمتد إلى موريتانيا؟ ألم يناضل جيش التحرير المغربي في الجنوب ضد الاستعمار الإسباني، ورفض تسليم السلاح إلا بعد استكمال التحرير النهائي من الاستعمار؟ لا أظن أن هذا التاريخ غائب عن المستعمرين التقليديين والجدد. فالمستشرقون والباحثون الأجانب في التاريخ القديم والحديث يؤكدون هذه الحقائق. لكن الدبلوماسية الاستعمارية بوجهيها القديم والجديد لها تصور آخر ومقاصد أخرى. إنها تتعامل بلغة منطق القوة ومقصد المصلحة. وتقتضي المصلحة استمرار الوضع الذي خلفه الاستعمار. وكل من يسير في هذا الاتجاه، ومهما كان شعاره التحرري والتقريري والعقلاني فهو يصب في خدمة الاستعمارين القديم والجديد.
ما هي المشاكل التي حلت على مستوى الهيئات «الدولية» باختلاف مسمياتها ونعوتها منذ نهاية الحرب الثانية: فالقضية الفلسطينية لا تتقدم خطوة إلى الأمام، حتى تتراجع خطوات إلى الوراء؟ ساهمت هذه الهيئات الدولية في إرجاع العراق قرونا إلى الوراء، وها هي تساهم في تدمير سوريا، ورغم مرور أزيد من خمس سنوات على الحرب، ها هي ما تزال رهينة الدمار والخراب. وما فعلت الأمم المتحدة في اليمن: ألا تتحمل قسطا من المسؤولية في ما يجري إلى الآن؟ وقضية الصحراء، ما هو الجديد الذي قدمته بخصوصها منذ 1975 وقبل أن يخرج بان كي مون من هذا المحفل «الدولي»، ها هو يعيد النقاش إلى سنة 1974؟ أليس في هذا ما يكفي من الأدلة على أن هذه المنظمات الدولية ليس من غرضها حل المشاكل، وإنما ديمومتها أبد الدهر؟
إن الأرض التي وقف عليها كي مون ليعلن احتلال المغرب للصحراء، أرض مغربية محتلة. وحين يتحدث بتلك النبرة غير المسؤولة عن المغرب يكون يدين الوجدان والذاكرة المغربيين، ويكون بذلك يضع المستقبل المغربي في مشاكل يسعى جاهدا للخروج منها. لماذا يتعاملون معنا، نحن العربَ، بهذه الطريقة المهينة التي تجعل الوطن العربي فضاء للخراب والدمار، وتعرض المواطنين للهجرة أو الموت جوعا؟ هل هذا العالم الحر الديمقراطي ممثل أرقى الحضارات عاجز عن حل القضايا العربية العالقة والطارئة من أم القضايا فلسطين إلى ما يجري حاليا في العراق وسوريا وليبيا واليمن؟ إنه ليس عاجزا، ولكنه متواطئ، ولا يريدها إلا أن تستمر. إن استمرار «الفوضى الخلاقة» في الوطن العربي على حساب المواطن العربي، هو الذي يضمن استمرار رفاه المواطن الغربي.
إلى جانب هذا العامل المتصل بالصراع والتجاذب بين الأمم لتحقيق المصلحة الخاصة على حساب الآخر، يتعاملون معنا بهذه العنجهية لأننا نمكنهم من النفاذ إلى واقعنا والفعل فيه على النحو الذي يخدم مصالحهم. ماذا يضير الجزائر أن تكون الصحراء مغربية؟ ولنعط الجزائر حقها «الثوري» في العالم المعاصر، لماذا تغلق حدودها مع المغرب، وتحول بذلك دون تبادل المصالح بين الشعبين؟ هل الشعبان يريدان استمرار هذا الوضع؟
ندين الاستعمار التقليدي، ولكننا ندعم سياسة الاستعمار الجديد. وتلك عنجهية أخرى.
كاتب مغربي
سعيد يقطين