لماذا يسمحون لنا بالخروج

حجم الخط
0

كان لي فرصة التحدث مع صحافي فلسطيني في الآونة الاخيرة في احدى زوايا التدخين حيث قال لي: «لماذا تعتقدون أننا سنسمح لكم بالخروج من المناطق؟ من الذي سيحمينا؟». أنا أفترض أن هذا كان بمثابة نصف نكتة. ولكن كتمرين فكري قد يكون من الجدير التفكير بالنصف الثاني.
يمكن طرح السؤال على النحو التالي: لماذا يوقع معنا محمود عباس على اتفاق سلام مقابل دولة في حدود 1967؟ والجواب هو أنه سيستطيع تحرير أبناء شعبه من السيطرة العسكرية الإسرائيلية والتفرغ لانبعاث حياته القومية.
إلا أن الامر ليس بهذه البساطة. فهذا يحتاج التنازل عن حق العودة. وهذا سيتسبب لكل سياسي فلسطيني بدفع ثمن باهظ. فبعد أن أقسموا وخلّدوا مشكلة اللاجئين على مدى ثلاثة أجيال بمساعدة وكالة الأونروا، سيشكل التنازل عن حق العودة في نظر الكثيرين خضوعا وافلاسا أخلاقيا.
وماذا عن التخفيف في موضوع حقوق الإنسان؟ هذه الحقوق هي حجر الزاوية في ادعاءات اليسار الإسرائيلي ضد الاحتلال. لكن ليس هناك يقين أن هذه الحقوق هي من أولويات السلطة الفلسطينية. صحيح أن الاحتلال الإسرائيلي يضر بحقوق الإنسان الفلسطينية، لكن جهاز الامن الوقائي ليس بالضبط إمنستي انترناشيونال. وليس هناك يقين أنه سيحترم حقوق الإنسان.
اضافة إلى ذلك، إذا كان عباس ورجاله يخشون من سيطرة حماس، فانه من الصعب اتهامهم بعد غزة. في هذا الامر يستطيع الاعتماد على القوة المتفوقة لإسرائيل، طالما أننا هناك. وهذا أكثر راحة من أن يخوض عباس الحرب لوحده. ففي النهاية الحديث هو عن أبناء شعبه.
تستطيع السلطة الفلسطينية التغطية على هذا التعلق بإسرائيل بالاعلان أنها لن تتراجع أبدا عن النضال ضد الكولونيالية الصهيونية. ولكن إذا تحررت من الكولونيالية الصهيونية بالاتفاق والتقسيم ستضطر إلى عكس جانبي المعادلة: فقدان تأييد ودعم إسرائيل وايضا الظهور بمظهر الخاضعة أمامها.
لكن، فوق كل ذلك، نظر عباس إلى ما يحدث في المنطقة كلها ولاحظ أن الدول القومية العربية من حولنا تنهار. في هذه الظروف فان الافتراض بأن الدولة القومية الفلسطينية ستكون جزيرة من الاستقرار في قلب هذه الفوضى، هو أمر غير مفروغ منه. فتية، صغيرة ولها مؤسسات غير موجهة لبناء أمة واقتصاد ضعيف يرتبط بالآخرين. كل ذلك بالتأكيد يجعل المراهنة غير مضمونة. خصوصا أن كل ما يفصل السلطة عن خلافة داعش هو المملكة الهاشمية التي استقبلت اللاجئين السوريين الذين بلغ عددهم ربع عدد سكانها.
اضافة إلى ذلك، اتفاق السلام سيعطي إسرائيل هدية، ومن المشكوك فيه أن السلطة ستسارع إلى اعطائها: سيخلصها من أكبر مشكلاتها، الاحتلال. الامر الذي سيكبح العزلة الدولية ويضع حدا للجدل الداخلي الذي يُضعف الاجماع في إسرائيل.
في هذه الظروف، ما الذي سيجبر عباس على التنازل عن مكانة الضحية مقابل مستقبل مجهول، حيث أن الضحايا يمكن أن يكونوا أكبر؟.
هل يمكن أن يكون كل ذلك خطر بباله؟ لأنه إذا حصل هذا فمن الاجدر بنا التفكير في كيفية انهاء الاحتلال بدون مساعدته ايضا. أم أن هذا كان مجرد نكتة لصحافي فلسطيني في زاوية للتدخين. اطفأنا السجائر وعدنا إلى الداخل للاستماع إلى الجدل القديم: من الذي كان على حق. من هو المسؤول. من الذي خرق. من بنى ومن كذّب.

هآرتس 18/2/2016

غادي طاوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية