لنجرب الصعوبات منفردين

حجم الخط
0

كإسرائيليين نحن نتوقع من العالم وعلى رأسه الولايات المتحدة أن يفهم المشاكل الصعبة التي نقف امامها. فبالنسبة لنا، نحن الذين نعيش في الشرق الاوسط، واضح انه يتغير إلى الاسوأ، حين تنهار دول خلف الجدار الحدودي وعلى مسافة ما عنا يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على مناطق واسعة، في ظل استخدام وسائل وحشية للغاية. ولكن في حقيقة الامر، يوجد اليوم في العالم بضع مشاكل لا تقل خطورة، وهناك من سيقول حتى اكثر خطورة، تغطي على مشاكل الشرق الاوسط او تضعها على الاقل في توازن اصح. من المهم لإسرائيل أن تفهم بان هذا هو الوضع وان الفهم المختلف لتطور التهديدات في العالم واهميتها يؤدي إلى سلم اولويات جديد.
من المهم التشديد على أنه لا يمكن أن نفهم الغرب، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، دون الاعتراف باحساس الاحباط الفظيع من الاستثمار الكبير بالدماء مقابل النتيجة السيئة في العراق وفي افغانستان. فاحساس الفشل في الشرق الاوسط من جهة والمشاكل الصعبة خارجه من جهة اخرى، هي الاساس في الفجوة المتسعة بين إسرائيل والعالم ذي الصلة بها، أي الغرب بقيادة الولايات المتحدة.
وبقول «مشاكل صعبة» لا اقصد مشكلة تغيير المناخ ولا حتى مسألة الهجرة إلى الدول الغنية ـ التي بالنسبة لاوروبا تعد المشكلة رقم واحد اليوم. أقصد المشاكل الحقيقية المتعلقة بالامن القومي والدولي، المشاكل التي تستوجب عناية عملية من جانب الولايات المتحدة واوروبا. وهكذا مثلا، في نظر اوروبا والولايات المتحدة، فان سلوك روسيا يبعث مخاوف شديدة للغاية. والبيان الأمريكي في أنهم يفكرون بنشر واسع للقوات في دول البلطيق واوروبا الشرقية، الدول التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي حتى انهياره، يشير إلى شدة القلق في واشنطن وكم هي الولايات المتحدة مستعدة للعمل كي تردع موسكو.
لقد بدأ القلق قبل سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم وتدخلها في القتال في شرق اوكرانيا، ولكن هاتين الخطوتين اوضحتا للولايات المتحدة بان الحديث يدور عن صاحب قرار روسي لا يمكن توقع خطواته، وانه مستعد لان يأخذ بمخاطر كبيرة جدا في مناطق حيوية للولايات المتحدة وحلفائها.
يجدر بالذكر انه مع ان روسيا ليست كـ «الاتحاد السوفييتي» من حيث قوتها العسكرية، ولكنها لا تزال القوة العظمى النووية الاكبر في العالم، كما ان قوتها التقليدية ليست صغيرة. قد تكون «قوة عظمى اقليمية» فقط، حسب اقوال رئيس الولايات المتحدة براك اوباما، ولكنها قوة عظمى نووية ذات حقوق واحلام قوة عظمى كبرى. وهكذا، ضمن امور اخرى، فانها عضو في مجلس الامن، كجزء من الاعتراف بحقوقها الماضية، وهي ذات مصالح واسعة لقوة عظمى، تحاول الحفاظ على قوتها في الحاضر، في سوريا مثلا.
وكرد على الاعلان الأمريكي اعلن الرئيس فلاديمير بوتين عن تدشين 40 صاروخا نوويا جديدا عابرا للقارات. صحيح أن هذا يعد رفعا لمستوى اسطول ضخم ولكن قديم نسبيا، ومع ذلك فقد كان الرد هو رد قوة عظمى وليس رد دولة آفلة. فكيف يعالج الخصم العنيد والاشكالي من موسكو؟ خصم يرفض قبول التصنيف المتدني الذي يصرف له في الغرب كدولة من المستوى الثاني؟ ليس لاحد جواب جيد. هذا موضوع مقلق جدا اوروبا وكثيرين في الولايات المتحدة ليس اقل وعلى ما يبدو اكثر من انهيار العراق، مع كل الاحترام لداعش.
وفي الجانب الاخر من العالم، في الجانب الشرقي من المحيط الهاديء، بعيدا عن الشواطيء الغربية للولايات المتحدة، في بحر الصين الجنوبي، يتطور مركز توتر صعب ربما أكثر. إذا كانت روسيا تحاول الحفاظ على مكانتها كقوة عظمى ـ وان كانت ربما برأي الكثيرين في العالم لم تعد كهذه ـ فان الصين تريد ان توضح مكانتها الصاعدة، وعلى صعود قوتها لا جدال.
فهي تتعزز اقتصاديا، تكنولوجيا وعسكريا، وهي تريد من الجميع ان يعترفوا بذلك وان يعطوها الاحترام المناسب لمن يرى نفسه كقوة عظمى مركزية في العالم. وهي تريد أن يسمحوا لها بان توسع مكانها تحت الشمس، بالمعنى العملي والجغرافي للكلمة، إلى ما وراء ما كان مقبولا عندما كانت اضعف بكثير.
الصين تريد أن يعترفوا بها كصاحبة جزر في مجال البحر الشرقي والجنوبي لها، في الاماكن الاقرب لليابان، الفلبين، فيتنام وبورناو. الصين لا تنتظر حتى استيضاح ادعاءاتها في أي محفل دولي. وهي تسيطر على هذه الجزر رغم امتعاض تلك الدول وخلافا لرأي الولايات المتحدة، التي لا تنجح في منعها من هذه الافعال.
لقد اكتشف الأمريكيون وحلفاؤهم فجأة ان الصينيين يشقون مسارات طيران إلى جزر توجد حولها خلافات. وفي اخرى نشرت سفن مثابة اعلان تحقيق سيادة، بلا تنسيق مع أي دولة اخرى، بما في ذلك تلك التي تدعي ملكية هذه الجزيرة أو تلك. كما ان الصينيين يواصلون تطوير جيشهم وفي حالات معينة يظهرون ان في نيتهم استعراض القوة التي ظاهرا غير موجهة ضد أي دولة، ولكن معانيها واضحة.
هكذا مثلا، اظهروا قدرة عملية لضرب قمر صناعي بصاروخ، وهذا تلميح واضح للولايات المتحدة التي قسم هام من قدراتها منوط بالاقمار الصناعية التي تطلقها لاغراض مختلفة. وفي نفس الوقت نجح الصينيون في أن يظهروا بان بوسعهم اطلاق صواريخ دقيقة للغاية نحو اهداف بعيدة جدا في البحر، بشكل يلقي بظلال ثقيلة للغاية على قدرة الولايات المتحدة على أن تستخدم في المستقبل بالاساس قوتها البحرية في المناطق البعيدة عنها.
هذه القدرات منوطة جدا بحاملات الطائرات الكبيرة التي تشكل لباب قوة المهامة البحرية، التي كانت الاداة الأمريكية الاساس لاستخدام القوات بعيدة من شواطيء الولايات المتحدة. واذا كان الصينيون قادرين حقا على شل حاملات الطائرات الأمريكية، فالمعنى محمل بالمصائر بالنسبة للقدرة الأمريكية على نجدة حلفائها في مجال الاحتكاك البحري موضع الحديث.
ينظر الأمريكيون بقلق كبير للغاية إلى التعاظم الصيني، وكذا دورها في هجمات السايبر على الولايات المتحدة. ولهذا فلا غرو ان التوتر مع الصين يهدد الولايات المتحدة ومصالحها أكثر من الاف اللاجئين ومئات الاف القتلى في سوريا. وعليه، فما العجب في أن الرئيس الأمريكي لا يسارع إلى الحرب في سوريا، حتى لو استخدمت له الغاز المميت ضد مواطنيها؟ كل شيء حسب القاعدة المعروفة والصحيحة دائما تقريبا: «ما يرى من هناك لا يرى من هنا»، وهذا صحيح ايضا بالنسبة لفوارق النهج بالنسبة لإيران. بالنسبة لإسرائيل هذا تهديد وجودي، بينما بالنسبة لواشنطن هذه مشكلة اخرى، وليست الاصعب من زاوية نظره. من المجدي ان نعتاد على حقيقة انه قد يتعين على إسرائيل أن تتدبر امرها وحدها في الامور الهامة لها وتعتمد أقل على عمل الولايات المتحدة التي ترى الامور بشكل مختلف ـ بشكل طبيعي وليس انطلاقا من نية سيئة.

إسرائيل اليوم 26/6/2015

يعقوب عميدرور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية