ينبغي للمرء أن يعرف كيف يخسر بشرف، يقال لليسار، وذلك لان الوقفة، الهيئة والكياسة، كما تعرفون، هامة جدا في الشرق الاوسط. واليسار مطالب بان يرفع جانب الحاجب، فيبتسم ويهنئ: كل الاحترام.
انتصرت. قص الشريط وتفضل بدهورة الدولة إلى الهوة. هكذا متبع في الدولة الحضارية التي تمسح طرف فمها بمحرمة ناصعة البياض، بضربات خفيفة، بعد أن ابتلعت وجبة دسمة من الـخ… مع الاضافات. فنحن اناس متعلمون، منذ الروضة علمونا كيف نجلس بايادٍ مكتوفة والا نتكلم الا بعد أن تسمح لها المعلمة، والا نقتل الا حسب الاجراءات، والا نصوت الا حسب قيمنا ـ ودوما ان نحترم المنتصر.
هذا بالضبط ما سنفعله من الان فصاعدا على مدى السنوات الاربعة القادمة، وربما اقل بقليل. فنحن شعب طائع ومنضبط. لن نتجرأ على السؤال، حتى ولا بهمس، اذا كانت حاجة حقا لحرب اخرى في غزة او في لبنان، لن ننتقد السياسة الاقتصادية، لن نرفع حاجبا في ضوء التعيينات في الحكومة وسنحرص جدا للحفاظ على سلامة الجدار الذي يفصل بيننا وبين عربـ «نا». إذ عندنا المنتصر يأخذ كل شيء، بما في ذلك روح المهزوم، لسانه وآماله.
كما اننا نعتذر على أننا تجرأنا على أن ننتخب بشكل مختلف. على أننا أحدثنا شرخا في الشعب، لم نمنح الاخ ـ الزعيم ـ القائد انتصارا بمعدل 99 في المئة. فماذا ظننا أنفسنا؟ وفي أي دولة اخرى في الشرق الاوسط يمكن للصحافيين أن ينتقدوا عقيلة رئيس الوزراء؟ أين هي الدولة العربية التي تسمح بفحص الصندوق الصغير للزعيم؟
فجأة أيضا أصبحنا حساسين، كمن نهتز كورقة الشجر الطائرة امام صرخة التوبيخ من رئيس امريكي. أولم يتورط رجب طيب اردوغان التركي مع أوباما؟ ومبارك لم يفرض المقاطعة على واشنطن وعلى مدى خمس سنوات لم يزر اروقة البيت الابيض؟ ولم يحصل أي شيء، والسماء لم تسقط. من أي لنا الوقاحة في أن نقول ان لرئيس وزراء اسرائيل فقط، وهي الدولة الاقوى في المنطقة، محظور ان يكشر في وجه رئيس امريكي، او فرنسي او روسي.
الخوف فقط زرعناه من الطاغية، وصمتنا أمام الأسياد الأنيقين، وارتعدنا خشية من الغريب. عفوا، أسف، ألف أسف لأن عيوننا لم ترى عظمة زعيمنا. هذا لن يحصل بعد اليوم.
كم مرة يمكن لشعب أن يحظى بزعيم ينقذه من نفسه؟ خسرنا، ولكننا فزنا. إذ حقا في اللحظة الاخيرة، بينما يتدفق العرب من التلال وقنوات المجاري عندهم، الكثيرون في مواجهة القليلين، ليذبحوا اليهود كان الزعيم الاعلى هو اول من فهم الخطر وعرف ما ينبغي عمله. أتذكرون كيف هزئنا به عند حريق الكرمل؟ كيف تميزنا غضبا حين أخذ لنفسه الحظوة على السوبرتانكر؟ لقد رأى ببساطة المولود، سواء كانت هذه نارا أم عربا. خسارة أنه اعتذر عما قاله عن العرب. فعلى منع المصيبة فلا ينبغي للمرء أن يعتذر.
من الان فصاعدا سنصمت. فنحن نعرف كيف نخسر بشرف. حتى لو فرضوا علينا العقوبات، قاطعوا الفنادق، البندورة والبرامج الفائقة التي اخترعناها؛ حتى لو ضروا كُتّابا شاذين او فرضوا الرقابة على المسرحيات؛ حتى لو اسكتت محكمة العدل العليا ودفن العمال الاجانب في الصحراء ـ نحن سنصمت.
في ميدان رابين سنجتمع فقط قبيل الماراثون، والثلاجات الفارغة لن نعرضها الا في دعايات الاجهزة الكهربائية. سنرافق أولادنا في الجولات إلى الحرم الابراهيمي وكريات اربع ولن نشغل ابدا العرب ولن نزعج أرباب المال. سنحترم الاب والام وسنفرح لطائرة نومهما. هذا هو، انتهت ايام الحداد، والجراح لعقت، والان حان الوقت للشروع في الاعتياد عليه. في مصر حكم مبارك ثلاثين سنة وفي ليبيا طغى القذافي 42، وانظروا ما حصل حين اسقطوهما. في إيران فقط مسموح للرئيس ان يتولى الرئاسة لولايتين متتاليتين فقط. ولكن إيران هذه ليست نحن. نحن نعرف كيف نعاني بصمت.
اسرائيل اليوم 25/3/2015
تسفي بارئيل