لندن والتركيبة الإثنية وتكافؤ الفرص

عمدة جديد للندن، ومعه دخول في معترك الإقرار الدولي بخاصية التركيبة الاجتماعية اللندنية، بل البريطانية. سابقة تحولت إلى نمط عيش سياسي مرجح ليصبح من الآن فصاعدا ديدنا يعتاده المجتمع الدولي، أن نرى على رأس عاصمة المال والأعمال الأوروبية ابن واحدة من أكثر الجاليات تمثيلا فيها، الجالية الباكستانية المسلمة.
شهدت لندن إذن يوم تكليل السباق على عمادتها بنتيجة تفي تركيبة المدينة الاجتماعية حقها من الانصاف والمنطقية. من الإنصاف أولا، والأمر ليس بالهين. لا على المستوى السياسي الداخلي ولا على المستوى الجيوسياسي. هنا تتداخل زاويتان: زاوية علاقة المواطن- الناخب بمنتخبيه، فهو لم يعد يشعر بأن تصويته ذائب في مدار التجريد لا يستطيع إلى الربط بينه وبين واقعه سبيلا، والزاوية الثانية: إشعاع لندن الدولي، فيكسبه هذا الفوز الانتخابي زخما في اتجاه التغيير.
تغيير يمتثل أولا في إقبال الناخبين اللندنيين على التصويت لإنسان… يرون فيه جزءا منهم، وهنا نستشف أن المعطى السياسي أصبح يتغير ليتحول إلى لقاء إنسان بذويه قبل – ولكن ليس على حساب – الدخول في معترك الحملات والبرامج.
«إسمي صادق خان، وأنا عمدة لندن.» ركب خان المصعد الاجتماعي فأوصله إلى بر الأمان، ولكن في الوقت نفسه عرفت لندن كيف تمهّد الأرضية بإحكام.
لقد تحدث صادق خان بلسان الطموح فاستجاب الطموح. وفي الآن امتزج الطموح بالتفاني فكانت الاستجابة مضاعفة.
صحيح كان يمكن أن تكون النتيجة غيرها ومعها الاستجابة، لكن هناك من يؤمن بحتمية النتائج، من دون استبعاد حرية تقرير المصير، وأنا منهم. لم تكن النتيجة مفروغا منها لأنه لا نتيجة مفروغ منها أبدا. لكن المناخ كان مهيأ لتتظافر عوامل دافعة للاعتقاد بأن الامر كان متوقعا. وليكون الأمر متوقعا لا بد من طريق، ولا بد من ظروف. وينضاف هنا الوجه الاجتماعي إلى الوجه السياسي، لأن لندن أسست أرضيتها الاجتماعية على مر الأعوام، فصارت نموذجا للتعايش بين الجاليات لدى البعض، ونموذجا مضادا للانغلاق الإثني لدى البعض الآخر. غير ان سكان لندن في غالبيتهم الساحقة باتوا في نصرة النموذج، لا النموذج المضاد. والنموذج من ناحيته ظل إشعاعه العالمي قائما، مدروسا في جامعات العالم، محل إشادة علماء اجتماع وإطراء مسؤولين سياسيين.
كلل هذا المشهد الانتخابي نتيجة منصفة إذن، لكن منطقية أصلا، والأصل هنا وفاء لندن لتاريخها، مبني على نمطية اجتماعية فريدة، يوحدها أولا وقبل كل شيء عنصر اللغة، لتزرع في نفوس أبنائها أنّى كان مقدمهم الأصلي، ثقافة غنية بتعدد مشاربها. وإن دل الأمر على شيء، فإنما يدل على أن ثوابت خاصية بلد تعلو على عاديات الدهر. وبالخير نتفاءل، ودواعي التفاؤل موجودة.

٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

لندن والتركيبة الإثنية وتكافؤ الفرص

بيار لوي ريمون

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية