منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات في الولايات المتحدة يكثر المحللون والمحللات من الحديث عن أنماط التصويت في اوساط النساء. بتساؤل أحيانا وبشماتة في احيان اخرى، يذكرون حقيقة أن أكثر من 40 في المئة من المصوتات أعطين اصواتهن لترامب. وأن نسبة تأييده في اوساط النساء البيض والنساء المتزوجات كانت أكثر من 53 في المئة و47 في المئة على التوالي. إن هذا النقاش هام، إلا أنه يتجاهل جانبين هامين قد يساهمان في توضيح الصورة.
أولا، السؤال ليس فقط كم من النساء صوتن لترامب، بل ما هي الفجوة بالنسبة المئوية بين النساء والرجال الذين صوتوا لهيلاري كلينتون، مقابل الفجوة بين النساء والرجال الذين صوتوا لترامب. عند التركيز على هذا السؤال يتبين أن الفجوة التي قيست في انتخابات 2016 هي الاكبر على الاطلاق، وأنها تزداد مع الوقت. في الانتخابات الحالية صوت لكلينتون 54 في المئة من النساء وفقط 41 في المئة من الرجال، مقابل 41 في المئة من النساء اللواتي صوتن لترامب. وهذا الامر يعني أن النساء وقفن في هذه الانتخابات على جانبي المتراس.
وبالنظر إلى حقيقة أنه حتى العام 1980 كانت أنماط التصويت لدى النساء مماثلة لتلك التي لدى الرجال، فإن هذا انجاز كبير. ويؤكد على زيادة قوة النساء في العقود الاخيرة ويُظهر كيف أن التعليم والقوة الاقتصادية يسمحان للنساء بالتعبير عن صوت سياسي مختلف عن الصوت الذكوري.
نمط تصويت النساء هو أكثر ليبرالية في العامة من تصويت الرجال. ويبدو أنه ليس صدفة أن الفجوة الكبيرة في تاريخ الولايات المتحدة (13 في المئة) سُجلت في الانتخابات الرئاسية التي شاركت فيها امرأة للمرة الاولى. وفقط للمقارنة، في العام 2008 عندما انتخب اوباما للمرة الاولى كانت الفجوة 7 في المئة فقط، وكلينتون هزمت في الانتخابات لأن اغلبية الرجال لم يصوتوا لها. واضافة إلى كل ذلك، لا يمكن تجاهل أن الكثير من النساء قد صوتن لترامب رغم تعاطيه مع النساء. وهذا يكشف حقيقة أن النساء هن الوكلاء الاكثر نجاعة لعدم المساواة في المجتمع. ولا يمكن أن تستمر نقاط القوة بدون التعاون مع النساء اللواتي يشكلن نصف المجتمع.
هذا الموضوع المعقد يتعلق بخصوصية النساء. خلافا للمجموعات الضعيفة الاخرى، فإن النساء يعشن مع الرجال وهن أمهات للرجال، من الصعب جدا أن يبتعدن عن النظام الاجتماعي القائم، حيث إنه سيعتبر عملا ضد الرجال الاقرب لهن. ففي العالم الذي نعيش فيه ما زال الزواج يخلق في حالات كثيرة تعلق النساء اقتصاديا بالرجال ويبقي على الفجوة في القوة، الامر الذي يعيق عملية تحرر النساء. النساء اللواتي صوتن لترامب أكدن على حقيقة أنه أب جيد. وهذا يشكل اجابة أقوى من اقواله وافعاله تجاه النساء. لقد غفرن له لأنه ظهر في مجالات اخرى كرجل مناسب.
ليست هذه هي المرة الاولى في تاريخ الولايات المتحدة التي يظهر فيها الشرخ العميق في اوساط النساء حول المساواة. ففي السبعينيات ناضل جزء كبير من جمهور النساء الأمريكيات ضد المصادقة على تعديل الدستور الأمريكي، تعديل تساوي الحقوق، الذي كان يفترض أن يرسخ مبدأ مساواة الاجناس في الدستور. كثير من النساء، خصوصا المسنات والمتزوجات والبيض وبقيادة امرأة كاريزماتية تدعى فيليس شلافلي، قمن بارسال الحلوى التي أعددنها للمُشرعين في مناطقهن وطلبن منهم التصويت ضد القانون المقترح.
وفي العام 1982 تبين نهائيا أن هذه الخطوة التشريعية قد فشلت، حيث أن عدد الولايات التي وافقت على ذلك لم يكن كافيا. وتبين في حينه أن النساء غير جاهزات للعالم الذي تكون فيه مساواة حقيقية بين النساء والرجال.
إن هزيمة كلينتون لدونالد ترامب هي ضربة قوية للمساواة بين الاجناس، الامر الذي يُظهر حقيقة أن الطريق ما زالت طويلة. لقد التقيت مع صديقة بعد الانتخابات، وعرضت علي صورة لكلينتون وفي فمها عضو ذكري وقد كتب تحت الصورة: «لقد أدخل لي ماسورة كهذه». وحتى لو غير ترامب طريقه فإن المارد الذي خرج من القمقم لن يعود اليه لفترة طويلة. وقد كشفت انتخابات 2016 سواد ظاهرة كراهية النساء، وأن القوة العظمى الديمقراطية الاكبر في العالم غير جاهزة بعد لقيادة امرأة.
إبنتي التي تبلغ 9 سنوات والتي تابعت الانتخابات تحمست من جملة سمعتها من كلينتون حيث أشارت إلى أننا وصلنا إلى مرحلة يستطيع كل أب أن يقول فيها لابنته: «يمكنك أن تكوني ما تشائين حتى لو كان ذلك رئيسة الولايات المتحدة». ابنتي لم تتوقف عن ترديد هذه الجملة بعيون متقدة. وبالنسبة للفتيات والنساء، انتخاب ترامب هو بمثابة صفعة، الامر الذي يزعزع كل ما آمنوا به عن العالم الذي يعشن فيه. وهذا يلقي بظلال الشك على الاحلام الساذجة حول مستقبلهن. وبالنسبة لنا، نحن البالغات، هذا برهان مؤلم على أننا لم ننجح بعد في خلق عالم افضل لبناتنا. ومنذ الاعلان عن نتائج الانتخابات أجد صعوبة في النظر في عيون إبنتي.
هآرتس 20/11/2016