■ ليس ضربا من ضروب جلد الذات ولا تبرئة للأطراف الخارجية الإقليمية منها او الغربية، بل مجرد دعوة صادقة بعدما آل اليه ما يسمى بـ»الربيع العربي» من كوارث وويلات، للنظر إلى دواخلنا وسبر أغوارها ومراجعة أنفسنا.
الهدف ليس جلد الذات، كما قلت، بل الاعتراف بهزائمنا شعوبا وحكومات (والاعتراف فضيلة) اذا أردنا ان نصطلح مع حالنا ونتوقف عن إلقاء اللوم على الاخرين وتحميلهم المسؤولية الكاملة، لا لشيء سوى ان نعطي لأنفسنا جرعة من التخدير ونوعا من الطمأنينة لنعيش حياتنا بدون منغصات ما دامت أصابع الغير هي التي تعبث بنا، وهي سبب محننا ولا حول لنا ولا قوة.. وينسى المسلمون منا او يتناسون الآية الكريمة «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال إعفاء الطرف الخارجي من مسؤولياته.. ومحاسبته على كل جرائمه..
ما حفزني على الخوض في هذا الموضوع هو ما يكتب على مواقع التواصــــل الاجتمــــاعي.. وعلى وجه الخصوص «الفيسبوك» وانقل على سبيل المثال لا الحصر، نموذجا واحدا لنقاش دار بين مجمـــــوعة من المشاركين من عامة الناس.. وكان موضوع النقاش القـــدس وما يتعرض له المسجد الأقـــصى من محاولات تدنـــيس من قبل اليهود المتطرفين والمخططات الإسرائيلية لتقسيمه زمانيا ومكانــــيا. وبدأ النقـــاش بأحد المشاركـــين يشيد بعمليات الدهس الفلسطينية في الضفة الغربيـــة والقـــدس المحتلتين، بقوله هذه «داعس» الفلسطينية وليس «داعش».
فرد عليه مشارك اخر مدافعا عن «داعش»، فاقحم بدون مقدمات إيران وحزب الله متسائلا «أين ايران وحزب الله» أليسا محسوبين على الإسلام؟». وكأنه يقول إن «داعش» وجدت بسبب تدخلات إيران وحزب الله في سوريا.
ويتساءل ثان «ليش ما تحكي عن الشيعة اصحاب مقولة الموت لإسرائيل. لك الله يا فلسطين الحبيبة وقاتل الله كل من تخاذل عن نصرتك وتحريرك وتحرير الأقصى». فهذا الشاب يتحدث وكأن لا علاقة له بفلسطين أو القدس او حتى الإسلام، وهو ليس إلا مراقبا من كوكب آخر لا دور له سوى الدعاء.
ويتهم مشارك اخر، بادئ النقاش بالتحامل على السنة وهو سني، كما يتهم الجميع سنة وشيعة بالتواطؤ. ويتهم ايضا الحكام بإغلاق الطريق «في وجوهنا وقاعدين يبذلوا فينا» وهذا الشخص يعيش في الغرب ولا يعيش حياة الذل التي يتحدث عنها من حكامه. وفاضت مشاعره ليتحدث عن الحلف الشيعي المتآمر مع العالم كله حتى اسرائيل، بدون ان يقدم أي دليل على اتهامه.
وتقول مداخلة أخرى ساخرة «لا تخاف يا اخي.. الحوثيون قادمون لتحرير الأقصى».
ومثل هذا النقاش لا يقتصر على الناس العاديين، بل يتداوله الكثير من المثقفين والصحافيين والكتاب، وإن كان بأسلوب منمق وعبارات منتقاة ومحسوبة.
وقبل ان نخوض في موضوع ايران التي نلقي عليها اللوم في كل مشاكلنا ومصائبنا في الوقت الحاضر، سواء في سوريا أو العراق أو لبنان وحتى في ظهور تنظيم «داعش». لنعد قليلا إلى الوراء ولنذكّر بان القوى الخارجية إقليمية كانت أم عالمية هي الي تخطط واحيانا تنفذ بشكل مباشر كما حصل في العراق في 2003، ولكن معظم التنفيذ كان ولا يزال بأيد عربية.. والأنكى أننا نقبل بالنتيجة ونتعايش معها.. فأعادونا إلى ما كنا عليه قبل الاسلام قبائل وعشائر متنازعة ومتناحرة يغير فيها القوي على الضعيف فيغنم ويسبي ويدمر كما شاء له، بدون رادع أخلاقي او إنساني. نعم أعادوا تقسيمنا وتجزئتنا ولكن بما يتماشى شكليا وليس جوهريا، مع العصر والقرن العشرين، إلى «دويلات وطنية» لا تختلف عن السابق بشيء سوى التسمية.. ورسموا الحدود بيننا التي لا تزال قائمة كما رسموها، لنخوض حروبا في ما بيننا على كيلومتر حدودي واحد فقط هنا وهناك.. مرة اخرى صحيح ان الدول الاستعمارية هي التي خططت ورسمت ودفعت في هذا الاتجاه، ولكن ما كنا فاعلين؟.. ألم نقبل بها ألم نكن أدواتها.. ألم نعمل على تكريسها تحت عناوين «دول مستقلة وحدود وطنية».. وفي النهاية وعندما نواجه بهذه الحقيقة المرة نلقي نحن الشعوب قبل الحكومات باللوم على التدخلات الأجنبية.
وتاريخنا زاخر بالأمثلة. ففي حرب عام 1948 التي انتهت بفقدان الجزء الأكبر من فلسطين قلب «الوطن العربي» او هكذا كانت تسمى إلى ما قبل زيارة الرئيس المصري أنور السادات لاسرائيل وسلامه غير التاريخي مع دولة الاحتلال، أواخر السبعينات ليشتت العالم العربي بين مؤيد ومعارض وبين دول صمود ودول خنوع.. ماذا كانت النتيجة.. إلقاء مسؤولية النكبة على السلاح الفاسد الذي زودت به بريطانيا الاستعمارية بعض الجيوش العربية لمحاربة الكيان، والتي لعبت الدور الأساسي في قيامه.. بقينا الأصدقاء الأوفياء لها.
وتكرر الشيء ذاته في حرب 1967 التي فقد العرب فيها ليس ما تبقى من فلسطين فحسب، بل ايضا أراضي عربية مصرية وسورية.. وبدلا من ان نبحث عن الأسباب الحقيقية للهزيمة، اوصلتنا عبقريتنا إلى ما يبعد الشبهة عنا.. انهم السوفييت هم سبب نكستنا فهم الذين بخلوا علينا وزودونا بسلاح دفاعي وليس هجوميا. وبهذه الكذبة ارحنا ضمائرنا وبررنا هزيمتنا أمام أنفسنا.
وفي حرب 1973 وبعد البداية الطيبة والخسائر التي لحقت بالجيش الاسرائيلي.. تحول الانتصار الأولي إلى هزيمة بسبب قرارات سياسية خاطئة بررت بجسر السلاح الجوي الأمريكي لاسرائيل.
وجاء احتلال عراق صدام حسين المشؤوم 1990 للكويت، ذاك الاحتلال الذي أعطى الذريعة للانقسام، كما أعطى الشرعية للاحتلال بالقوة ووضعنا في موقف صعب حتى حينما نتحدث عن الاحتلال الاسرائيلي. وصفق البعض لنظام صدام واصطف إلى جانب الكثير.
وفي احداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 وتدمير البرجين في نيويورك ألم يكن المنفذون عربا والأهداف غير عربية ولا اسلامية وقادت إلى الحرب على العراق وتدميره بالكامل وتجزئتنا، وما تلا الاحتلال من حرب انتقامية (طائفية) لم تبق ولم تذر. وظل تنظيم «القاعدة» الشماعة التي علقت عليها كل الجرائم والمجازر.
وبالعودة إلى الدور الإيراني.. نعم اتوافق مع القول إن لايران احدى القوتين الإقليميتين الرئيسيتين في الشرق الأوسط، أطماعها سواء في سوريا او العراق او لبنان او اليمن، وهذه أطماع مرفوضة جملة وتفصيلا، كما هو مرفوض اللعب على وتر الطائفية. وايران هي فقط مثال واحد على الأصابع الاخرى الأطول بكثير التي تلعب ببلداننا.. الان وبعد ان «عرفنا عدونا».
يبقى السؤال.. ما نحن فاعلون؟..
٭ هل نكتفي بترديد الأسطوانة المشروخة صباح مساء.. ونكيل لايران الشتائم ونصفها بالرافضة والمجوسية ونشفي غليلنا؟
٭ هل الرد على ايران يكون بالتساوق معها والضرب ايضا على وتر الطائفية والانجرار وراءها في هذا النفق المظلم؟
٭ هل من المعقــــول ان ندين من خلال ايـــران او حزب الله كل الشيعة وهم كما عند اهل الســـنة أطياف وجــماعات؟
٭ اذا كان النظام في ايران او حزب الله (الذي كنا نصفق له حتى فترة ليست بالبعيدة) هما المسؤولان عما يجري في المنطقة من انقسامات وقتل وتدمير، فما ذنب شعب ايران او شيعة لبنان؟
٭ ألا نظلهم بأخذهم بجريرة انظمتهما؟.
٭ هل يمكن لإيران ان تنجح في أغراضها وأهدافها، اذ لم تكن الأرضية مهيئة لها جراء الخلافات والاختلافات، سواء في العراق او سوريا او اليمن؟
٭ من يتحمل المسؤولية حتى ان كانت ايران هي التي تقف وراء كل هذا.. ايران ام نحن.. الا ينفذ القتل والتدمير باياد محلية عربية؟
– مرة اخرى لا يجوز أن نأخذ شعبا بجريرة نظامه.. فالشيعة والعلويون في سوريا يدفعون الثمن مضاعفا على يد النظام الحاكم في دمشق، كما يدفعون ثمن جرائمه.. كما السنة يدفعون الثمن مضاعفا على يد السنة في النظام ويدفعون ثمن جرائم الآخرين.
– والسنة الداعشيون يقتلون ويمثلون في سنة الأكراد.. والنظام الشيعي في ايران يقف إلى جانب سنة الأكراد في العراق.. والى جانب سنة السعودية لوقف المارد «داعش» الذي أطلقوه ًومولوه وسلحوه واستقل بأهدافه بعد ان تذوق طعم السلطة ومال النفط.
وأخيرا السنة باقون في هذه البقعة من العالم كما الشيعة والعلويون والأكراد والازيديون والتركمان والدروز وغيرهم من الأقليات الطائفية والإثنية.. ولن تستطيع أي من هذه الطوائف والإثنيات والأعراق القضاء على الاخرى.. والكل باق على هذه الأرض طالت الحرب أم قصرت.. وعلينا ان نتعلم فن التعايش مع الآخر متساويين بالحقوق والواجبات.
٭ كاتب فلسطيني
علي الصالح