لم تعرفه دور النشر العراقية على مر تاريخها… ما الذي فعله غياب «المحرر الأدبي» بكتابنا ومطبوعاتنا؟

حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: الكثير من المثقفين العراقيين المعنيين بجودة الكتاب العراقي والأفكار التي يطرحها كتابنا وأساليب اشتغالهم، يعانون من غياب المحرر الأدبي، إذا كان على مستوى الصحف أو دور النشر، غير أن الأمر يبدو واضحاً في دور النشر أكثر من غيرها، وهذا نابع من المطبوعات الرديئة التي ملأت السوق العراقية، بعضها مليء بالأخطاء النحوية واللغوية، وآخر كانت أخطاؤه الطباعية هي الغالبة، في حين نجد أن الكثير من الكتب لم تحرر لا من قبل الكاتب، ولا من دار النشر التي تولت طباعته.
منذ تأسيس دور النشر العراقية الأولى، ومن بعدها الدار الرسمية التابعة لوزارة الثقافة المعروفة بـ»دار الشؤون الثقافية العامة»، وصولاً إلى الدور الكثيرة التي انتشرت في بغداد والمحافظات الأخرى بعد عام 2003، منها دار ميزوبوتاميا ودار ومكتبة عدنان ودار الجواهري ودار وراقون وغيرها الكثير، لم يعرف العراق (المحرر الأدبي)، وهو الذي يقوم باختيار عنوان مناسب للكتاب، فضلاً عن إعادة قراءته وتصحيحه ومعالجة الأخطاء الأسلوبية التي يقع فيها الكاتب، لكن ما عرفه العراق منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى عام 2003 كان رقيباً أمنياً يبحث عن الزلات التي ربما يقع فيها الكاتب وتؤول على أنها ضد نظام الحكم أو الحزب الحاكم، أما الموضوع أو التقنية وبنية الكتاب فلا أحد يعبأ بها ما دام الكاتب مبتعداً عن الكتابة ضد السلطة.
المرحلة الثانية هي التي تلت عام 2003، والانفتاح الذي شهده العراق على الكتاب العربي عموماً، وعدم وجود رقابة حقيقية، فقد ضاع معها احتمال وجود محرر أدبي، خصوصاً أن أغلب دور النشر لا تعنى إلا بالربح وكيفية الحصول على كتب طباعتها مدفوعة الثمن من قبل المؤلف نفسه، وهذا أيضاً ينطبق على دور نشر عربية بدأت تطلب تكاليف طباعة الكتاب من المؤلف، فلم يعد موضوع الكتاب وأساليب التأليف مهمة قط.
غير أن السؤال المهم الآن: ما الذي فعله غياب المحرر الأدبي عن دور النشر العراقية والعربية بمستوى الكتاب؟ وكيف يمكن وضع حدود للنشر في ظل التطور المعلوماتي والتقني، ونعيد للكتاب هيبته مرَّة أخرى؟

كتاب مقدس

الناشر مازن لطيف، وهو صاحب دار ميزوبوتاميا الذي يعد من أنشط الدور العراقية الجديدة، يقول إننا لو تحدثنا عن دور النشر العراقية (المحلية) وهي قليلة جداً، فإنها لا تملك أي محرر أو خبير أدبي أو لغوي، لذا نجد أغلب الكتب المطبوعة داخل العراق مليئة بالأخطاء اللغوية والطباعية وغيرها، كما أن أغلب الكتب تحتاج إلى تحرير، وقسم منها بحاجة إلى إعادة صياغة. ويضيف لطيف أن المحرر الأدبي مهم جداً بالنسبة لأي ناشر، لكن هذا الشيء ينقص دور النشر العراقية، كما أن هناك سبباً آخر مهما، وهو أن المؤلف العراقي لا يقبل أن يحرر له كتابه ويتوقع أن كتابه مقدس وخالٍ من الأخطاء… إذن نحن نعاني في العراق من مشكلة عدم وجود المحرر الأدبي، وأيضاً عدم قناعة المؤلف العراقي بالمحرر الأدبي.
ويبين لطيف أنه في ظل النشر الإلكتروني قل نشر الكتب الورقية، لكن بنسبة قليلة، «برأيي يجب أن تكون هناك رقابة على الكتاب قبل طبعه، رقابة ليست بالمعنى السلطوي، بل رقابة فكرية وأدبية، فهناك كتب لا يمكن طبعها لأنها تفقد كل مقومات الكتاب منهجاً وأسلوباً، فهناك مجموعات شعرية؛ مثلاً، كان من الجريمة الكبرى بحق الشعر العراقي أن تطبع تحت يافطة «ديوان شعري»، ومثل ذلك في القصة القصيرة والرواية، وأيضاً النقد الأدبي الذي يشكل ظاهرة في الإسفاف وعدم الفهم من قبل من يسمون أنفسهم نقاداً».
ويرى لطيف أن من الواجب وضع خبير أدبي وفكري لقراءة النصوص، لكن أغلب الناشرين لا يهتمون بذلك، ويبقى الأمر المهم لديهم هو أن يدفع المؤلف مبلغ الطبع.
في العراق مثلا انتشرت بعد 2003 وإلى هذه اللحظة فوضى النشر، أي شخص يستطيع أن يطبع كتابه بمجرد أن يمتلك مبلغاً بسيطاً من المال.

أعمال مشوّهة

مسؤول دار السياب في مدينة البصرة، جواد المظفر، يشير إلى أن وجود (مُحررٍ أدبي) يُعدُّ مِن أساسيات قيام دار النَّشـر في الدول التي تحترم حاجة الإنسان الثقافية، لأنَّ إنتاج الكتاب عملٌ مُشترك؛ طرفاه مؤلف وناشر، فإذا كان المؤلف هو المتلقي (الضمني/ الأول) للنَّص فإنَّ المحرر هو المتلقي الثَّاني الَّذِي يسهم من خلال خبراته الثَّقافيَّة وخزينه المعرفي، في إنتاج النَّص وإعادة توجيهه، أو تحميله دلالات تدخله في علاقة تواصلية مع القارئ الذِي سيعيد إنتاج الدلالات حسب تأثيرها واستجابته له، فعمل المحرر الأدبي يسير بشكل موازٍ مع المؤلف، يتمم ويحاور ويكمل ما غاب أو خفي عنه، وقد يسهم في إثراء (المُؤَلَّف) من خلال الموازيات النصية التي تعدُّ آليات مضافة لتشكيل الدلالة، ولا سيما في إعداد الغلاف وتصميمه – بالتشاور مع المؤلف – واشتراطات لوحته وطرائق خط العنوان ووضع اسم المؤلف. مضيفاً أن للـمحرر دورا كبيرا في إبداء الرأي بصلاحية نشر الكتاب أم لا أولاً، فهناك كتب هابطة وجدت بغياب المحرر طريقها للنشـر، في حين كان حجبها من قبل المحرر أو الخبير المختص أولى للجو الثقافي من ظهورها، فضلاً عن دور المحرر في إبداء الرأي حول مباحث العمل والحوار مع المؤلف، إضافة أو حذفاً أو تغييراً، وكل هذه الأمور لا تحدث إلا في جو ثقافي صحي وسليم، وتهيمن عليه قيم معرفية راقية.
ويوضح المظفر أن غياب هذا المحرر أسهم في ظهور الكثير من الأعمال المشوهة، لأنَّ المُؤلِّف وحده أخذ دور (المحرر/ المصحح/ المدقق/ المسوق….)، لقد اشترك (المؤلف والناشر) في هذه الجريمة، فـ(نرجسية) المؤلف وغروره، ورفضه أي تدخل من النَّاشر في متن كتابه وغلبة الطَّابع التجاري على أغلب دور النَّشـر؛ إن لم نقل كلها، جعلها تهمل هذا الجانب، لأَنَّ هدفها الكسب المادي وليس الجانب العلمي أو المعرفي، وتعود الشَّـراكة مرة أخرى لتنتج لنا(كتاباً) أسهم الطرفان في تهميشه، لأنَّه خرج إلى الوجود معاقاً.
أما الحل من وجهة نظر المظفر فيكمن في تفعيل دور المؤسسات العالمية والمحلية، والعمل وفق (نظام معياري دولي)، وألا تمنح إجازة للناشر إلا إذا استوفى الشّروط كاملة، وَوَضع قوانين صارمة وعقوبات مشددة تلزم النَّاشر بالتقيد بها، والحد من (مجانية الطباعة)، وعدم السماح لأي (مُنتج) طُبع خارج (النُّظم المعيارية الدولية) بالاشتراك في أي معرض دولي أو محلي، كما هو الحال في أغلب (المعارض الدولية) الرصينة التي لا تسمح بتداول أي كتاب لا يحوي رقماً دولياً.

قيم متناوبة

غير أن الروائي والقاص ناظم العبيدي ينظر لغياب المحرر الأدبي من باب حرية النشر، التي يعدها مطلباً أساسياً يتيح للفكر والمعرفة بأنواعها أن تمارس حضورها الجماهيري، خاصة أننا نعاني من زيادة هائلة في عدد الأميين، فضلاً عن منافسة كبيرة وغير متكافئة مع وسائل الاتصال الحديثة التي فرضت وجودها، وأصبحت مصدراً للتلقي لا يمكن الاستغناء عنه. موضحاً أن تراجع مستوى الكتاب بسبب غياب المحرر الأدبي، سوف يزيد من الهوَّة بين ما نطمح إليه من معرفة ومستوى ثقافي إبداعي، وبين واقع تتراجع فيه الثقافة الحقيقية لتحل مكانها تلك التي تمليها حالة من التردي العام تتسع دائرتها تحت مسميات مختلفة. ويقول العبيدي إن لهذه الإشكالية جوانب مختلفة ترتبط مع بعضها، ولا يمكن تجاهلها، فبعضها كوني يتعلق بطبيعة الثقافة العالمية وما طرأ عليها من تبدل نتيجة لتطور تقنيات التواصل، وبعضها سياسي يلقي بظلاله ليشكل توتراً تغذيه آيديولوجيات تعبر عن نفسها عن طريق الترويج لنفسها بالكتب والمنشورات الأخرى، والبعض الآخر اقتصادي يتعلق بحاجة دور النشر إلى الكسب ومجاراة السوق وأحكامه، وهذا الأخير شأن لا يتعلق بعالمنا العربي فحسب، بل أصبح تقليداً لدى الغرب أيضاً ومنذ زمن ليس بالقريب. ثمة حاجة إلى الكتاب التجاري الذي يتخذ من القارئ العام مستهلكاً ولا يراد منها إلا التسلية، وإشباع حاجات عابرة، في موازاة الكتاب الذي يكتب وينشر ليقدم إلى قارئ باحث ومتذوق يبحث عن القيمة الفنية، والجهد المعرفي العميق…
كما يعتقد العبيدي أن لكل ظاهرة جانباً سلبياً وآخر إيجابياً، فغياب المحرر الأدبي وتساهل دور النشر في طباعة الكتب ذات المستوى المتوسط من القيمة أو حتى المنخفض، ربما حفز الكثيرين على مواصلة الكتابة، وأعطى لدور النشر فرصة لضمان وجودها المادي، فما نسمعه من بعض أصحاب دور النشر أن لديهم إشكاليات حقيقية تتعلق بتغطية نفقات عملهم، واستمرارية هذه المهنة الخطيرة المرتبطة بالثقافة والفكر، إذ لا يمكن لأي دار مهما امتلكت من سمعة كبيرة أن تستمر إذا اقتصرت منشوراتها على الأسماء الكبيرة، وعلى نوعية متميزة من الإبداعات والثقافات، إذن هناك حاجة لتجاوز شيء من تقاليدها القديمة، ونقصد بها الدور التي لها إرث ثقافي وإبداعي كبيران ارتبطا بكل ما هو مؤثر وبارز من الإبداع في عالمنا العربي. أما الجانب السيئ في هذه الظاهرة، فإنه يجعل من عملية النشر، خاصة تلك التي ترتبط بالآيديولوجيات وما يتعارض مع قيم الثقافة تضليلاً للقارئ، فليس بوسع الكثير من القراء التمييز عندها بين ما هو حقيقي ومعرفي، وبين ما هو مترد وهابط، هذه الإشكالية هي التي تذكرنا على نحو دائم بأهمية المحرر الأدبي، وبأهمية بقاء نوعية ولو بشكل منافس من المنشورات ذات قيمة عالية، تكون في منافسة مع غيرها، فبغياب هذه النوعية المتميزة لن يكون أمام القراء والمتلقين بشكل عام فرصة المقارنة والاكتشاف، وهنا بالتحديد تكمن خطورة أن يطغى على أسواق النشر لون واحد، ذلك اللون الذي لا يضيء لأحد ما يحيط به من تحديات ومشكلات، بل يزيد من التباس الحقائق، كما نرى للأسف لدى الكثير ممن تقتصر مطالعاتهم على نوع واحد من الكتب والمنشورات.

أسماء ومحررون

غياب المحرر الأدبي يشكل ظاهرة واضحة حسبما يقول الشاعر والكاتب المتخصص بأدب الأطفال محمد كاظم، مبيناً أنه إن وجدت فإنها تخضع لمقاييس رسمية وتأخذ دوراً رقابياً يؤشر إلى التابوات التي تتعارض مع سياسة الدولة، فبعض دور النشر تستعيض ضمن هيكليتها بالمصحح اللغوي، الذي يعاين النص من زاوية اللغة ويخلصه من الأخطاء، لكنها في الوقت نفسه تتجاهل الدور الكبير الذي يقوم به المحرر الأدبي باعتباره الناقد الإجرائي الذي يعيد في بعض الأحيان حذف أو إضافة ما يراه مناسباً لصالح العمل الأدبي بكل مسمياته.. ويتم تداول هذا مع الكاتب مباشرة للخروج بنتيجة ترفع من شأن العمل. ويرى كاظم أن المشكلة تكمن في اختيار الشخص الذي يقوم بهذه المهمة، فلا شك أن الأسماء التي تشكل حضوراً بتجربتها ومنجزها هي من تكون مقبولة ولا غبار على رأيها. هناك مشكلة أخرى ستصادفنا، وهي رفض معظم الكتاب التدخل في نصوصهم، معتبرين ذلك انتقاصاً في قدرتهم الإبداعية، أي انعدام صفة التواضع… كل هذا أدى إلى غياب المحرر الأدبي في دور النشر العربية واعتبروه حلقة زائدة تقود إلى الكثير من المشاكل، وهذا لا يشمل دور النشر الكثيرة التي تشكلت بمجهود فردي والتي تعتمد كلياً على إسهام الكاتب في تكاليف نفقات الطبع.
ويستذكر كاظم بعض الأسماء الشهيرة التي حُررت أعمالها، مثل عزرا باوند؛ الصانع الأمهر، كما سماه إليوت حين شذب قصيدة الأرض اليباب، وهناك الكثير من الكتاب الخالدين الذين تعاملوا مع المحرر الإدبي بأذن صاغية وقناعة راسخة، مثل همنغواي، بوشناق، نجيب محفوظ وغيرهم. ويكمل: بعد رحيل محمود درويش تكفلت إحدى دور النشر بطبع قصائده غير المنشورة، بعض هذه القصائد لم تراجع من قبل درويش ونشرت كما هي مما شكل إساءة إلى منتجه، فلو عرضت هذه القصائد على محرر أدبي مرموق، لما خرجت بهذه الصورة.

عجلة التاريخ

ولا يعتقد الكاتب عبد الكريم يحيى أننا نستطيع إعادة الكتاب لهيبته، لأنَّها لم تتبدَّد إلا نتيجة تراكم أسباب معقدة ومتشعبة ومتعالقة مع روح العصر، عجلة التاريخ أبداً إلى الوراء لا تعود. قائلاً إن دأب مشاهير الكتاب في العالم على توجيه الشكر إلى المحرر الأدبي الذي يُنقِّح النص ويعيد صياغة بعض الجمل ويعمل على تقديم نصٍّ خالٍ من الأخطاء والثغرات، وهذه المهمة إذا تُرِكَت للكاتب فستأخذ منه وقتاً وجهداً كبيرين من دون أنْ تُقدِّم نصف ما يقدمه المحرر الأدبي. الكبرياء والغرور هما السبب الرئيس لغياب المحرِّر الأدبي في المشهد الثقافي العربي، فلا أحد يرتضي لنفسهِ دور المُحرِّر الأدبي، ولا أحدَ يرضى من الكتاب أنْ يخضع نصَّهُ للتعديل، باعتباره مقدَّساً كالوحي الإلهي. ولهذا لا تكاد ترى كتاباً يخلو من الأخطاء النحوية الفاضحة، والجمل الركيكة، وغفلة الروائي وغير ذلك.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية