في غضون 48 ساعة، يومين، لاقى تبادل الصور بيننا وبين الفلسطينيين اثباتا مزدوجا؛ فلم نعد داوود الصغير، الذكي، و «احابيل تفعل لك»، بل جوليات، ثقيل، معقد، وربما منهك. هذه هي العلاقة الداخلية، الواجبة، بين الاعتقال والتقديم إلى المحاكمة لمجد عويدة، مهندس الكمبيوتر ابن 23 من غزة، وبين إطلاق النار في الخليل لجندي الجيش الإسرائيلي على المخرب الجريح كان مستلقياً في ساحة العملية.
عويدة متهم الان في المحكمة المركزية في بئر السبع بانه نجح في التسلل إلى منظومة الطائرات بدون طيار في الجيش الإسرائيلي، والتي تجري مراقبة دائمة فوق قطاع غزة. ينبغي للمرء أن يقرأ مرتين كي يصدق. فهذه ليست إيران ولا قوى عظمى هي التي تتسلل إلى منطقتنا. شاب صغير، أساس اهتمامه كان على حال النادي للكفاءات الموسيقية في القطاع، يتبين ككفاءة مختلفة تماما. ثعلب سايبر يتسلل إلى مجالات بث مشفرة في الجيش الإسرائيلي، ويوفر لمسؤوليه معلومات عما يهتم به الجيش الإسرائيلي، وأين تحلق طائرته الصغيرة بدون طيار. وضمن امور اخرى، يعد برنامجا لمتابعة كاميرات الطرق في إسرائيل، كي يعرف في اوقات الطواريء، كيف يمكن تشويشها وربما اكثر.
وكل هذا يفعله الفلسطيني من غزة أمام منظومة احدى الدول الاكثر تطورا في العالم في هذا المجال. فإسرائيل تعتبر «قوة عظمى في السايبر». نحو عشرين سنة، يقول موقع قيادة السايبر، وإسرائيل تستعد في هذا المجال. من الاوائل في العالم. وقبل أربع سنوات دشنت قيادة السايبر الوطنية، وفي السنة الماضي اتخذ قراران هامان جدا الواحد تلو الاخر: في شباط من العام الماضي قررت الحكومة اقامة سلطة السايبر الوطنية، وفي تموز اعلن رئيس الاركان عن اقامة ذراع السايبر في الجيش الإسرائيلي.
وبين هذا وذاك تطور الدولة بنى تحتية تكنولوجية وطنية، تدشن برامج لتشجيع البحث والتطوير للصناعة، تدير برامج لتأهيل الشباب في بلدات المحيط لمهنة السايبر. ولم يسبق للاستثمار المالي في هذا النشاط أن نشر ابدا، ولكنه يقدر بمئات ملايين الشواكل على الاقل.
إسرائيل نشطة في الدفاع وفي الهجوم. وحسب مصادر اجنبية، مارست إسرائيل حتى هجمات سايبر، مثل ارسال «دود السايبر» إلى الخطوط الإيرانية لتشويش عملها، وربما غير ذلك ايضا.
وها هو من تحت أنفنا، بلا وسائل، بلا بنى تحتية، باستثمار بسيط، ولكن مع الكثير من الابداع، تعلمنا حماس، مرة اخرى ما هي الحرب غير المتماثلة، كيف يمكن مع لا شيء محاولة الوصول إلى الجار الغني عظيم القوة من الشرق. هذا ليس نصرا ولا هزيمة، ولكن هذا دليل على أن للعظماء ايضا نقاط ضعف، والعدو المقابل، مثلما سبق أن ثبت، يجيد العثور عليها، مثلما فعل هذا في «الجرف الصامد».
ومن هنا إلى قضية الجندي مطلق النار ـ الحدث في الخليل، الذي يحقق فيه في هذه اللحظة، والذي يطلق فيه جندي النار على مخرب ممدد امامه، فيكمل انقلاب الصورة. لقد ادعينا دوما، بأننا داوود، وان كنا صغارا، ووسائلنا هزيلة، ولكننا مصممون، ابداعيون، جسورون. ومن هنا ايضا حظينا بنقاط استحقاق في الاسرة الدولية، من يوم قيام الدولة فلاحقا. وعن حق اعتمدنا على قوتنا الاخلاقية، على عدالة طريقنا، على قيمنا، على «قلة قبالة كثرة».
والان جاء هذا الحدث ودل على الاخفاق الذي وقعنا فيه. امامنا يقف الفلسطينيون وهم فقط، وليس العالم العربي الكبير. يعرضون إرهاب الافراد، بلا بنى تحتية وتنظيم، بلا قيادة وتعليمات. ينهضون ويطلقون النار، يطعنون ويدهسون. هذا خطير، هذا سيء، وإسرائيل ترد وعن حق، ولكن ينبغي الاعتراف بأنه مرة اخرى لا نحصل في هذا على الائتمان. صحيح ان رئيس الوزراء يحاول ادخالنا تحت بطانية الإرهاب التي تغطي اوروبا الان، واستخلاص حكم متساوٍ، بين الفلسطينيين ووحش الإرهاب الداعشي، ولكن للفلسطينيين حربا أخرى، وهكذا ينظر اليها في العالم.
من مثلنا يذكر هزيمة جوليات، فقد كانت له فقط قوة جسدية، ولهذا فقد هزم بمقلاع داوود. ليست قوتنا الجسدية هي التي علينا أن نجددها الان، فهي موجودة، بل عظمتنا الاخلاقية.
غلوبوس 30/3/2016
نحمان شاي