لماذا يستفتون شعوبهم؟

حجم الخط
9

كان استفتاء الشعب البريطاني حول مصير علاقته بالاتحاد الأوربي تعبيرا واضحا عن العلاقة التي تسم الدولة بالشعب، وتبرهن بالملموس على أن القضايا المصيرية لا يمكن أن يقررها رئيس الحكومة، أو البرلمان، ولكن الشعب عن طريق استفتاء عام لا تتدخل فيه الدولة بتوجيه الرأي العام. ومعنى ذلك، بتعبير آخر، أن ما يهم الشعب بصورة أساسية لا يمكن أن تنفرد به جهة معينة مهما كانت مصداقيتها، أو مؤسسة ما وإن كانت تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع. ولعل لهذا النوع من الاستفتاءات التي تعرفها المجتمعات الغربية أثره الكبير في إعطاء الديمقراطية الغربية كامل أبعادها الاجتماعية، مهما كانت وجهات نظرنا في الطرق التي تمارس بها هذه الديمقراطية.
إن الحكومات التي تمارس الاستفتاء تقر بصريح العبارة على أن للشعب كلمته في القضايا الكبرى التي تمس مصالحه الحيوية واليومية. أما الحكومات والدول فهي كالأيام دول بين الناس: فقد تذهب حكومة وتأتي أخرى، ولكن ما يوحد بينها رغم اختلاف الشعارات والبرامج هو خدمة الشعب والوطن. ولا يمكن أن تسود مثل هذه الممارسات إلا في الدول التي ترى أن مصلحة الوطن والمواطن لا يمكن أن يزايد عليها أحد مهما كانت المسميات والشعارات. ولهذا السبب نجد من بين مميزات هذه الديمقراطية الغربية أن الشعب أعلى من الدولة وأسمى منها لأنها ليست سوى تجسيد لإرادته ورغبته ومصلحته.
 ليست هذه الديمقراطية حكرا على الغرب، بسبب ما عرفه تاريخه الحديث من هزات وثورات وحروب وصراعات جعلته يختط مسيرته في العصر الحديث متجاوزا أساليب الحكم التي هيمنت بصورة خاصة في التاريخ الأوروبي الوسيط. إن النظام القبلي الذي عرفته الجزيرة العربية قبل الإسلام، يمدنا بأمثلة دالة على التلاحم بين أفراد القبيلة في اتخاذ القرارات الكبرى التي تهم القبيلة، والتي لا يمكن أن ينفرد بها شيخ القبيلة أو أحد الأمراء. وفي القرآن الكريم نجد قولة الملكة بلقيس دالة بقوة على هذا التوجه الاستفتائي أمام حدث جلل، تقول: «يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ». فالملأ، وأفتوني، وما كنت قاطعة أمرا، تشهدون، تكشف بوضوح تام على الأخذ بالرأي الجماعي. ولعل الأمر الإلهي بالمشاورة في الأمر لا يعدو تعبيرا عن إشراك الجميع في اتخاذ القرارات الهامة التي تشغل بال الأمة في اللحظات الحرجة. وفي النظام القبلي المغربي حتى وقت قريب كانت «الجماعة» تعلو على أي صوت فردي مهما كان موقع صاحبه في تراتبية القبيلة، ولا يمكن أن يتخذ أي قرار بدون مشاركة الجميع في مناقشته وإبداء الرأي الجماعي فيه.
من يطلع على الشعر العربي في الأمور المدلهمات يجد الكثير من الإشارات الدالة على أهمية الرأي والرأي الجماعي في الشؤون العامة. لكن هذه الصور التي يمدنا بها التاريخ العربي ـ الإسلامي في أزهى فتراته، كان يتم تجاوزها باستفراد الحاكم وحاشيته وحريمه أحيانا بالتدخل في مختلف الشؤون العامة، فلم تكن تؤدي إلا إلى الكوارث التي ما تزال ممتدة إلى اليوم، والتي يؤدي الشعب العربي ثمنها غاليا. ومع ذلك، وبالرغم من ذلك، نجد اللسان العربي الفصيح يتحدث عن الشورى، وعن المشورة ولكن بدون أي محتوى حقيقي يجسدهما على أرض الواقع.
ومع ذلك لا يمكننا أن ننكر أنه يتم أحيانا اللجوء إلى الاستفتاء في تجارب الحكم العربية الحديثة. غير أن كل هذه الاستفتاءات ليست سوى إملاءات لما يريد النظام تكريسه محملا الشعب مسؤولية دعمه وإعطائه شرعية: فتغيير الدستور، وتمديد فترة الحكم، وتوريط الشعب في تغير بعض مواد الدستور لتعيين خليفة الرئيس… وما شابه هذا من القضايا التي ليست سوى مسرحيات يطلب من الشعب التمثيل فيها بإخراجات رديئة ومزيفة، ليست سوى تعبير جلي عن السخرية منه، وتحميله مسؤولية القرارات الفردية والتي لا تصب إلا في المصلحة الخاصة التي تضر بالوطن والمواطن.
كم من القرارات الكبرى التي اتخذت في كل التاريخ العربي الحديث والتي لم تكن في مصلحة المواطن العربي، ولم يكن فيها الرأي إلا للدولة أو الحكومة. وكانت هذه القرارات ذات مضاعفات خطيرة على المصلحة العليا، ولكن لم يتم التراجع عنها، أو تقديم الاستقالة بسبب نتائجها المدمرة. والأدهى من ذلك والأمر، هو أن نجد الإعلام العربي يقدمها على أنها منجزات، وقد يتورط في تسويغها مثقفون. وكأن لسان الحال يقول: إن الشعب ليس في مستوى أن يكون له رأي في هذه القرارات.
لا يتعلق الأمر بتدني مستوى السياسة العربية حتى أنها لا تهتم بشؤون مواطنيها. وليس الأمر فقط تعبيرا عن جهل الشعب أو تغييبه من لدن أولياء أمور هذا الشعب. إنه أكبر من ذلك بكثير. إنه دال على أن النظام العربي ليس سوى تابع لما تفرضه عليه الإملاءات الغربية من إكراهات وشروط للاستمرار، وإن كان ذلك على حساب الشعب. إنهم يستفتون شعوبهم، في كل كبيرة وصغيرة. ولكنهم، حين يتعلق الأمر بالقضايا التي تهم الشعب العربي، لا يهمهم استفتاء هذه الشعوب لأنها ليست جديرة بأن تستفتى، لأن استفتاءها يتعارض مع مصالحهم التي هي مصالح شعوبهم. بل إن كل الإملاءات التي يفرضونها على الأنظمة العربية، لأنها هي التي يمكن أن تعمل على تطبيقها، هي بشكل أو بآخر تحقيق لاستفتاء شعوبهم ضدا على مصلحة شعوبنا.
أمن مصلحة أمريكا والغرب أن يستفتى الشعب العربي حول الحروب الدائرة في العراق وسوريا واليمن وليبيا أو حول مشاركة العرب فيها؟ أم حق هؤلاء أن يستفتى الشعب العربي حول موضوع التطبيع مع إسرائيل؟ أو المصالحة معها؟ أو الاعتراف بها؟ أمن مصلحة أمريكا وروسيا والغرب أن يستفتى الشعب العربي في فتح الحدود بين الدول المتجاورة، وإلغاء التأشيرات على المواطنين العرب واعتماد عملة موحدة؟ ما أكثر المصالح الشعبية العربية المهدرة والمفوتة لفائدة إلحاق المزيد من القهر والعسف والتجويع على هذا الشعب. لكن هذا الغرب الذي يستفتي شعبه، ويفرض على الشعوب العربية شروطا وإكراهات تستنزف إمكاناته وإرادته في الحياة، وهي محرومة من حقها في أن يكون لها رأي في القضايا الجوهرية التي تهمها، هو نفسه الذي يلوح بين الفينة والأخرى، بالدفاع عن حرية أفراد يعدون على أصابع اليد الواحدة، تعرضوا للقمع والاضطهاد غير مكترث لمعاناة لاجئين ومُجوَّعين ومُهجّرين ومُقتّلين ومعذبين من الأبرياء من النساء والأطفال… وهم يعدون بالآلاف المؤلفة؟
إن مصلحة الشعب العربي لا يمكنها إلا أن تتعارض مع مصلحة الشعوب الغربية حين تعمل الحكومات الغربية على رعايتها مهما كانت آثارها مدمرة أو سلبية على هذه الشعوب. يعرف الغرب متى يستفتي شعبه، ولأي ضرورة ما دام يرى في ذلك مصلحته. ولكن حين يتعلق الأمر بالشعوب الأخرى، فلا مجال لاستفتائها، إذ يبقى القرار للدوائر الحربية لأنها تدافع عن الدوائر المالية، لأنها ترى أنها تراعي الناخب الغربي. ويكفي أن نتذكر في هذا السياق كون الشعوب الغربية أحيانا كانت تقف إلى جانب معاناة الفلسطينيين أو العراقيين، لكن الغرب لم يكن ليستفتي شعبه في مثل هذه المواقف.
إنهم يستفتون شعوبهم، لكي لا يبقى مجال لاستفتاء شعوبنا.

كاتب مغربي

لماذا يستفتون شعوبهم؟

سعيد يقطين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية