لها أسباب معرفية وعودة إلى جذور التفكير: ما الذي يدعوك لإعادة قراءة كتاب ما أكثر من مرَّة؟

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: مع كل حفنة من السنوات يعلق في ذاكرتنا كتاب قرأناه ذات يوم، فنبحث عنه لنعيد قراءته مرة أو أكثر، على الرغم من زحمة الكتب والإصدارات الجديدة التي تملأ مكتباتنا كل يوم.
النصوص المؤسسة لثقافتنا نحتاج لقراءتها أكثر من مرَّة، لأسباب كثيرة، منها أننا بحاجة لتنشيط الذاكرة وفهم ما الذي جعلنا نسير في هذا الاتجاه من القراءات دون غيره، ومن ثمَّ، كيف أُنتجت هذه النصوص وطبيعة تأليفها والأنساق التي شكَّلت بنيتها لتجعلنا نعود إليها مع كل تحول نمرّ به.. وهنا لا بدَّ أن نطرح تساؤلاً دائماً ما يشغلنا: الذي تمثله لنا القراءة الثانية لكتاب ما؟ وما الذي يدعونا لإعادة قراءة كتاب دون آخر على الرغم من المستجدات اليومية في عالم الكتب؟

تشكل الوعي الأول

القاص والروائي محمد خضير يتحدث من وجهة نظر كاتب يحاول تشكيل وعيه في كتابة نص حول هذه العملية من خلال ثلاث فرضيات أولية، الأولى: مثالها تلميذ مدرسة يجبره معلّمه على إعادة قراءة نص من كتاب لا تطاوعه نفسه على استذواقه، فينتهي به الخضوع للأمر المفروض إلى تصديق تجربة الحفر في الصخر، التي ينطوي عليها المثل العربي عن التعلم والبحث المستمر دونما نهاية، عندما يكبر ويجبر نفسه على إعادة قراءة نص المدرسة الأول بلا إخضاع من أحد. ولا يبدو على القارئ المدرسي أنه سيدرك غاية إعادة قراءة نص آخر في كهولته، أكثر من الغاية التي أجبره معلّمه على إدراكها في صباه. الفرضية الثانية: مثالها سجين في كهف منقطع، يسقط من كوّة فيه شعاع الشمس في وقت محدد من النهار، على كتابة محفورة على الجدار، ينتبه لها السجين ويحاول فكّ رموزها قبل انسحاب الشعاع واشتداد ظلمة الكهف. ويوماً بعد يوم، يكتشف السجين معنى رموز الكتابة التي تخفي طريقة للفرار من سجن الكهف، لكن السجين الذي اعتاد انتظار سقوط شعاع الشمس على كتابة الجدار سنين طوالاً، يزهد في الحرية ويختار مجاورة سطر الكتابة المشفرة. أما الفرضية الثالثة: فتتعلق بالكاتب نفسه، الذي تأخذه نوستالجيا تشكيل وعيه إلى إعادة قراءة قصة كافكا (الطبيب الريفي) ليضع عند كل قراءة خطاً تحت عبارة من عباراتها، ويعمق ظلال المعنى حول جزء مختار من أجزائها، حتى تحيله القراءة النوستالجية إلى تخطيط عبارات القصة كلها. وعندما تكمل دورة القراءة باتصال الخطوط بعضها ببعض، تنطبق ظلال النص على وعيه، وتسد ظلمتها منافذ القراءة المتشكلة على مراحل طويلة.
ويضيف خضير: حين يطبق قارئ ما الفرضيات السابقة على مراحل تشكّل وعيه، فقد يتساءل مع جموع القراء عمّا يدعونا إلى إعادة قراءة كتاب، أو نص من كتاب، أمن أجل التعلّم، أم الاعتياد، أم الحنين؟

قراءة نسق

ويرى الكاتب الدكتور لؤي حمزة عباس أنه إذا كانت القراءة الأولى مرحلة تعرّف واكتشاف، فإن القراءة الثانية تجربة تأمل ومراجعة في ما منحتنا إياه القراءة الأولى من متعة قوامها صلة أولى مع الكتاب، لذلك تتوجه مؤشرات القراءة الثانية للقارئ نفسه وهي تعمل على بلورة أسئلته بصدد ما قرأ وما يقرأ، إذ يتراجع دور المؤلف نوعاً ما وتبدو لعبته أكثر وضوحاً، يتوارى السحر شيئاً وتتراجع متعة الصلة الأولى بما تحتويه من دهشة واكتشاف لتُقترح رحلة جديدة مع الكتاب يمكن للقارئ خلالها اكتشاف نفسه بوصفه قارئاً جديداً ينتمي لزمن جديد، إنك لا تنزل لنهر القراءة مرتين.
مضيفاً: مع القراءة الثانية غالباً ما أتوقف عند ملاحظات القراءة الأولى المدوّنة على الهوامش، متسائلاً عن طبيعة القارئ الذي كنته وقد ترك آثار رحلته مع الكتاب. أذهب للقراءة الثانية في أحيان كثيرة لأرى القارئ الذي كنته، وأراقب وعيه وعلامات صلته بالكتاب.
ويبين عباس أن القراءة الثانية قراءة نسق، كما يسميها النقد، ففيها تتكشف طبيعة التأليف، خصائصه وأنظمة بنائه، وإذا كانت القراءة الأولى ابنة القلب الحرّة فإن الثانية وليدة العقل الباحث عن سبل الخلق وسمات الابتكار. «يحدث أحياناً أن تكون القراءة الثانية صعبة أو مستحيلة التحقق، كما حدث معي في محاولة إعادة قراءة رفائيل البرتي أو البرتو مانغويل أو غابريل غارسيا ماركيز، لا لشيء سوى فاعلية القراءة الأولى وقوة حضورها التي بقيت لغة الكاتب ماثلة في ذهني حتى بعد انتهاء القراءة، مثلما بقيت دهشة عوالمه». فالقراءة الأولى هي القراءة الأم التي توطد حضورها مع كلِّ محاولة لتجديد القراءة. ثمة حقول إبداع تحافظ على جلاء القراءة الأولى، وهي الحقول التي أسهمت إلى حد بعيد في بناء وعينا وتوجيه معارفنا، القراءة التي لا تني تحافظ على نفسها حية مؤثرة مهما امتد بنا الزمن وتغيرت من حولنا الحياة.

رغبة دائمة

في حين يجد الكاتب والصحافي علي حسين نفسه؛ في كل يوم، أمام رغبة عارمة في قراءة كتاب سبق أن اطلع عليه قبل سنوات، وأحياناً يعيد قراءة بعض الكتب أكثر من مرة.. ويوضح حسين أن هناك أسباباً عدة، غير أن أبرزها هو الرغبة في استعادة عوالم سبق أن عاشها حسين مع الكتاب.. فهناك كتب نعيد قراءتها طلباً للمتعة، والبعض الآخر طمعاً في المزيد من المعارف، منها ما نمرُّ عليها أكثر، ومنها ما تمتلئ صفحاتها ببصمات الأصابع إعجاباً ومراجعة. بالتأكيد ليست كل الكتب تقرأ مرة ثانية، حتى لو رغبنا في ذلك، لكن رغم أن الوقت غير متاح بالمضي في قراءة بعض الكتب مرة ثانية تظل الرغبة موجودة لدى الكثير لاستعادة طعم وحلاوة بعض الكتب، «أنا مثلاً أجد نفسي مشدوداً دئماً إلى أعمال ستاندال، وأسعى لإعادة قراءة ويتمان أكثر من مرة، وتسحرني جمهورية أفلاطون مع كل مرة أعيد بعضا من مقاطعها».
ويشير حسين إلى أن ثمة كتباً لا تقدم لنا نفسها في المرة الأولى، ونجد أنفسنا كأننا اكتشفناها في القراءة الثانية. كتب كافكا عام 1904 إلى صديقه أوسكار بولاك: «أنا أظن أنه على المرء ألّا يقرأ إلا تلك الكتب التي تعضّه وتخضه مرة واحدة فقط، وإذا كان الكتاب الذي قرأه لا يوقظنا بخبطةٍ على جمجمتنا فلماذا نعيد قراءته إذًا؟ كي يجعلنا سعداء كما كتبتَ؟ والكتب التي تجعلنا سعداء يمكن عند الحاجة إليّها أن نكتبها. إننا نحتاج إلى الكتب التي تنزل عليّنا كالبليّة التي تؤلمنا، كموت مَن نحبّه أكثر مما نحب أنفسنا، التي تجعلنا نشعر كأننا قد طُرِدنا إلى الغابات بعيدًا عن الناس».

مرآة الذات

«أقرأ: لأنني كينونة جائعة.. أقرأ: لأنني ذات تنصت.. أقرأ: لأنني حمال أوجه»، هكذا يفتتح الشاعر الدكتور قيس ياسين حديثه معنا، فالقراءة لديه أخطر النشاطات الإنسانية، وأول المهن ممارسة إبداعية مغايرة لفعل الطبيعة، أليس فعل آدم وشروعهِ في ارتكاب المعصية فعل قراءة مغاير ومضاد لما سنّه الرب له في فردوسه؟ أليس خطيئته وأثمه فعل ونشاط قرائي باتجاه اكتشاف الذات والجسد والعالم؟ أليس كلمة (أقرأ) تعد كلمة مفتاحية في بعض الكتب المقدسة والأديان تشير إلى بدء التغيرات الجذرية؟ أليست القراءة تمثلاً للعالم وصورته من حولنا، في حركته وجدليته، ونحن نتابع مجرياته في عيون وأحشاء ونفس ودم ورح قارئة؟ أليس تفاعلنا مع العالم وإشاراته العديدة فعل ونشاط قراءة بامتياز إنساني؟ ويضيف: هكذا نطل على العالم بعيون وجسد وروح قارئة، خلال طفولتنا: مناغاة وثغثغة وإشارات عجماء تريد أن تقول وتفصح..، إذاً، الطفولة هي القارئ الماهر الأول على أعتاب العالم، تغوص قي تفاصيل العالم والناس والعلاقات والإشارات والطبيعة. حتى إذا ما امتلكت الأدوات والوسائل والتقنيات، بدأت الشروع بقراءاتها الحرة- الذاتية تتحرى هنا وهناك، لتحرر فينا القراءات الصامتة والمكبوتة في تواز مغاير عن قراءة المجتمع وشروطه وسياقاته. ويكشف ياسين أن تعدد مقاصد فعل ونشاط القراءة يتعدد وفق حاجات القراء، وأهدافهم ومراميهم ومصالحهم وغاياتهم الذاتية والاجتماعية، بعضها يمارس تحت قوانين المجتمع ومعاييره (مؤسسات، تعليمية، مهنية، وظيفة…الخ)، وبعضها أنشطة حرة ذاتية وشخصية (لعب، لذة، متعة، اكتشاف، فضول، تفكير، تفلسف،…الخ)، ولا تخلو من غايات وأهداف ومقاصد جليلة الشأن. «إذاً، ما الذي يجعلني كذات قارئة، أعود مرة تلو الأخرى لكتاب بعينه؟ ما الذي يدفعني من وراء ظهري، ربما إغراء منقوص لم يكتمل بعد، ربما فجوة اتسعت في الذات حالما أنهيت الكتاب للمرة الأولى، ربما تأويل وتأويل مغاير ومضاد لم يجد التفسير الملائم الذي يرضيه، ربما جوع معرفي وفضول استكشافي، ربما لذة أو متعة لم ترتو بعد، ربما الدال الأول الهارب في سلسلة الدوال، ونرغب في القبض على عنقه… أما بخصوص مساحة المتاح والمسموح والمتوفر للقراء، ربما يبعثر لديهم الخيارات، وفي أحيان أخرى، يفقدهم أصالة نشاطهم الحر والذاتي، لأن القراءة نشاط وفعل التغيرات في أفعال ومواقف الإنسان والمجتمعات، وهنا يجب التحكم بخيوط فعل القراءة، وتوجيه البوصلة نحو مقاصد وغايات، ذاتية، اجتماعية..الخ. كي لا يكون فعل القراءة نشاطاً اعتباطياً بلا هدف. «إذاً، فعل القراءة (حمال أوجه) وما يهمني هنا القراءة الذاتية- الشخصية، إنها المرآة التي يرى كل إنسان كذات قارئة صورة ذاته بكل أحلامها وطموحاتها وخيباتها ومصيرها.. يرى تلك الصورة منطبعة فيها ومنعكسة عليها». ربما تمثل بعض الكتب واختياراتها ومعاودة قراءتها في المحصلة الأخيرة وفق هذا المنظور; مرآة الذات الكاملة التي تشظت بفعل تدخل المجتمع ومعاييره وقوانينه، لهذا تحاول الذات من خلال فعل القراءة ونشاطها الحر لملمة جزء من هذا الكتاب وذاك لتكمل النقص في كمال صورة الذات المتشظية في مؤسسات المجتمع.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية