بغداد ـ «القدس العربي»: تثير الدعوات الإصلاحية التي أطلقها رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي، ردود أفعال متباينة سواء لدى الشارع العراقي أو الأحزاب والقوى السياسية، فيما يعتبر الجميع أن الإصلاحات ستشكل مرحلة فاصلة في تاريخ العراق بعد 2003 بين تعديل مسار العملية السياسية بما يوقف انهيار العراق المتواصل نحو الهاوية، وتعديلات شكلية لا تتجاوز تغيير وجوه بعض المسؤولين في الحكومة لإمتصاص غضب الشارع والمرجعية الدينية، وللتغطية على الفشل والفساد السائد في البلاد.
ومنذ اندلاع التظاهرات في العاصمة العراقية ومعظم المدن الأخرى في منتصف 2015 وبدعم من قبل المرجعية الشيعية العليا في النجف، لمحاولة إصلاح الأوضاع المنهارة ومحاسبة حيتان الفساد والفشل في إدارة البلد، بدا واضحا ان صراعا مصيريا بدأ بين تيارين متضادين يحاول كل منهما فرض مواقفه وسياسته، الأول تمثله مجموعة الأحزاب الحاكمة التي تسيطر على السلطة منذ 2003 وتستغلها بأبشع الصور لمصالحها الذاتية سواء بالهيمنة على مؤسسات الدولة أو تهميش الأطراف الأخرى أو إطلاق أيدي مافيات الفساد التي نهبت البلد وأفلسته باعتراف الجميع. أما التيار الثاني فتمثله جموع المتظاهرين الشعبية العارمة التي اندفعت نحو الشارع للمطالبة بالإصلاحات بعد وصول تدهور الأوضاع إلى حدود لا يمكن السكوت عنها لأنها أخذت تمس جميع مفاصل حياة المجتمع. وقد زاد من عزم التظاهرات واستمرارها، الدعم العلني الذي قدمته المرجعية الدينية وانتقادها المباشر لأداء الحكومة والقوى السياسية الفاعلة وفشلها في قيادة البلاد وحماية سيادتها وثرواتها.
ومع بدء الحراك الحكومي تحت يافطة إجراء الإصلاحات في الحكومة وهياكلها الإدارية والعسكرية، برزت التناقضات في مواقف القوى والأحزاب المؤيدة والمعارضة لتلك الإصلاحات. ورغم إعلان جميع القوى تأييد الإصلاحات فقد ظهر ان لكل منها وجهة نظره في التعامل معها بما يحفظ مصالحها.
وكانت القوى الأبرز المؤيدة لإصلاحات العبادي ضمن التحالف الوطني الذي ينتمي إليه العبادي هما التيار الصدري وبعده المجلس الأعلى بدرجة أقل، اللذان أعلنا ضرورة ان تكون الإصلاحات حقيقية وخاصة ما يخص تشكيل حكومة جديدة تقودها كفاءات متخصصة لتتمكن من مواجهة الأزمة الحادة والتحديات الأمنية والاقتصادية، مع تأكيد السيد مقتدى الصدر بقوة على أن تكون الوزارة الجديدة بعيدة عن تأثير الأحزاب السياسية وليس كما تريد أغلب قوى التحالف الوطني أن يكون التغيير شكليا ويحافظ على امتيازاتها في بقاء وزراءها ومصالحها. وظهر الخلاف بين قوى التحالف في عدم تمكن قياداته من التوصل إلى الاتفاق على تشكيلة الحكومة الجديدة وآليات عملها وبرنامجها، وذلك بالرغم من عدة اجتماعات عقدت بينها، وهو الأمر الذي دفع السيد مقتدى الصدر إلى اللجوء إلى قدرته على تحريك الشارع، فنظم تظاهرات حاشدة قادها بنفسه وطرح مشروعه الإصلاحي الذي هدد فيه الحكومة بضرورة إجراء تغييرات حقيقية خلال 45 يوما، أو يتخذ التيار الصدري إجراءات منها الانسحاب من التحالف الوطني واجتياح أتباعه للمنطقة الخضراء، كما أطلق الصدر تسمية «التخالف» بدل «التحالف» الوطني على الائتلاف الذي يجمع القوى الشيعية ويقود البلاد فعليا.
وهو الأمر الذي صعّد الضغوط التي تقوم بها القوى الشيعية المناوئة للتغيير الحقيقي، ووصلت إلى التهديد بسحب الثقة من العبادي أو تغيير الرئاسات الثلاث، كجزء من التغيير المرتقب للحكومة.
ولم يكن التحالف الوطني الوحيد الذي لا يريد إصلاحات جذرية في عمل الحكومة، بل كان هناك طرف خفي يعمل على إفشال جهود العبادي، وهو مافيات الفساد المتغلغلة في كل كيان الدولة والمستندة إلى دعم وتحالف قوي مع الكثير من القوى السياسية الفاعلة، لذا بقيت المافيات في منأى عن الحساب حتى الآن، والتي ليس من مصلحتها إجراء تغييرات حقيقية قد تفضي إلى كشفها ومحاكمتها إضافة إلى تعطل مصالحها.
وبدورها، مارست الميليشيات المنضوية في الحشد الشعبي ضغوطا على العبادي من خلال التلويح بقوتها العسكرية واختلاق مشاكل وتحديات للحكومة رغم دقة ظروف التحديات الأمنية التي يواجهها البلد. وبرزت حدة الخلافات بين زعماء الفصائل المسلحة بعد التظاهرات الاحتجاجية التي قادها مقتدى الصدر في بغداد خلال الجمعتين الماضيتين ما دفعهم إلى تبني مواقف متباينة من التغيير الحكومي وتحركات الصدر، بين مؤيد ومعارض. حيث عمدت بعض الفصائل المدعومة من إيران والتي يتحكم بها رئيس الحكومة السابق نوري المالكي بشكل غير مباشر، بمحاولات لي ذراع كتل التحالف المطالبة بالإصلاح والتي تتمثل بالصدريين وجزء من حزب الدعوة يقوده العبادي فضلا عن بعض الأصوات المستقلة المؤثرة داخل البرلمان، وهددت بعضها بالانسحاب من ساحات المعارك مع تنظيم «الدولة» لإيصال رسالة مفادها أن القوى الشيعية المسلحة ستترك العراق لتنظيم الدولة في حال استمرت المطالبة بالإصلاحات من قبل بعض ساسة الشيعة.
ومن الجانب الآخر، فإن هناك العديد من القوى من خارج التحالف الوطني، التي تعاملت بحذر وقلق مع إصلاحات العبادي، وخاصة القوى السنية والكردية والعلمانية في مجلس النواب، التي تخشى ان تكون الإصلاحات على حساب حصتها ودورها في الحكومة وأن تؤدي إلى استفراد التحالف الوطني في الحكومة بحجة الاستعانة بالتكنوقراط بعيدا عن الأحزاب. لذا طالبت تلك القوى، العبادي بترك الانضمام إلى حزبه الدعوة والتحالف الوطني، للتخلص من الضغوط التي يمارسونها عليه لعرقلة جهوده، وللتمكن من تشكيل حكومة تغيير حقيقية مدعومة من الشعب والمرجعية الدينية لإنقاذ البلاد.
وعكست تصريحات بعض السياسيين المشاركين في العملية السياسية، استمرار الخلافات بين الكتل السياسية وعدم الاتفاق على تفاصيل تشكيل الحكومة. حيث أشار النائب الحالي والرئيس السابق لمجلس النواب محمود المشهداني، من كتلة «متحدون» إلى ضرورة ان يصار إلى تسوية تاريخية لمغادرة المحاصصة، وضرورة «حل هذه الأزمة بفريق خبراء مهنيين متجانسين، لكي يعبر العراق هذه الأزمة، ولا نحتاج لخبراء سياسيين تابعين للقوى السياسية الحالية».
وأكد: «تنقصنا الرؤى الاقتصادية والحلول للأزمة» منوها إلى أن «المطلوب حاليا هو عدم التمسك بالامتيازات، وتشكيل فريق تكنوقراط مستقل لوضع تصور لما يريده العراقيون، لكي يتم الاتفاق عليه وإقراره، وإلا فإن هذه الأزمة ستطيح كل المكتسبات التي تحققت، إن كانت هناك مكتسبات» حسب تعبيره.
وضمن السياق، اعترف رئيس كتلة اتحاد القوى الوطنية النيابية، أحمد المساري، للصحافيين قائلا: «إننا لم نتفق على آلية موحدة لتشكيل الحكومة الجديدة» مطالبا العبادي بتقديم آلية واضحة ومكتوبة، مشددا على أن «التغيير المطلوب هو في المنهج وليس في تغيير الوجوه فقط». وقال المساري: «طرحنا على العبادي أربعة أسئلة طلبنا الإجابة عليها في اللقاء القادم، عن عدد الوزارات المطلوب تغيير وزرائها، وما هي آليات التغيير، وهل ستكون حكومة أغلبية أم شراكة وما هو برنامج الحكومة الجديدة»؟ وحذر من أن «تحالف القوى الوطنية قد لا يشارك في حكومة العبادي إذا لم يكن برنامجها مقنعا لنا».
أما التحالف الكردستاني، فإنه أعلن عقب الاجتماع مع رئيس الوزراء حيدر العبادي، أنه ناقش آليات التغيير الشامل في الحكومة، مبينا أن العبادي كان يدعو إلى تغيير جميع الوزراء من دون استثناء. وأوضح التحالف الكردي انه طرح على العبادي وجهة نظره، بضرورة الإبقاء على مبدأ التوازن بين جميع المكونات، وهذه إحدى المعايير التي يعتمدها التحالف، ونوعية الوزارات التي ستكون لحصة الأكراد، لأن نسبة الكرد في الحكومة تمثل 20٪ حسب التحالف الكردي.
وفي خضم هذا الصراع، تلوح في الأفق آمال بحصول تغيير في المعادلة السياسية السائدة في العراق والمبنية على المحاصصة وتوافق المصالح للقوى السياسية على حساب مصلحة الشعب العراقي.
فقد أعلنت مجموعة من النواب، عن تشكيل كتلة نيابية وطنية تضم نوابا من مختلف الكتل وبغض النظر عن الدين والقومية والطائفة، لتكون قوة مؤثرة قادرة على دعم وتشجيع حيدر العبادي على إتخاذ خطوات إصلاحات حقيقية وتشكيل وزارة تكنوقراط بعيدا عن تأثير الأحزاب والقوى المهيمنة على مجلس النواب والحكومة الحالية. وهذه الدعوة تلتقي مع مساعي السيد الصدر لتشجيع العبادي لمقاومة ضغوط كتلته التحالف الوطني وحزبه الدعوة المعرقلة لتغييرات حقيقية.
وأعلن رئيس كتلة الأحرار (الصدرية) النيابية، ضياء الأسدي، خلال مؤتمر صحافي في مجلس النواب، بحضور عدد كبير من النواب، إن هذا التجمع قرر دعم الإصلاح السياسي والوقوف مع الجماهير في مطاليبها لتحقيق العدل والمساواة لخلق عراق آمن مستقل، وأن النواب سيتصدون لمشروع تقسيم العراق أو زعزعة أمنه أو انهيار اقتصاده، وسيعملون لتصحيح العملية السياسية.
وشدد على أن المنضمين لهذا التجمع «سيقفون وقفة واحدة تعبر حدود الدين والطائفة والقومية والايديولوجيات، ليكونوا عراقيين يمثلون العراق وهم على قدر المسؤولية ان شاء الله».
وإذا ما كتب النجاح لهذا التكتل الجديد الذي سيدعمه الشعب العراقي والمرجعية، فإنه سيكون نقطة انطلاق نحو تلبية مطالب المتظاهرين وتصحيح الأوضاع المتدهورة بعيدا عن سياسة المحاصصة والتوافقات بين الأحزاب التي جرت على البلد الخراب والدمار بكل أنواعه وأشكاله، رغم وجود مخاوف من أن يكون تأثير التحالف الوطني على رئيس الوزراء هو الحاسم في تحديد مسار الأحداث الآتية في البلاد.
مصطفى العبيدي