لم يتوقع وصول «نبوءة السقا» إلى القائمة الطويلة للبوكر… السوداني حامد الناظر: كتابة الرواية في العالم العربي فن حديث قياسا بالغرب

حجم الخط
0

الدوحة «القدس العربي»: بتلقائية وبلغة سهلة وبسيطة يتحدث الروائي السوداني حامد الناظر، المرشح لجائزة البوكر للرواية العربية، عن عمله الثاني في رصيده الأدبي الذي نقله إلى جمهور أوسع. يتطلع بلهفة للتعرف على صاحب «فريج المرر» و»نبوءة السقا» الذي يشق طريقه بثقة وثبات في عالم الكتابة. عن الجائزة وما يثار عنها من نقاش والأعمال الفائزة وما تثيره من حديث في مختلف المواقع، يتحدث الناظر في هذا الحوار الذي خص به «القدس العربي».

■ كيف استقبلت نبأ ترشيح روايتك الثانية للقائمة الطويلة للبوكر؟
□ مثلما أستقبل الأنباء المفرحة دائماً. ترشيح «نبوءة السقا» في القائمة الطويلة خبر مبهج بالنسبة لي، لكونه أولاً يمنحني ثقة أكبر في ما أكتب، خاصةً أن نبوءة السقا هي العمل الثاني لي، وهذا معناه أنني أخطو خطواتي الأولى بشكل صحيح. ثانياً هذا الترشيح يلفت الانتباه إلى كافة الأعمال التي وصلت إلى القائمة الطويلة وهو بذلك يفتح الطريق أمام الرواية والروايات الأخرى لتصل إلى الناس وهذا هو غرضي الأساسي من المشاركة في السباق على جائزة البوكر.
■ هل خالجك وأنت تباشر العمل على الموضوع شعور بإمكانية تحقيق هذا الإنجاز؟
□ لا، بكل صدق. أنا في العادة لا أشعر بالرضا عما أكتب، ولا أحس بحالة الكمال ولو بشكل نسبي، وقد تكون هذه ميزة جيدة أو شعوراً سلبياً. هاجس النقص يجعلني دائم التفكير في نقاط ضعف العمل وفي فجواته أكثر من نقاط قوته وجودته. على الرغم من يقيني بأن طريقة تعاطي القراء والنقاد مع هذا الأمر قد تختلف، وقد تكون النظرة لنقاط القوة والضعف معكوسة، لكن يظل هذا الهاجس موجوداً. فأجدني دائم الشك وكثير التشاؤم بشأن ما أكتب، أصدقائي المقربون يعرفون هذا جيداً، ولهذا السبب بالتحديد لم أتوقع أن تصل «نبوءة السقا» إلى قوائم البوكر.
■ كتبت في صفحتك في الفيسبوك ضمن المنشور الخاص بنبأ ترشيح «نبؤة السقا» عن صديقك حجي جابر وروايته «لعبة المغزل»، معتبرا أنه يفترض أن تكون في القائمة ذاتها، هل هو تصريح بأن هناك أعمالا جيدة غابت عن اللائحة؟
□ حسب ذائقتي نعم، رواية «لعبة المغزل» رواية بديعة وفيها تجريب لافت، لكن المسابقات والجوائز، عموماً، لديها طريقتها في قراءة الأعمال. لديها معايير محددة لتصنيف الروايات وموضوعاتها التي تعالجها وشكل التجريب المتبع ومن بعد ذلك لدى لجانها المختلفة ذائقة جماعية أو فردية، وهذان الأمران (المعايير والذائقة) هما اللتان تحددان في النهاية تفضيل هذه الرواية أو تلك. وهذا لا يعني بالمطلق أن ما تم اختياره هو الأفضل، وأن الروايات التي تم استبعادها من القائمة هي الأسوأ أو العكس. الأمر كما قلت لك متعلق بذائقة لجان التحكيم ومعاييرها، وللحكم على الأمور بشكل دقيق ينبغي علينا قراءة كل الروايات التي قدمت إلى الجائزة! أعرف أن هذا الأمر غاية في الصعوبة، لكن من المفروض أن لجان التحكيم وبحكم مسؤولياتها قامت بهذا الأمر نيابة عنا نحن معشر القراء، ولذلك علينا أن نحترم قراراتها.
■ ما السر وراء الضجة التي تحدثها جل الجوائز الأدبية في الوطن العربي وما هي خلفيات الأمر؟
□ إضافة إلى ما تقدم، فإنني يمكن أن أضيف أن فن كتابة الرواية في العالم العربي جديد نسبياً، ولا يقف على موروث تاريخي ونوعي عميق قياساً بالعالم الغربي مثلاً، وهذا ينسحب على كافة الأمور المتعلقة بها، من نشر وقراءة وجوائز ولجان تحكيم. قد نحتاج إلى بعض الوقت حتى تأخذ الرواية مكانها الطبيعي بين الآداب والفنون الإنسانية لدينا. عندها ستختفي معظم المشكلات لأنها مرتبطة ببعضها وغير منفصلة.
■ هل يمكن القول إن لدينا مشكلة حقيقية في المنطقة في مجال النقد الأدبي وتقييم مختلف الأعمال الروائية؟
□ النقد موجود كاهتمام وكتجربة، لكنه قليل للأسف ولا يوازي حجم الإنتاج الهائل، وتحس أحياناً أنه انتقائي أو انطباعي وتتحكم فيه العلاقات الشخصية والرواج الإعلامي أكثر من الرغبة في الاكتشاف والتنقيب. ولعل الكم الهائل من المنتج الروائي وضعفه العام يساهم أيضاً في تعقيد مهمة النقاد وفي عزوفهم عن متابعة كل ما تنتجه دور النشر، وفي إحباطهم من المشهد الروائي الماثل. وعلى كل حال فإن عافية النقد من عافية الرواية والعكس صحيح، فالتجربة الروائية العربية بشقيها الإبداعي والنقدي لم تتضح ملامحها النهائية، وكما ظللت أقول دائماً الكم هو طريق الكيف وعلينا أن نصبر.
■ ما الذي يمكن أن يضيفه نبأ تصنيف رواية ضمن إحدى قوائم الجوائز العربية؟
□ التصنيف المهم في نظري هو أنها تستحق الالتفاتة، سواء من القراء أو من النقاد. الكتاب وبعد خروجه من بين يدي كاتبه ليس ملكاً له، وإنما هو ملك للآخرين طالما أنه قدمه إلى ناشرٍ ما، وعليه أن يتقبل انطباعاتهم وآراءهم أياً كانت، لا أقول هنا كلاماً مثالياً، ولكنني أنبه إلى مطلوبات العلاقة الصحيحة بين الكاتب والقارئ. الجوائز إحدى الحلقات المهمة في التنويه بالأعمال الجيدة حتى تجد حظها من القراءة والنقد والقبول.
■ نعود لثيمة الرواية التي صنفت مؤخرا من قبل لجنة البوكر والتي غاصت في جذور الطبقية الاجتماعية، كيف أغراك الموضوع للولوج فيه مع أنه ماض تجاوزته الأحداث؟
□ موضوع الطبقية في حد ذاته لم يكن هدفاً للرواية، وإنما كان غطاءً لتمرير فكرة أخرى وهي الانتهازية، أو ما يمكن أن نسميه اليوم بالانتهازية السياسية. كيف يمكن تسويق أحلام الجماهير لغاية ذاتية وأنانية بغض النظر عن مصائرهم بعد ذلك، هذا هو الذي حاولت الرواية أن تعالجه. فرج السقا شخصية ذكية مبهرة وجذابة، يتعاطف معها القارئ إلى درجة عميقة، لكنها خلف كل تلك الأقنعة تخفي جوعاً للمجد واستعداداً لبيع المبادئ في أقرب نقطة يمكن أن تحمله إلى حلمه. إنه مثال لما يمكن أن تكون عليه النخبة، وهذا ليس بالضرورة أن يكون موجوداً في الماضي فقط. إنه موجود في الحاضر أيضاً.
■ «نبوءة السقا» تحركت أحداثها في فضاء زماني ومكاني مختلف عن بلدك السودان واتجهت الرواية شرقا إلى جارتكم إرتيريا ما سر هذا الاختيار؟
□ الموضوع الذي تعالجه الرواية هو الذي يتحكم بشكل أساسي في اختيار زمان ومكان الرواية، وقد خطرت لي أماكن عدة وأزمنة مختلفة لكنني في النهاية وجدتُ أن إريتريا الستينيات أنسب، بحكم وجود ذلك الصراع الطبقي في فترة سبقت تلك الفترة بقليل، وكذلك لأنها كانت تشهد انطلاق ثورة مسلحة من أجل التحرير، ووجدت تناغماً بين الأمرين حرية العبيد وحرية الوطن، هذا أولاً. ثانياً إريتريا بالنسبة لي ليست مجرد مكان وحسب فأصول عائلتي تنحدر منها، وهي في النهاية جزء من قبائل مشتركة تعيش في رقعة واسعة ممتدة بين السودان وإرتيريا وتشكل نسيجاً واحداً وتتحدث لغة واحدة، رغم وجود الحدود، ولذلك فإن المجتمع الذي تحدثت عنه الرواية موجود هنا وهناك بصورة متطابقة. ثالثاً أرض الحبشة عموماً، التي تشمل إثيوبيا أيضاً أرض بكر بالنسبة للقارئ العربي وأمتلك معرفة لا بأس بها بتاريخ هذه المناطق وحركة المجتمعات فيها، وتصورت أن هذا يقدم عالماً جديداً للقارئ بالعربية. فروايتي الأولى «فريج المرر» كان مسرحها الأكبر إثيوبيا ومجتمعاتها وأدواء القوميات فيها، وأعتقد أن ذلك يمنحني ميزة إضافية لأنني أغرف من منطقة شبه معتمة بالنسبة للرواية العربية إلا من تجارب قليلة.
■ أليست مناطق مثل مدينتك بورتسودان أو أم درمان التي درست فيها وعملت، أقرب إليك من «عجايب»؟
□ عجايب طبعا مكان افتراضي وليس حقيقيا، وله مواصفات خاصة تطلبتها الحكاية، وكذلك طبيعة الحياة الاجتماعية التي بنيت عليها فكرة الرواية لا يمكن أن تتوفر في مكان آخر غير الذي صنعته ليتلاءم معها، وبالتالي فإن موضوع الرواية هو الذي حدد مكانها وزمانها وشخوصها وأنا لا أملك غير أن أكون ديمقراطياً مع عناصر النص التي تتفاعل وفق منطقها الخاص.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية