لماذا يكره الدواعش المقاومة الفلسطينية؟

حجم الخط
2

الفيديو الشهير الذي تم تداوله لدوس عناصر جهادية على العلم الفلسطيني واضح أنه فيديو قديم، خصوصاً أن من فيه يلبسون ملابس شتوية ويرفعون راية تختلف قليلاً عن راية «داعش». ولكن روحية الفيديو معبرة تماماً عن واقع الحال. فأعضاء التيار السلفي الجهادي، خصوصاً المؤيدين لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش سابقاً) كانوا طيلة أيام العدوان على غزة يشعرون بعدم الارتياح، بل ان تعليقات صريحة على مواقع التواصل الاجتماعي عبرت بوضوح عن عداء وكره للمقاومة الفلسطينية.
بعض تلك التعليقات كانت ضد حماس لأنها «مؤمنة بالديمقراطية»، وبعضها اعتبر أن ما يجري في غزة هو محاولة لصرف الانتباه عن إنجازات المجاهدين في العراق وسوريا، وآخرون رأوا أن المسألة مجرد لعبة سياسية تكتيكية مختلفة عن الصراع الجذري الذي يخوضه المجاهدون، حتى كبار منظري التيار (ومعظهم مقيم في الأردن بالمناسبة) لم يبدأوا في الحديث عن أحداث غزة إلا بعد حوالي أسبوع، ولم يتطرقوا لها إلا في سياق شيطنة الجيش المصري والأنظمة العربية والتحشيد للتيار السلفي الجهادي.
أما سلفيو تونس فقد كانوا واضحين ومباشرين: قال بيانهم عن أحداث غزة ان على المؤمنين «أن يوجهوا عاطفتهم الإيجابية تجاه المستضعفين في غزة لوجهتها الصحيحة، بأن يعينوا إخوانهم المجاهدين في كل الجبهات ويؤووهم وينصروهم بالمال والنفس والولد في سبيل إضعاف هذه الأنظمة الجاثمة على صدورنا وصدورهم، إذ لا طريق لتحرير بيت المقدس إلا بإزاحتها».
فلسطين ومظلمتها التاريخية هي بمثابة الدجاجة التي تبيض «مؤيدين» للسلفية الجهادية، مثلما كانت بالنسبة للأنظمة تبيض ذهباً سابقاً. ولعل مدخل التمويل والتجنيد في كثير من الحالات – وبالذات في ساحة أوروبا- يبدأ من استمالة عواطف الشخص المستهدف عن طريق الظلم الواضح الذي يتعرض له الفلسطينيون، ثم إقناعه بالانتقال إلى القتال في أماكن أخرى، كالعراق وسوريا، تمهيداً لتغيير الظروف ورفع الظلم عن الفلسطينيين.
إذاً فقد كان تحرك المقاومة ونشوب القتال بمثابة ضربة لا يحتملها تنظيم الدولة الإسلامية، خصوصاً مع امتدادها الزمني الطويل نسبياً. فقد كانت تؤذيه على صعيدين، الأول نزع الذريعة التي عن طريقها يجند الأنصار، فها هو الميدان الحقيقي يتكشف، فيما عشرات آلاف الشبان يتم سوقهم إلى ميادين بعيدة عنه. وها هي المقاومة الفلسطينية بفصائلها تعمل موحدة في وجه العدو الإسرائيلي ومن خلفه الأمريكي، بينما الشبان المضللون من قبل «داعش» يقتلون ويسقطون في معارك مع مسلمين وعرب. مفارقة كانت تتعمق يوماً بعد يوم، وتحرج السلفيين أكثر فأكثر، خصوصاً مع وجود جبهة النصرة وباقي التنظيمات المتحالفة معها على حدود الجولان، من دون أن تطلق طلقة واحدة على الجانب الآخر. ورغم الاختلاف في السطح بين النصرة و»داعش» إلا أن عمقهما واحد ومشربهما من تيار واحد، ويتنافسون على الجمهور نفسه.
الملاحظة الأكثر إحراجاً هي في نشاط السلفيين الجهاديين في سيناء، فبينما كانوا قادرين على قتل جنود مصريين فإنهم لم يفعلوا شيئاً أثناء العدوان، سوى أنهم سجلوا مقطعين أو ثلاثة مقاطع قالوا انهم أطلقوا فيها صواريخ على إسرائيل، ولكنها كانت مجرد رفع عتب. والمثير أن أنصار التيارات الجهادية تناقلوا تلك الفيديوهات كدليل على مشاركة زملائهم في القتال، في الوقت نفسه الذي كانوا يوجهون فيه انتقادات حادة لحماس لأنها فتحت معركة غير مجدية!
أما الصعيد الآخر الذي كانت فيه المقاومة الفلسطينية خطيرة على النموذج الجهادي فهو الصعيد الأخلاقي، ففي مقابل الإرهاب الأعمى والقتل على الهوية والذبح والترويع، كانت المقاومة تركز ضرباتها على العسكريين الصهاينة وتقلل الخسائر بين المدنيين إلى أدنى حد ممكن. في الحقيقة كان انتصاراً مزدوجاً على الإرهاب المرتكب من قبل جماعات «داعش» وأخواتها، وعلى إرهاب الدولة (إسرائيل وداعميها) ثم انتصارا على أحد أهم أصول الإرهاب: أمريكا، التي كانت سياساتها الظالمة والمتخبطة سببا في تحطيم الدول الوطنية وتغذية التطرف والإرهاب، لتأتي المقاومة وتقول إن أصل النضال هو التحرر.
وقد كان ملاحظاً في كثير من الساحات أن نسبة لا بأس بها من الشبان المترددين قد انزاحوا إلى حد ما عن التيارات المتطرفة واندفعوا بكامل حماسهم خلف المقاومة، خصوصاً مع نجاحاتها الميدانية. وفي الأردن على سبيل المثال وجد أنصار الجهاديين أنفسهم في موقف دفاعي، خصوصاً أن التأييد للمقاومة كان طاغياً حتى بين مؤيدين تقليديين للنظام الأردني.
الآن وبعد توقف القتال استعاد الجهاديون بعض المبادرة، وسيستعيدونها أكثر وأكثر مع الزمن، وسيستمرون في تجنيد المزيد من الشبان، فلا تستطيع المقاومة معالجة أخطاء تاريخية متراكمة أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه ومنحت الإرهابيين ما حصلوا عليه من تأييد وفرص، ولكن المقاومة قدمت وتقدم بالتأكيد النموذج والمثال الذي يعيد توجيه أحلام الشباب في اتجاه منتج بدلاً من الانزلاق في أحضان الإغواء الإرهابي.

٭ كاتب أردني

علاء الفزاع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية