صنعاء ـ «القدس العربي» من أحمد الأغبري: فرضت الحرب واقعاً جديداً في اليمن مع تضرر كل قطاعات العمل، بما فيها قطاع الثقافة، خاصة على صعيد نشر الكِتاب؛ إذ توقفت المطابع ودور النشر المحلية عن الإصدار، فيما يواجه الكِتاب اليمني في مطابع القاهرة وبيروت مشكلة في إيصاله للداخل.
في واقع كهذا ومع تفاقم المعاناة الاقتصادية، وجد الكاتب نفسه مضطراً لإصدار كتابه تصويراً وتغليفاً في مراكز تصوير المستندات؛ كوسيلة زهيدة الكُلفة. لقد أتاحت هذه الآلية لمَن أصدر كتاباً في الخارج إمكانية أن يُعيد إصدار طبعة منه في صنعاء وبالكمية التي يطلبها، كما أتاحت لمَن لم يستطع طباعة كتابه بواسطة دُور النشر في الداخل والخارج، أن يصدره وبالكمية التي يطلبها وفق إمكاناته.
تعود بداية استخدام هذه الآلية في صنعاء، إلى ما قبل الحرب، خاصة في إصدار بعض عناوين الكِتاب الجامعي، حسب طلب المُدرسين؛ وهو ما تطور مع بدء الأزمة من خلال إعادة إصدار بعض العناوين اليمنية والعربية والأجنبية، حسب طلب بعض تُجار الكُتب، كما استخدمت، مع بدء الحرب، في إصدار كُتب مدرسية للسوق السوداء. واتسع استخدامها، مؤخراً، لتشمل، بشكل أوسع، إصدار الكِتاب الثقافي حسب طلب المؤلف.
هل تُعدَّ هذه الظاهرة، حلاً مؤقتاً لتجاوز معوقات فرضتها الحرب على إصدار الكِتاب الثقافي في اليمن؟ أم ستكون لها آثار سلبية قد تجعل منها مشكلة جديدة لهذا الكِتاب مستقبلاً؟ سؤال طرحته «القدس العربي» على عددٍ من الأدباء والكُتاب والناشرين اليمنيين؛ فكانت هذه الآراء:
حلٌ مؤقت
الناشر نبيل عُبادي مدير مركز عُبادي للنشر:
مما لا شك فيه إن إعادة تصوير وتغليف الكتاب العربي والأجنبي في اليمن بدون أذن المؤلف يمثل مخالفة قانونية وجريمة واضحة. وفي حال لا يوجد حل لتوفير الكِتاب للقارئ اليمني في ظل ما تفرضه الحرب من حصار سوى هذه الوسيلة، الأمر الذي يجعل منها، في نظر البعض، استثناء؛ فإننا نسأل: لم لا يتم استخدامها لصالح الكِتاب اليمني وإعادة طباعته وتوزيعه من قبل أصحاب المكتبات؟ لأن الواقع يقول إن هذه الوسيلة تُستخدم، للأسف، لتحجيم الكِتاب اليمني. أما في ما يتعلق بطباعة الكاتب لكِتابه من خلال هذه الوسيلة؛ فأحب أن أوضح فكرة مُهمِة؛ وهي أن هذه التقنية وسيلة عملية في الوقت الراهن بسبب كُلفة الطباعة؛ ولهذا فإن (الطباعة حسب الطلب) هي الحل، حيث تمنح هذه التقنية إمكانية الطباعة بكميات صغيرة، وهو حلٌ مناسب لإصدار الكِتاب اليمني حالياً، شرط أن يضع المؤلف على الكِتاب كافة المعلومات التوثيقية، من رقم الإيداع وتاريخ الإصدار واسم الناشر، وغيرها من المعلومات التي يصبح معها الكتاب كتاباً، بينما يكون بدونها ليس أكثر من ملزمة ورق. إن هذه الآلية يمكن اعتبارها حلاً مؤقتاً لإصدار الكِتاب اليمني في الأوضاع الراهنة وإن كانت الطباعة حسب الطلب قد أصبحت ظاهرة عالمية.
منذ أوقفْ «مركز عبادي للنشر» طباعة وإصدار الكِتاب مع بدء الحرب، وأنا، أتلقى طلبات كثيرة ومستمرة من المؤلفين من جميع المحافظات لطباعة كُتبهم، لكن العائق ليس الطباعة، إنما التوزيع والمشاركة في المعارض الخارجية، وهي مشكلة كانت قائمة قبل الحرب، وأصبحت خلال الحرب أكبر؛ فالحرب ضاعفت من معاناة الكِتاب اليمني، في ظل عدم اهتمام دُور النشر المحلية بالكِتاب الثقافي، مع غياب أي دعم لهذا الكِتاب من المؤسسات الثقافية الحكومية للأسف.
تضييع الحقوق
الناقد أحمد ناجي النبهاني:
طباعة كُتب الآخرين بهذه الطريقة من قبل أصحاب المكتبات يمثل تضييعاً واستخفافاً بحقوق الناشر والمؤلف وحقوق الإبداع، ذلك على مستوى الإصدارات غير اليمنية التي تتم إعادة طباعتها بحسب طلب من بعض تجار الكُتب؛ وهي المشكلة نفسها على مستوى إعادة إصدار بعض العناوين اليمنية؛ فهناك كُتاب يمنيون مشهورون تمت إعادة طباعة أعمالهم بهذه الطريقة بدون موافقتهم، وفي هذا هضم لحقوقهم، كما يتم أحياناَ تشويه أعمالهم، حيث يتم إخراج أغلفة بعض الكُتب بطريقة غير لائقة، والهدف منها تشوية الكاتب، وهذا يمثل اعتداءً على حق المؤلف؛ وهو ما يحصل من قبل بعض تجار الكُتب في اعتداءات مماثلة على حقوق روايات عربية وعالمية. أما في ما يتعلق باعتماد الكاتب نفسه على هذه الآلية في طباعة أعماله؛ فالكاتب، هنا، حُر في أن يطبع كِتابه بالطريقة التي يراها مناسبة، لكن المشكلة أن هذا الكِتاب، من خلال هذه الآلية، لا يمكن أن يخضع للتداول، ولأنه لا يخضع للتداول؛ فإنه لا يخضع للتقييم، ولأنه لا يخضع للتقييم؛ فهو لا يشكل إضافة للموروث الثقافي والإبداعي والفكري للبلد. ومن وجهة نظري أن الجزء المهم والخطير في هذه المشكلة يتعلق بالاستخفاف بقوانين الملكية الفكرية.
ظاهرة خطيرة
الناقد هشام بن علي
وكيل وزارة الثقافة للملكية الفكرية:
هذه الظاهرة ستكون مشكلة كبيرة للكِتاب اليمني والعمل الثقافي في البلد؛ إذ أن لطباعة الكِتاب آلية متعارفا عليها، وينبغي الالتزام بها، وعدم الالتزام بها سيعيق بل قد أعاق تطور دور النشر في اليمن. أزمة طباعة الكِتاب اليمني أزمة قائمة، وستفاقمها هذه الظاهرة، بل ستكون مشكلة كبيرة في المستقبل؛ إذ أن أي شخص يريد طباعة كتاب حسب الأصول سيجد الكُلفة مرتفعة أمام الظاهرة الحالية التي تتيح الطباعة بكلفة زهيدة، كما أن الناشر يعرف ويدرك ما معنى الكِتاب، وبالتالي فهو ينشر ما يراه جديراً بالنشر غالباً؛ وهنا تصبح هذه الظاهرة مشكلة، لاسيما في تجاوزها حقوق الملكية الفكرية في طباعة أعمال الآخرين بدون موافقتهم؛ وهي مشكلة خطيرة ليس بالنسبة لنا كجهاز رقابة، ولكن بالنسبة لقيمة الكِتاب أيضاً؛ إذ أنه سيكون هناك الكثير من الكُتب التي لن تعرف مَن مؤلفها ولا كيف طُبعت ولا مَن طبعها أو مَن أصدرها ونشرها. وتتضاعف هذه المشكلة مع غياب دور فاعل لاتحاد الناشرين اليمنيين، بالإضافة إلى غياب دور المثقفين في نقد الكُتب الصادرة. كما أخشى من أن تدخل للمشهد، من خلال هذه الكُتب، أفكار باسم الكُتاب اليمنيين، وهي لا تمت للثقافة والإبداع في اليمن بصلة. أنا أجدها ظاهرة خطيرة ستؤثر سلباً على ما بقي من سوق النشر في البلاد. هي ظاهرة تجارية في جوهرها لا علاقة لها بالمشهد الثقافي؛ وهنا تكون خطورتها على المستقبل.
لا يوجد خيار آخر
الروائي مُحَمّد الغربي عمران:
عندما طبعتُ روايتي الأخيرة في القاهرة لم يستطع الناشر إيصال نســـخ منها لليمـــن؛ بسبب توقف البريد إلى الداخل جراء الحرب وتوقف رحلات الطيران إلى صنعاء؛ ولتجاوز هذه الإشكالية تم إرسال نسختين من الرواية من القاهرة بالبريد إلى السعودية، وانتظرتُ حتى تم إيجاد شخص حملها من السعودية إلى صنعاء، وبقـــــيتُ على الرغم من ذلك بحاجة لتوفير الرواية للمكتبة في اليمن؛ فـــتواصلتُ مع مركز عُبادي للنشر ودار مكتبة خالد بن الوليد في صنعاء، بدون أن ألقى موافقة لأســـباب متعلقة بالكهرباء وغيرها من المعوقات؛ ولهذا لم يكن أمامــــي سوى إعادة إصدار طبعة من الرواية عبر الآلية المُتبعة حالياً في مراكز تصوير المستندات، كحل لا بــد منه وخيار متاح.
كما أن هذه الوسيلة ليست نتاج المرحلة الراهنة؛ إذ كانت مستخدمة قبل الحرب، والآن جاء الأدباء والكُتاب يمضون في المنوال ذاته لعدم وجود خيار آخر مع توقف المطابع، وفي ظل تخلي سلطات المؤسسات الثقافية الحكومية عن دورها في دعم الكِتاب والكاتب. كما أننا اكتشفنا خلال اعتمادنا على هذه الآلية أن بعض المطابع المحلية التي كنا نعتمد عليها في السابق لم تكن تقم بأكثر من التصوير والتغليف، بمعنى أنها كانت تعمل كما مراكز تصوير المستندات، لكن الفرق أن هؤلاء يأخذون مبالغ قليلة بينما كان أصحاب المطابع يفرضون علينا أربعة أضعاف الكلفة. يمكن التعامل مع هذه الآلية باعتبارها حلاً مرحلياً في وقت يعيش فيه الكاتب اليمني ظروفاً صعبة ويواجه الكِتاب اليمني معوقات كثيرة.
لدينا وزارة للثقافة في حكومة ما تُعرف بالشرعية، ووزارة للثقافة في سلطة الأمر الواقع في صنعاء، لكن جميعها، للأسف، لا تهتم بالثقافة والكتِاب. كما أن اعتماد الكاتب اليمني على هذه الآلية في إصدار كتابه، يؤكد مدى إصراره على النشر وممارسه فعله الثقافي في واقع لا صوت فيه يعلو على صوت الحرب.
تجربة مؤلمة
الشاعرة هُدى أبلان الأمينة
العامة لاتحاد الأدباء والكُتاب اليمنيين:
يعيش الكاتب اليمني، في ظل الحرب، معاناة قاسية ، بدءاً من الحياة المعيشية ومروراً بالتزاماته الأخرى، بما فيها الكتِاب الذي لم يعد يحظى بأي اهتمام مؤسسي رسمي وغير رسمي في ظل العزلة والحصار والفقر والعوز وغيرها من الظروف. المبدع اليمني لم يتألم أمام أوضاعه المعيشية، لكن ألمه مُضاعف أمام ما يعيشه من معوقات تواجه إصدار كتابه. أرى في اعتماد الكاتب في صنعاء لإصدار كتابه على تقنية التصوير، تجربة قاسية؛ فهذه الطريقة بدائية ومؤلمة، كما تدل على مدى الظلم الذي يعانيه هذا المبدع، لكنها في الوقت ذاته شهادة لهذا المبدع الذي لا يترك وسيلة تخدم تجربته وتصل بنتاجه للقارئ إلا وسلكها، متجاوزاً ظروفه الصعبة. تذكرنا هذه الحال بالحصار الذي عانى منه العراق في مطلع التسعينيات، حيث وصلت الحال لديه لمعاناته من ندرة الأوراق والأحبار. لكن تبقى هذه الآلية، على ما فيها، هي المتاحة للوصول للقارئ والخروج من القوقعة التي تفرضها الحرب، ولتجاوز معاناة الكاتب بين لقمة عيشه وممارسة دوره الثقافي. ولو لاحظنا ما كانت عليه طباعة الكتاب محلياً في السابق لوجدناها ربما قريبة لما تمنحه الآلية الحالية؛ ففي السابق كان الكاتب يتحمل مسؤولية نسبة كبيرة من التوزيع؛ وهو ما يعانيه من خلال هذه الآلية، لكنه الآن يُصدر كِتابه بالكمية التي يريدها وبمبلغ أقل بكثير مما كان يدفعه في السابق، وهذا قد يدفع بالمطابع ودور النشر مستقبلاً لتقديم خدمات أفضل في الطباعة والتوزيع والكُلفة.