«لهافا».. «كوماندوز  يهودي» ضد الزواج من العرب

حجم الخط
1

الناصرة- «القدس العربي»: تفاقمت مظاهر العنصرية في إسرائيل وبلغت ذروة غير مسبوقة بعد مقتل المستوطنين الثلاثة وهي تشمل التحريض والاعتداءات الجسدية وتقييد الحريات والتدخل في حياة الأفراد وشؤونهم الأكثر شخصية. وأحد الأمثلة على تفشي العنصرية كان العاصفة التي أثيرت حول زواج الشاب العربي محمود منصور من الشابة اليهودية مورال مالكا، من يافا.
وأعلنت منظمة «لهافا» التي تعرّف نفسها بأنها منظمة تنشط ضد «الإنصهار» أي ضد زواج اليهوديات من غير اليهود، أنها ستسعى  لمنع زواج محمود ومورال. وقبيل حفل الزفاف، اتصل نشطاء المنظمة بالشابين وطالبوهما بالامتناع عن الزواج، وسط تهديدات بالاعتداء عليهما.
لكن دراسة للمركز الفلسطيني للشؤون الإسرائيلية «مدار» تظهر أن  ممارسات واعتداءات «لهافا» ليست جديدة والأهم أنها تحظى بدعم حكومي رغم تبنيها أفكارا عنصرية خطيرة.
تُعرف «لهافا» نفسها بأنها «المنظمة من أجل منع الإنصهار في الأرض المقـــدسة». ولدى الاتصال على رقم هاتفها، تُسمع أسطوانة تقـــول ما يلي: «إذا كنتِ على علاقة مع غير يهودي وتحتاجين إلى مساعــــدة فورية، اضغطـــي على الرقم 1؛ إذا كنـــتم تعرفون واحدة تقيم علاقة مع أغيار (غير اليهود) وتريدون مساعدتها، اضغطوا على الرقم 2، وإذا كنتم تعرفون شخصا غير يهودي ويتنكر كيهودي أو يتحرش ببنات يهوديات أو أنكم تريدون إبلاغنا بأماكن توجد فيها مشاكل وتنتج عنها مشكلة إنصهار، اضغطوا على الرقم 3».
وهناك إمكانية رابعة، وهي الضغط على الرقم 7 للاستماع إلى قائمة «أسماء أغيار يتحرشون ببنات يهوديات» وجميعهم عرب وتشمل هذه القائمة أرقام الهواتف والمدن أو القــرى التي يسكن فيها هؤلاء الشبان.
وتقف خلف «لهافا» مجموعة كبيرة من الحاخامات المتطرفين، المعروفين بمواقفهم العنصرية وبتحريضهم على العرب، ويرأسها بنتسي غوفشطاين،أحد تلاميذ الحاخام الفاشي مئير كهانا، الذي قتل قبل 25 عاما في نيويورك.
وكان كهانا قد أسس حركة «كاخ» وانتخب عضوا في الكنيست لكن بسبب أفكاره العنصرية والفاشية ودعواته إلى طرد العرب، إخرجت حركته «كاخ» عن القانون ولكن رغم حظرها ما زالت نشطة وبشكل خاص في صفوف أبناء الشبيبة في المستوطنات.
وتستغل منظمة «لهافا» وزعيمها غوفشطاين الحدود المستباحة لحرية التعبير من أجل نشر رسائل التحريض والشوفينية والعنصرية، التي تشجع الشبان على تنفيذ جرائم عنف وإرهاب على خلفية قومية.
وخلال المظاهرة قرب القاعة التي جرى فيها حفل زفاف محمود ومورال، شارك المئات من أنصار «لهافا»، مرتدين قمصانا عليها شعار المنظمة وهتفوا بشعارات عنصرية مثل «الموت للعرب» و»محمد مات» و»كهانا حي».
ويعتبر، أحد أبرز وجوه اليمين الاستيطاني المتطرف، وكان عضوا في مجلس مستوطنة «كريات أربع» في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية. ولا يزال يتعلم في معهد ديني يهودي باسم «هَرَعَيُون هَيِهودي» (الفكرة اليهودية) التي أسسها كهانا، ويحصل على مخصصات من الدولة، أي أنه رغم حظر حركة «كاخ» قانونيا، فإن وكرها المتمثل بهذا المعهد يتلقى تمويلا من الدولة.
ويظهر غوفشطاين في وسائل الإعلام الإسرائيلية، ويبث سمومه العنصرية دائما وله ماض طويل في الاعتداءات الإرهابية، وفتحت شرطة إسرائيل ملفات تحقيق ضده بسبب ارتكابه مخالفات مثل خرق النظام والاعتداء على الفلسطينيين وأملاكهم.
وخلال حفل زفاف ابنة غوفشطاين، قبل سنتين، تواجد الكثيرون من نشطاء حركة اليمين المتطرف «شبيبة التلال»، الذين ينفذون الاعتداءات الإرهابية المعروفة باسم «جباية الثمن». ووثقت القناة الإسرائيلية الثانية قيامهم بالرقص وهم ملثمون ويلوحون بالسكاكين وينشدون كلمات توراتية تدعو للانتقام من العرب.
وقال غوفشطاين خلال حفل زفاف ابنته «دعوني أقول إنه لو تواجد نادل عربي هنا لما كان سيقدم الطعام، وإنما كان سيبحث عن أقرب مستشفى».
وأسس غوفشطاين منظمة «لهافا» قبل أربع سنوات. وقبل ذلك نشط في صفوف منظمات مشابهة، مثل «مساعدة للأخوات»، وهي منظمة أقامها كهانا. وتشمل أنشطة «لهافا» توزيع منشورات تحذر الشبان العرب وتطالبهم بالابتعاد عن الشابات اليهوديات، وكذلك توزيع خرائط تدل على مصالح تجارية يعمل فيها عرب، وإصدار شهادات «كوشير» (حلال) لمصالح تجارية تشغل اليهود فقط.
ومن بين الأنشطة الأولى لهذه المنظمة، رسالة وقعت عليها 27 زوجة لحاخامات معروفين، في عام 2010، دعت «بنات إسرائيل إلى عدم الخروج مع الأغيار وعدم العمل معهم وعدم أداء الخدمة المدنية إلى جانبهم».

«نريد الثأر»

وينفذ القسم الأكبر من نشاط «لهافا» «كوماندوز» يجري « دوريات « في الأحياء التي يسكنها العرب واليهود «من أجل إحباط أي إمكانية لنشوء علاقة بين عربي ويهودية»، التي تصفها المنظمة بأنها « أعمال شغب «.
وقال مئير دافيد كوبرشميت، وهو أحد النشطاء البارزين في «لهافا»، للقناة الثانية: «نتجوّل في الأماكن التي قد تحدث فيها أعمال شغب، كتلك التي يأتي إليها الأغيار من أجل التحرش ببنات يهوديات. ونخرج في أمسيات أيام الخميس وندخل الحانات في ميدان صهيون وأماكن أخرى في القدس. وفي غالب الأحيان يكون حضورنا كافياً. يروننا ويعرفون ما هو الوضع. وإذا شاهدنا شابا وشابة يجلسان معا، وهو يبدو غير يهودي بحديثه أو لهجته أو لباسه، ويظهر ذلك بوجود زيت على الشعر غالبا، فإننا نتجه نحوهما ونسأل إذا ما كان كل شيء على ما يرام. ونسألهما إذا ما كانا قد سمعا عن انصهار».
ويتوجه النشطاء في بعض الحالات إلى زوجين محددين بعد وصول معلومات حولهما إلى «لهافا» من خلال شبكات تواصل اجتماعي، مثل «واتس- أب» و»فيسبوك». وفي هذه الحالة يرافق النشطاء من يسمونه بـ «السلاح السري» للمنظمة، الملقب بـ «الساحر»، وهو الحاخام أرييه لير.
وقال كوبرشميت إن الحاخام «يشرح خطورة الخروج من الشعب اليهودي، وأنه توجد سلالة منذ 3000 سنة ويحظر قطعها. ولا أعرف ماذا يقول بالضبط، لكنه ينجح في معظم الأحيان والشابة تترك الشاب».
ووقعت في الشهور الأخيرة اعتداءات كثيرة هاجم فيها شبان يهود شبانا عربا. وفي شباط الماضي هاجم نشطاء «لهافا» شابة  يهودية في مستوطنة «بيتار عيليت»، وقاموا بدفعها والبصاق عليها، لأنها التقت مع صديقها العربي.
أما غوفشطاين، فقد قال لوسائل إعلام في أعقاب قتل الفتى المقدسي محمد أبو خضير بحرقه حيا «إننا نتوقع ثأرا حكوميا، وطالما أن نتنياهو لا يقوم بعملية ثأر قومية، فإنه ربما تحدث أمور أخرى والمسؤولية تقع على بيبي (نتنياهو)».
وقال رئيس حهاز الأمن العام الاسرائيلي «الشاباك»الأسبق، كرمي غيلون، الذي كُشف خلال ولايته عن التنظيم السري اليهودي الإرهابي، إنه «يوجد لدى غوفشطاين جهاز تسويق وعلاقات عامة غير مألوف. لافـــتا الى ان عقيدة غوفشطاين هي نفسها عقيدة الحاخام كهانا، محذرا من  ان الجهاز القضائي يتعامل بتسامح بالغ تجاه المجرمين الأيديولوجيين. وهذا حسب قوله يأتي على خلفية دينية ويصبح متطرفا ويهدد الديمقراطية ودولة القانون».
ميزانيات حكومية

وقال كوبرشميت إن «المال يأتي من بيع قمصاننا ومن التبرعات. والأفراد يتبرعون من خلال أكشاك نقيمها أثناء نشاطاتنا، أو أنهم يتبرعون لبنتسي (غوفشطاين) شخصيا، وليس من الصعب الحصول على عنوان بريده الإلكتروني أو رقم هاتفه، ويصلون إليه مباشرة ويعطونه مالا». وتبين أن المنظمة تطرح أسهم «مشاركة في إنقاذ بنات إسرائيل» تتراوح قيمتها ما بين 300 و1200 شيكل.
كذلك فإن الحاخامات الذين يدعمون هذه المنظمة يوصون بالتبرع لها وهؤلاء الحاخامات يتقاضون رواتبهم من خزينة الدولة ومن ميزانية وزارة الأديان.
لكن إذا كانت «لهافا» ليست جمعية مسجلة ولا قانونية، فإلى أين تذهب التبرعات؟
كذلك ينشط غوفشطاين في ثلاث جمعيات  تعمل لبناء الهيكل المزعوم ومحاربة المهاجرين والمتسللين الأفارقة  منها جمعية «حيمْلا (أي الرأفة)».
وكانت صحيفة «هآرتس» قد نشرت تقريرا، في عام 2011، جاء فيه أن جمعية «حيملا» تنشط سوية مع «لهافا» في محاربة «الانصهار»، وأن تمويل هذه الأنشطة يأتي من وزارة الرفاه التي تخصص ميزانية سنوية لجمعية «حيملا».
وتبين من تحقيق القناة الثانية أن جمعية «الصندوق من أجل إنقاذ شعب إسرائيل» هي الجهة الرسمية التي تقف وراء «لهافا»، وأن شيكات التبرعات التي يجمعها غوفشطاين تدخل إلى حساب هذه الجمعية.
وعقب غيلون على ذلك بالقول «هذا تناقض»، متسائلا ان رئيس الحكومة ورئيس الدولة (رؤوفين ريفلين) تحدثا عن زفاف الزوجين منصور (نددا بمظاهرة «لهافا»). فماذا نتج عن ذلك إذا كانت المنظمة تحصل على تمويل عن طريق جمعيات؟».
واعتبر أن «هذا إخفاق. وعندما لا يفعلون شيئا ولا يعالجون أمر هذه الظواهر فيما لا تزال في مهدها، يقتل رئيس حكومة بعد ذلك (رئيس حكومة إسرائيل الأسبق، إسحاق رابين، الذي قتل على يدي متطرف يهودي خلال ولاية غيلون في رئاسة الشاباك». لقد مات الحاخام كهانا لكن عقيدته ما زالت حية وموجودة وثمة من يواصل غرس هذه العقيدة وتكريسها.

زواج سعيد

ترجح مصادر فلسطينية في الداخل أن هناك بضعة مئات من العرب الذين تزوجوا من يهوديات والفنان حنا عيدي من بلدة البقيعة في الجليل سابقا أحد هؤلاء الذين لم يزعزع الصراع عشه الأسري وزوجته الأمريكية اليهودية.
حنا المقيم في الولايات المتحدة اليوم يمكث في البلاد لدى أهله في البقيعة لعدة أيام لاستكمال إنجاز مسرحية سيقدمها في حيفا باللغة العبرية هذا الأسبوع بعنوان «عامل السبت» وهي لحد كبير انعكاس لسيرته الذاتية فهو متزوج من كارين، طبيبة يهودية، تعرف عليها أثناء دراسته في جامعة حيفا وبمعنى آخر تعرفا على بعضهما البعض وهما ينتظران الرئيس المصري أنور السادات في زيارته «التاريخية» لحيفا.
ويبدو أن حياته في سياتل في الولايات المتحدة حيث مشاهد طبيعية خضراء تجري دون توترات ثقافية أو دينية خففت عليه وزوجته تجربة الزواج المختلط. ففي بيتهما لا يحتفلان بعيد الميلاد أو بعيد الأنوار اليهودي.
ومع ذلك لا يخفي الحقيقة وهي أن الصراع بين العرب واليهود يتنازعه ويأكله من داخله ولا يهدىء باله، ومما يزيد الطين بلة الغربة، فرغم مرور سنوات طويلة على مكوثه في بلاد العم سام لم تتبدد مشاعر الإغتراب داخله والحنين للاحتكاك مع المجتمع يكويه. «هناك أقيم بجانب غابة وتمر عدة شهور قبل ان أرى بشرا « يقول ويتابع أنه أمريكي بجواز السفر فقط لكن قلبه وأفكاره ما زالت في بلاده مسقط رأسه.
ولد حنا في البقيعة عام 1965 لوالدين شيوعيين يؤمنان بالعلم ونزولا عند رغبتهما درس العمل الاجتماعي في جامعة حيفا لكن قلبه كان في المسرح الذي استهواه منذ طفولته.
في حيفا تعرف على زوجته وقررا الزواج بعدما ربطتهما قصة حب ورغم معرفته تحفظ والده على الفكرة «ليس لأن الزواج مختلط بل لأنها أمريكية وخشي أن أهاجر معها لما وراء المحيط لكنني كنت شابا في مقتبل العمري ولم أكترث لشيء».
ويقول إن هويته الفلسطينية تبلورت في الولايات المتحدة بعد مراجعة دفاتر تاريخ شعبه لافتا إلى أن نقطة التحول من هذه الناحية كانت عن توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 يوم تنبه لخلو الإتفاق من أي حل لمشكلة اللاجئين. ولذا يشكو ابتعاد قطاع من سكان قريته عن هويتهم الفلسطينية حينما كان يزور البلاد وفي المقابل يشكو ابتعاد معارفه اليهود عنه فهم لم يعجبهم إبرازه لهويته الفلسطينية وكانوا يفضلونه «هادئا وبلا هوية». أما زوجته فتحاول التخفيف عنه بانتشاله من موضعه قبالة التلفزيون داخل بيته في الولايات المتحدة ليتابع يوميا أنباء الصراع في البلاد. ويتابع بمرارة «طالما وعدت أولادي بالعودة للبلاد بعدما يعم السلام وعندئذ لن يروا جدرانا أو حدودا وقد رافقني أحد أبنائي في زيارة للقدس ورام الله وشاهد كيف يتصرف الجنود الإسرائيليين على الحاجز صاح بي : هل هذا هو السلام الذي حلمت به؟».
ومع ذلك لم يبرح حنا أحلامه ويعتقد أن الفلسطينيين والإسرائيليين يجمعهم مصير مشترك ولذا فهو يعالج الصراع في أعماله المسرحية ويعتبرها كفيلة بالتغيير. أما أولاده فلم ينـــتظروا تحقق السلام فعادوا قبله ويعمل ابنه معلما للإنكليزية في مدينة كرمئيل بالجليل وابنته راقصة ستقيم قريبا في كيبوتز «جعتون» في الجليل.

وديع عواودة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية