«في الأيام الأخيرة وصلتني رسائل احتجاج وانتقادات كثيرة، في الأساس من مواطنين يهود، على الرعاية التي منحناها للكونسيرت الموسيقي لروجر ووترز. أشعر أن الأقوال والادعاءات لن تقنع أعضاء طائفتك، بل فقط العمل الحاسم. وأنا أعلن لك عن هذا العمل، لأنه من المهم لي أن تكوني على ثقة كم هي مهمة لي مشاعرك: الرعاية للكونسيرت ألغيت. من فضلكم، التعامل مع قراري الواضح كرسالة شخصية للإخلاص والتفهم».
هذه الرسالة تم إرسالها من مدير محطة تلفزة محلية في ألمانيا لمالكا غولدشتاين وولف، بعد مبادرتها إلى الاحتجاج على الرعاية التي منحتها محطة التلفزة لحفل روجر ووترز. الاحتجاج الذي بدأ في الشبكات الاجتماعية أدى إلى توقيع عريضة من خلال تأكيد طابع حركة الـ بي.دي.اس اللاسامي الذي يعتبر ووترز أحد الممثلين البارزين فيها، وإلى الانتقادات الشديدة في صحيفة الجالية اليهودية. وكل ذلك أدى إلى إلغاء الرعاية.
في وقت معين قبل توقيع اتفاق أوسلو توقفت إسرائيل عن الدفاع عن الحقيقة التاريخية الخاصة بها، من أجل تبرير التغيير الفكري الدراماتيكي الذي وجد تعبيره في الاعتراف بالعدو اللدود للصهيونية ودولة إسرائيل وهو م.ت.ف. وقد تم تبني سياسة تدريجية للتعاطي مع الرواية الفلسطينية والأكاذيب التي تضمنتها. وبدل النقاش المفتوح قاد مهندسو أوسلو عملية انفصال عن التأريخ (من أجل المستقبل، كما يبدو)، وتجاهل الحاضر (ضحايا السلام)، وتأييد (البؤس والخطر) الفلسطيني بهدف تجنيد أموال طائلة لمصلحتهم. السياسة الخارجية الإسرائيلية التي رسمت من أجل دفع «العملية السلمية» انشغلت بالدفاع عن الفلسطينيين، وبشكل أقل بالمصالح الإسرائيلية، التي تقلصت إلى مصلحة واحدة هي «السلام». المقاربة التي رافقها عمى شديد بخصوص ما يجري في الشرق الأوسط وفي العالم أدت إلى ظاهرتين خطيرتين. الأولى، تجاهل أخطار آخذة في التشكل. والثانية، الاستسلام للتحديات الإعلامية. هكذا فقدت إسرائيل فرصة القضاء على ظاهرة الـ بي.دي.اس.
جذور حركة بي.دي.اس العميقة لا تعود إلى مؤتمر دربن في 2001، بل إلى ولادة «الحركة الوطنية الفلسطينية» في بداية القرن العشرين. مؤتمر دربن وتأسيس حركة المقاطعة الرسمي هي فقط جزء من «نضال المراحل» الفلسطيني من أجل القضاء على الكيان اليهودي المستقل في أرض إسرائيل. وبعد حصول م.ت.ف على اعتراف المؤسسة الرسمية الإسرائيلية بالرواية الفلسطينية، من دون مقابل، مثل الاعتراف بالرواية اليهودية الصهيونية وإلغاء الميثاق الذي يدعو إلى القضاء على إسرائيل، تحولت القيادة الفلسطينية إلى شن حرب دعائية دولية ضد الاعتراف بحق اليهود بدولة خاصة بهم. هذا هو المغزى العميق لحركة بي.دي.اس وتصوراتها اللاسامية.
مقابل هذه العملية، إسرائيل الرسمية كانت غافلة. فكرة مقاطعتها تم تبنيها من قبل أحزاب غربية (اليسار واليسار المتطرف)، اتحادات مهنية، أوساط أكاديمية واتحادات طلاب وفنانين، من دون أن ترد إسرائيل على ذلك بحرب ضروس وتكشف عن الوجه اللامعقول واللاسامي لهذه الحركة. فقط مؤخرا تم الفهم في القدس لأبعاد التهديد وبدأت بعمل ممنهج لاقتلاعه من جذوره.
الأمر يتعلق بحرب. لقد مرت سنوات قامت فيها السياسة الدعائية الإسرائيلية ببلبلة أصدقائنا. نحن لم نعد هناك. صحيح أنه عندما يقوم الدبلوماسيون الإسرائيليون، المتقاعدون والحاليون، من خلال محاضراتهم وفي الشبكات الاجتماعية بتوجيه الانتقادات للحكومة الإسرائيلية واتهامها بالنازية والاحتجاج على نظام «الأبرتهايد»، يصعب علينا عدم فهم الانتقادات الموجهة للدعاية الإعلامية. وما زال السؤال الأساسي هو ماذا يمكن فعله لتعزيز مواقف إسرائيل في العالم.
إن نجاح عدد من النشطاء في ألمانيا، يهود وغير يهود، ليس أمرا بسيطا. إن قرار إلغاء الرعاية حدث قبل بضعة أيام من قيام محكمة في ألمانيا بدعم سياسة المقاطعة اللاسامية التي تديرها ضد إسرائيل. ومحكمة أخرى في ألمانيا قررت أن إلقاء زجاجة حارقة على كنيس هو عمل احتجاجي مفهوم ضدَّ السياسة الإسرائيلية.
إن هذا النجاح يؤدي إلى الاستنتاج أنه باستطاعة أفراد المساعدة في النضال في أي مكان، حيث أن الرسالة واضحة، واحتمال أن يتم نقل هذه الرسالة يتزايد. وعندما يوجد أشخاص يتطوعون لإنجاح هذه الرسالة من تلقاء أنفسهم فإنه يمكن النجاح، ولا يجب انتظار الدولة.
اسرائيل اليوم 28/11/2017