لماذا يسير ريال مدريد نحو الهاوية… وبسرعة الصاروخ؟!

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: حصلت جماهير ريال مدريد على «جُرعة مُسكنة»، باستعادة نغمة الانتصارات، التي ظلت غائبة لنحو أسبوعين، قبل أن يأتي الانفراج مساء الأربعاء على حساب ثالث الدوري القبرصي «أبويل نيقوسيا»، بفوز مُريح بثلاثية نظيفة، في إحدى سهرات جولة افتتاح دوري مجموعات أبطال أوروبا.

أين «بركة» زيدان؟

إذا عُدنا بالذاكرة حوالي 20 شهرا أو أكثر بقليل، وتحديدا يناير 2016، كان موعد تسلم زيزو دفة قيادة النادي الملكي، خلفًا للمكروه من جُل الجماهير في مختلف أنحاء العالم رافا بينيتز، آنذاك الأمور لم تكن على ما يُرام، بسبب النتائج الكارثية التي وصلت لحد الانحناء أمام أعداء كتالونيا في قلب العاصمة برباعية مُذلة أعادت إلى الأذهان فضيحة الستة الشهيرة على الملعب ذاته. الشاهد أن بطل العالم 1998 قَبّل المُهمة وهو يُدرك جيدا أنها بالكاد «جمرة نار مُتوهجة»، ليس فقط لسوء توقيت توليه المهمة، حيث جاء في منتصف الموسم، بل أيضا للظروف الصعبة التي كان يمر بها جُل نجوم الفريق، وعلى رأسهم الأسطورة الحية كريستيانو رونالدو، الذي قدم أسوأ مرحلة في مسيرته مع الأبيض تحت قيادة رافا، ومثله تماما خاميس رودريغز الذي كان من المؤكد سيرحل قبل انتهاء يناير لولا طالعه الذي أجل مغادرته لعام ونصف العام. ومع ذلك، نجح رمز الديوك في إعادة البسمة والأمل داخل الفريق في ظرف أسابيع، وانعكس هذا على الأداء والنتائج التي تحسنت، من التأخر خلف برشلونة بأكثر من 10 نقاط في بعض أوقات الموسم، لإنهاء الليغا بنقطة أقل من رفاق ميسي، والأهم حصوله على دوري أبطال أوروبا الحادية عشرة، بالتخصص من أنياب الهنود الحمر بركلات الترجيح، بعدما كان الريال خارج قائمة المُرشحين على خلفية الكوارث التي تركها رافا قبل عودته إلى البريميرليغ، ليقود نيوكاسل حتى وقتنا هذا. ما يدعو للسخرية، أنه في الوقت الذي بدأ فيه صاحب الـ45 عاما يُدّشن أسطورته كمدرب يفعل المستحيل في وقت قصير للغاية، قالوا عنه أنه «مبروك» ويفوز دائما بضربة حظ من رونالدو أو رأسية من راموس في اللحظات الفاصلة، هذا بخلاف أصحاب نغمة مجاملة الحكام للريال، كما حال البارسا، لكن في الحقيقة، الرجل الفرنسي كان يبني مشروعا مدروسا «بالورقة والقلم» بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

ماذا فعل الموسم الماضي؟

بعدما قضى مع اللاعبين أول معسكر إعداد صيفي في أعقاب «يورو 2016»، كان واضحا أنه لا يعبث كثيرا في التشكيلة الأساسية، بداية من مركز الحراسة الذي احتكره نافاس منذ عودته من الإصابات في الدوري ودوري الأبطال، بالإضافة لراموس ومارسيلو وكروس ومودريتش وكاسيميرو ورونالدو وبيل وبنزيمة، هؤلاء ظلوا يضعون حجر أساس الموسم بسلسة من الانتصارات العريضة سواء على المستوى المحلي أو القاري، باستثناء رونالدو، الذي أنهى مرحلة المجموعات والدور ثمن النهائي بهدفين، قبل أن ينفجر في وجه بايرن ميونيخ وأتلتيكو مدريد بثمانية أهداف، ثم اليوفي باثنين، ليحتفظ بجائزة هداف البطولة للمرة الخامسة على التوالي. فقط، عندما أصيب بيل بدأ زيزو يُقسم الفرصة على فاسكيز وأسينسيو وإيسكو، في المقابل، موراتا كان دائما يجلس على مقاعد البدلاء في أغلب فترات النصف الأول من الموسم، لكنه حافظ على أكثر من 70٪ من القوام الرئيسي يلعب مباراة كل ثلاثة أيام، بالكاد كان يُجري تغييرات في أضيق الحدود، ليُظهر أنه أعطى الفرصة لكل اللاعبين، ولو لدقائق، باستثناء أسينسيو الذي فرض نفسه كخيار «جوهري» سواء في التشكيلة الأساسية و بإجلاسه على مقاعد البدلاء ليكون ورقة رابحة، كما فعل في كثير من المباريات الهامة، خصوصا في الأدوار الإقصائية للأبطال.

الوقت السليم

يعرف الجميع ان «ابريل» هو شهر الحسم في دوريات أوروبا الكبرى، فكل فريق في تلك المرحلة يكون خاض اكثر من 40 مباراة في مختلف المسابقات، لذلك، نُلاحظ دائما ارتفاع مُعدل إصابات اللاعبين في العضلات بالذات، ناهيك عن مشاكل التعب والإجهاد التي تؤثر على مستوى اللاعبين، خاصة الدوليين الوافدين من خارج القارة العجوز، الذين يقطعون مسافات كبيرة في منتصف الموسم لتلبية نداء الوطن في أسابيع الفيفا، كما أن ضغط جدول المباريات في هذا التوقيت بالذات، مع تزايد الضغوط الإعلامية والجماهيرية، يجعل تحقيق الفوز في أي مباراة سواء محلية أو قارية أشبه بالولادة القيصرية المتعثرة.
في الغالب لا ينجو من «مقصلة» ابريل إلا المدرب الذكي، الذي يُطبق مبدأ المداورة بشكل صحيح، وبالنسبة لزيدان، فكان محظوظا بقائمة مثالية تُساعده على عمل «المداورة» بقلب من حديد، نتحدث عن غلاكتوس بحجم خاميس وأهدافه السينمائية، صحيح لم يكن خيارا أساسيا للمدرب، لكنه يبقى ورقة ذهبية على مقاعد البدلاء، ووجوده في حد ذاته، من شأنه أن يضع كل من يلعب في مركزه على أطراف أصابعه في كل ثانية، وهو نفسه، كان يعيش على أمل أن يُغير قناعات زيدان تجاهه، ويعود للتشكيلة الأساسية كما في عهد أنشيلوتي، أو بالأحرى في موسمه الأول مع الفريق.

فارق لا يُعوض

من الأسماء الثقيلة الأخرى التي ساهمت في استعادة الليغا بعد غياب دام خمس سنوات، هو مهاجم إسبانيا الأول ألفارو موراتا، كيف لا وهو أفضل هداف من أبناء جلدته في الدوري المحلي، بـ15 هدفا من دون أن يهز الشباك ولو مرة واحدة من علامات الجزاء، اضافة الى أنه وصل لهذه الحصيلة من مشاركته في 1245 دقيقة، جُلها في الأسابيع الأخيرة، التي فرض خلالها زيدان نظام المداورة بكل حذافيره. ولم نتحدث كذلك عن دانيلو، الذي خالف كل التوقعات بمستوى ثابت ومتزن على المستويين الدفاعي والهجومي، عكس الصورة الباهتة والانطباع الذي اُخذ عليه في أول مواسمه مع النادي، ما ساهم في خلق منافسة «صحية» مع داني كاربخال، ولا ننسى القيمة والخبرة التي كان يجدها في بيبي سواء أشركه كأساسي مع راموس أو فاران أو ناتشو، لكن يُحسب للمدرب اختياره التوقيت المثالي في عمل المداورة، التي ساهمت في تفجير موهبة إيسكو مع آخر جولات الموسم، إلى أن وصل لما هو عليه الآن.
الآن .. لا يملك في قائمته إلا وجوه شابة أتى بها رئيس النادي فلورنتينو بيريز في الميركاتو، لتكرار سياسة جلب ألمع شباب المنتخب الإسباني، كما فعـل مع موراتا وناتشو وإيسكو، لكن النقــطة التي ربما لم ينتبه لها الرئيـــس ومعه أيضا المدرب، أن تجربة الاستـــحــواذ على أبــــرز وجوه منتخب إسبانيا السابق، أو جيل 2014، لم يكن يُنتظر تألقها بأثر فوري، ربما كان أقصى طموح هؤلاء في بداية الموسم دخول قائمة الـ18، نظرا لكثرة الأسماء من نوعية تشابي ألونسو وأنخيل دي ماريا وسامي خضيرة وآخرين.
من شاهد التشكيلة التي بدأ بها زيدان مباراة ليفانتي الأخيرة في الدوري، أدرك الصعوبات التي تنتظره، وفارق الجودة والخبرة بين اللاعبين الذين تم الاستغناء عنهم، والشباب الجدد، والكارثة الحقيقية تكمن في اختفاء عنصر المنافسة الحقيقية بين اللاعبين، حيث كان بنزيما مُهددا بشبح موراتا، والمدافعون يخشون وجود بيبي ودانيلو، وكذلك أي لاعب وسط من الصعب أن يستهين باسم كخاميس مثلاً.

خطأ أم استعلاء؟

يقول المثل الشهير «الجواب واضح من عنوانه»، ومعروف لدى الجميع أن فارق أربع نقاط في الدوري الإسباني ليس من السهل تعويضها أمام منافس يعرف من أين تؤكل الكتف كبرشلونة بالكاد يُقدم هدايا. والآن فقد الريال بالفعل أربع نقاط في أول ثلاث جولات فقط! وهو من بادر بتقديم الهدايا لعدوه اللدود، الذي كان يمر بفترات صعبة قبل بداية الموسم، بسبب رحيل نجمه البرازيلي نيمار، وما أعقبه من تأخير صفقة البديل، ليتغير الموقف كليا في كلا المعسكرين، بعد أسابيع قليلة من مُسكن الفوز بالكأس السوبر الإسبانية «اللعينة على الريال»، التي كلما فاز بها يخرج من الموسم خالي الوفاض، باستثناء ما حدث عام 1997.
ما يبدو واضحا حتى الآن، أنه منذ فاز الريال على برشلونة في السوبر، تغير الوضع تماما، في معسكر العاصمة، بدأت تظهر مشاكل غياب أصحاب القدرات الخاصة، أمام ليفانتي فعل رجال زيدان كل شيء في كرة القدم إلا اللمسة الأخيرة، هل هذا بسبب غياب بنزيمة؟ بالتأكيد لا. لكن لعدم وجود رونالدو أولاً، وعدم جلب حتى بديل لموراتا قادر على شغل مركز رقم (9) أثناء غياب بنزيمه أو الدون للإصابة أو الإيقاف، أما في المعسكر الآخر، فالأمور تبدو تسير بشكل أفضل مما كان مُخططا لها من فالفيردي، بالعروض الرائعة والقبض على الصدارة بأربع نقاط في أول 3 جولات فقط، بتدبير من عبقري العصري ليونيل ميسي، الذي عاد ليفعل كل شيء بنفسه كما كان الوضع قبل تشتيت MSN.
عموما، الفوز على أبويل بثلاثية نظيفة لا يعكس مدى قوة أداء الريال، فقبل أي شيء، كان طبيعيا أن يدخل رونالدو وأصدقاؤه المباراة بكل تركيز وقوة لمصالحة الجماهير بعد التعادل مع فالنسيا ومن ثم ليفانتي، هذا بخلاف فارق الجودة بين رديف الريال وفريق قبرص الأول، لذلك سيكون من الصعب جدا الحكم عما إذا كانت الأمور عادت لنصابها الصحيح داخل المعسكر الأبيض أم لا، لكن ما يبدو واضحا أن الفريق يفقد عملة المهاجم الذي يتمتع بغريزة القاتل، هناك حلقة مفقودة بين الثلث الأخير واللاعب المهاجم الذي يعتمد عليه المدرب، ويكون إما أسينسيو أو فاسكيز في ظل غياب رونالدو في الدوري بداعي الإيقاف، وبنزيمه في الدوري والأبطال للإصابة.
في النهاية… لنا أن نتخيل أن التشكيلة التي لعب بها أمام ليفانتي بالاعتماد على الحارس كاسيا وبعض ممن كانوا يجدون صعوبة لدخول قائمة الـ18 الموسم الماضي فاسكيز وكوفاسيتش، مع اثنين أو ثلاثة من الوجوه الشابة مثل ثيو هيرنانديز وماركوس يورينتي، قد يضطر للعب بها في مباراة أكثر صعوبة في الدوري المحلي، ويبدو أنه سيضطر لتكرارها مع إمكانية توسيع الفرصة لآخرين، في ظل وضوح سياسته بعمل المداورة منذ الأسابيع الأولى، وليس في شهر الحسم، والشيء المؤكد أنه إذا استمر مسلسل نزيف النقاط، فالجماهير لن تتردد في إطلاق صيحات الاستهجان أو رفع «المناديل» البيضاء، التي تكون عادة أشبه بتحذير شديد اللهجة إما للمدرب أو الرئيس .
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل حقا زيدان يسير بالريال إلى الهواية بعد وصوله للقمة؟ أم أنه وناديه أصابهما الغرور بالإصرار على سياسة التقشف بشكل مُبالغ فيه، رغم أن الجميع داخل النادي من المفترض أنه على علم بأن التحديات ستكون أصعب من أي وقت هذا الموسم! بعد الاحتفاظ بدوري أبطال أوروبا مرتين واستعادة الليغا؟ أم أنها لعنة الكأس السوبر الإسبانية؟ الإجابة سنعرفها قريبا.

لماذا يسير ريال مدريد نحو الهاوية… وبسرعة الصاروخ؟!

عادل منصور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية