على مدى سنواتها السبعين ترافق آلام نمو دولة اليهود تحديات أمنية. فكل أم عبرية تعرف بأنه رغم الوعود التي ستعدهم بها حين يصبح أولادها كباراً، سيكون الجيش دوما مكانهم. وبخلاف الرواية التي تتواصل والتي تقول إلى الابد سنعيش على حرابنا وما كان هو ما سيكون، فإن السنوات التي مرت منذ بدأت كفاح الدولة العبرية على مجرد وجود الوطن، جلبت معها تغييرات هامة في كل ما يتعلق بالتهديدات الأمنية التي تحوم فوقها. فالحروب الكبرى التي تصدت لها إسرائيل في بداية عهدها لا تشبه حروبها اليوم والتي تركز أساساً على مكافحة الإرهاب، تعطيل التهديدات غير التقليدية والصمود في وجه عدم الاستقرار الاقليمي. وتتغير شدة التهديد كل الوقت كما تتغير الجبهات التي تجري فيها صراعاتها هي الاخرى، وليس كل ما يعتبر كانعدام للدفاع والامن، هكذا هو بالفعل.
في سنتها السبعين نجد إسرائيل اليوم محمية أكثر مما في الماضي ولكنها آمنة ربما اقل من أي وقت مضى. فهي محمية كوننا أقمنا الجيش الاقوى في الشرق الاوسط والاقتصاد المزدهر والغربي، وليس أقل من ذلك بفضل التسويات السلمية المستقرة التي توصلنا اليها مع مصر والاردن، والتي تصمد منذ عشرات السنين. وبالمقابل، فإنه مسؤول عن انعدام أمنها ليس اعداؤها فقط بل وقيادتها أيضاً، التي تصر على تعزيز إحساس الخوف الوجودي ومواطنوها الذين يتعاونون مع هذا العناد.
كما أن الجيش الاقوى لا يمكنه أن يمنح مواطني دولته إحساس الأمن إذا كان هؤلاء يسمعون كل الوقت كم هي حياتهم هنا متعلقة بشعرة، وألف هجوم خلف البحر لن تنجح في طمس مخاوف من هم يقنعونه بكل الجدية بأن فتاة غير مسلحة إبنة 17 تشكل تهديدا على جنوده. هذه جزء من الحرب في القرن الـ 21 على الوعي، الشرعية وانتصار رص الصفوف والتصميم.
إن الأحداث الأمنية الكثيرة التي سبقت احتفالات الاستقلال تجسد مرة أخرى كيف يمكن لدولة أن تتحلى بسكرة القوة، التي تسمح لها بأن تقصف في ظلمة الليل مفاعلاً في سوريا وفي نفس الوقت أن تغرق في وعي من الخوف، الذي يجعل من يقف على رأس جهاز أمنها يتبنى في تغريدة على التويتر مساً بنزلاء سيارة إسعاف تحت رعاية سياسة «لا نأخذ المخاطرة». هذا أمساك بالحبل من طرفيه الذي يجدر بنا أن ننفصل عنه.
إن دولة تتبجح عن حق بقدراتها العملياتية وتطلق على الدوام الرسائل لاعدائها ألا يجربوا صبرها، لا يمكنها أن تتنكر من الالتزام بالقيم الاخلاقية الاساس بحجة الحاجة الوجودية، أو تطلب إعفاء من الطاعة للقوانين الاساس كحظر المس بالمتظاهرين طالما لا يشكلون خطراً وكأن بوسع هؤلاء ان يهددوا وجودها. إن دولة لها جيش هو الاقوى في الشرق الاوسط، يمكنها أن تسمح لنفسها بأخذ المخاطر. مع القوة العظيمة لا تأتي فقط المسؤولية العظيمة بل مثل هذا الالتزام أيضاً.
لا يمكن دعوة المواطنين بانفعال إلى رفع الرأس، وإعلاء العلم وأن يكونوا فخورين بالدولة القوية وعظيمة القوة التي صرنا عليها، وفي نفس الوقت مواصلة الهمس للأذن الثانية بلا انقطاع بأننا أمة ناجين من النار وأن علينا أن نتذكر هذا كل الوقت.
صحيح أن الواقع الأمني معقد ويجلب الاضطراب للاستقرار معه مخاوف جسيمة بشأن التطورات التي من شأنها أن تؤدي إلى الحرب حتى لو لم تكن إسرائيل راغبة فيها، عليها أن تكون مستعدة لها. ولكن بالذات كل هذا يستوجب من مواطني دولة إسرائيل أن يميزوا بين الواجب في أن نكون على أهبة الاستعداد وألا نأخذ وجودنا هنا أبداً كأمر مسلم به، وبين الادمان على الخطاب القتالي كوسيلة لتبرير المظالم.
«من دولة صغيرة منعزلة صرت بين ليلة وضحاها أسطورة»، تقول كلمات البيت الذي أُضيف إلى أغنية «هللوليا» بمناسبة احتفالات السبعين. حانت ساعة دولة إسرائيل لأن تبدأ بالإيمان بنفسها، بواقع وجودها في العام 2018 وأن تتذكر بأنها إن شاءت، فهذه بالذات ليست أسطورة.
٭ رئيس المخابرات الأسبق، وباحثة في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية
هآرتس 18/4/2018