شمال السودان -«القدس العربي»: وصلنا الجزائر أخيرا، بصوت أجش يباغتنا فجأة رفيقنا عماد الشيخ، وهو يقطع لحظة صمتنا التي فرضتها علينا رهبة المكان ونحن مندمجين مع سحر الطبيعة التي نكتشفها في هذا الامتداد القصي، على متن قارب متهالك عبر بنا بسلام مجموعة من الجزر تحيطها مياه النيل من سبع جهات. على ضفاف منطقة نوري الوادعة، التي لا تبعد سوى 400 كلم عن شمال العاصمة السودانية الخرطوم، ننزل بهدوء من المركب البسيط الذي يعتبر وسيلة النقل الوحيدة المتاحة، ونقطة الاتصال مع العالم الخارجي إلى هذا الإقليم الفريد. كل شيء هنا مختلف ومغاير عما سواه، والحياة تتشكل بأبعاد أخرى، وسياقها مغاير عن محطيها القريب كما البعيد. نصف ساعة زمن كانت كافية لتنقلنا إلى هذه اليابسة التي تسبح على امتدادات أنهر متداخلة كأنها متاهة لعبة إلكترونية، وتخترقها المياه من كل جانب. الوصول إلى هذه الناحية ليس متاحا إلا برخصة من أهلها، وبمركب ينطلق من أرضهم نحو الضفة الثانية، من دون محطة ثابتة، أو خطوط دائمة بميقات محدد.
خارج سياق التاريخ
الجزائر السودانية، لا يزال سكانها يعيشون في زمنهم الخاص، مكتفون ذاتيا في أكلهم وشربهم، وفي تلبية حاجياتهم الأساسية، ويديرون شؤونهم بيسر وبتقشف من يستغل بحكمة إمكاناته المحدودة. بعيدا عن السلطة المركزية يستقلون بقرارهم، ولا تربطهم بالعاصمة علاقات وثيقة، مثلما لا يرغب الضالعون منهم على قلتهم في أمرها أن تبسط نفوذها على مملكتهم الهادئة. لم تفلح محاولات صديقي الزول، أبو خالد البريطاني ذي الأصول السودانية ــ الذي زرت المنطقة برفقته في رحلة البحث عن جذوره ــ العثور على اسم هذه النقطة المغمورة، في الشبكة العنكبوتية. لا يكاد المكان يظهر على أي خريطة، ولا يشكل رابطا لموضوع في شبكة الانترنت، ونادرا ما يمنح نتيجة لأي سائل عنها في محركات البحث. كنا في لهفة لمقابلة شيخ الجزائر، الذي وجدناه في استقبالنا على مدخل القرية، بعد مشقة صعود مدرجات ترابية خطرة وتنزلق مرات بسبب رطوبة الأرض. بابتسامة من خبر الحياة، وذاق كل ويلاتها، واستساغ مسراتها، يستقبلنا شيخ طاعن في السن، بهدوء غامض صعب ينم عن كياسة وترف التجربة. لم تمنع مضيفنا سنوات عمره التي يجرها بثقة في جلبابه الأبيض الذي تعلوه أتربة حقله الذي لا يزال يسهر عليه مثل أحد أبنائه، من أن يحافظ على روحه الطيبة، حفاظه على صحته من أي علة تسببها أمراض العصر التي لا تجد إلى هنا بيسر طريقها. وعلى امتداد المسافة حتى بيت الحاكم، من نقطة العبور إلى النهر، يروي لنا محدثنا بشغف دفعة واحدة أدق التفاصيل عن أرضهم، بثقة قائد لم تفسد السلطة المطلقة التي يتمتع بها طبعه. وبعفوية وبراءة طفل صغير، كان يصدر تعليمات سريعة هي إلى الهمس أقرب، يلتقطها من يفسر لغزا، شباب في مقتبل العمل يؤدون بسرعة مهمة، أو ينجزون عمل كلفوا به، راضين مرتاحين، في تناغم وتآلف بين القائد والمرؤوس.
« حكم ذاتي مطلق وأمر واقع «
موافقات الزواج، وعقد القران، وفصل في المنازعات بمختلف مستوياتها، ولا مكان للقضاء الإداري في فض أي خلاف، وكل الإشكالات الظرفية تحل بقرار، يخبرنا الشيخ محمد ــ الذي يبدو مثل حاكم عام يتمتع بسلطات معنوية مطلقة ـ عن سير الأمور هنا وعن تنفيذ القرارات، بما يؤهله لتبؤ هذه المكانة عن جدارة دون منازع. ويؤكد أنه كثيرا ما يشرك مستشاريه من كبار السن والموثوق في رأيهم في تسيير الشؤون وأمرهم بينهم بالشورى، ولا مجال للمناكفة وللمماحكة وللمنافسة. كل شيء يتم شفهيا ومن دون أوراق أو دمغة رسمية، وبكلمة فقط تنطلق بلهجة تختلف كثيرا عن حديث السودانيين مع ياء تختم كلامهم، تتخذ جل القرارات وتنفذ. الجزائر والتي يسميها تارة سكانها «ترج» مكتوبة على لوحة بخط باهت ترحب بزوارها، وعشرات الأسر تعيش بنظام اشتراكي محض أثبت بواقع الحال نجاحا، لم يتحقق في أزهى عهود الاتحاد السوفياتي إشراقا. الناس جميعا تتشايع الأرض، وما عليها، وما في جوفها، وما تخزّنه من ثروات، وما في أرحام ما عليها من دواب وأنعام. كل من عليها مستقر ومتآلف، ما عدا مياه النيل الذي يهتاج مرات ويطمر أجزاء من أرضهم وتباغتهم مرات فيضاناته لتذكرهم بجبروتها.
حياة عذرية
جولتنا في أرجاء هذه الواحة الغناء مع تردي أوضاعها وتواضع ما عليها من مبان وافتقادها لتسهيلات حياتنا العصرية، كانت متزامنة مع انتهاء الفصل الدراسي. مرت بجنبنا على استحياء شديد قل نظيره، بنات برداء أبيض فضفاض تحول لونه بأشعة الشمس، يغطي أجسادهن النحيلة، ويركضن بسرعة الملهوف للوصول إلى بيوتهن. إنه وقت التهام وجبة إفطارهن بعد ساعات من القراءة والحساب، يهمس في أذننا عادل الذي قاد مركبنا، ويشير إلى أن متعهن هنا قليلة، وتدور يومياتهن بين ذلك الفصل، ومنازلهن لمساعدة أمهاتهن. كانت الفرحة تفيض من على وجوههن البسيطة والبريئة، وهن أبعد ما يكن عن لهو الأخريات في مناطق عدة، ولم تعتب مباهج المدنيّة الغربيّة درب أرضهن. الأولاد والصبيان وجدناهم مستمتعين بألعابهم الشعبية التقليدية المتوارثة عن آبائهم، يقذفون بحجارة على جدوع النخيل المجوفة في لعبة تشبه (البولينغ) ولا دراية لهم بالعوالم الافتراضية المسيطرة على عقول أطفال الشبكات الإلكترونية والفضاءات الوهمية. يتآلف إنسان الجزر العذراء مع بيئته إلى حدود تصالحه مع نفسه، نتحدث أنا وزميلي محمد أثناء مشاهدتنا لأشجار النخيل الباسقة المتوازية في خطوط دقيقة، والتي تشكل مصدر الدخل الأساسي لسكان الجزائر. يعتمد هذا الشعب المكافح على ذات الأكمام، كثيرا في تأمين قوت حول كامل بتخزينها وبيعها لجيرانهم ومقايضتها بحاجياتهم الأخرى من بنزين ومواد استهلاكية محدودة ومعلومة بمقدار محدد يفي الغرض من دون إسراف.
اكتفاء ذاتي
وعيش على الكفاف والعفاف
يشير الشيخ محمد ونحن نعبر من أمام حقول مترامية تسقى بشكل تقليدي عبر قناة مياه تغذيها تدفقات النيل إلى أن السكان مرتبطون هنا بهذه الأشجار التي تعد نعمتهم الحيوية في الحياة ولهم فيها مآرب كثيرة، لا تقف عند حدود رطبها وبلحها وتمرها. وتستخدم جذوعها في البناء وسعفها في السقوف، ومنها تتنج النسوة حصائر للجلوس، وتغزل أناملهن سِلال لحمل الأغراض وغيرها. وتلطف أشجار النخيل الباسقة الجو وتمنح هؤلاء السكان ظلا يقيهم حر الشمس على مدار السنة وهي سد منيع أمام العواصف التي تهب في مواسم الأمطار.
سيول النيل تعلو الجبل
عند وصول إلى مقر الحاكم بأمر الواقع، لم نتفاجأ كثيرا لبساطة المكان الذي هو أقرب إلى كوخ فلاحين في أي مزرعة في مكان ما. بيت أقرب إلى الزهد منه إلى البساطة، وبمساحة تملأ العين في رمشة واحدة، وسط حقل منبسط شيّد بمواد بناء محلية، هي الطين في عمومها، متوائم مع الطبيعة المحلية بسقف منخفض يفتقر لأي زخرفة. فسح لنا مكان في صدارة المجلس، بجانب الشيخ الذي كان خبرُ استقباله لضيوف من الخارج سبق وصولنا، فكان أعيان يحركون يمنة ويسرة مروحة من سعف النخيل ينشون بها الذباب، وشباب من مختلف الأعمار جالسين القرفصاء في انتظار زعيمهم، تتوسط المجلس، طاولة شاي أعدت بسرعة. سلم الرجل على الجميع بحركة يده وابتسامة تغلفها ضحكة أب يطمئن بها أبنائه يرسلها للجمع ويبادلونها بمحبة تحية أفضل منها. الشيخ محمد يتحدث بسرعة وبثقة نفس كبيرة، يروي قصصا، وكأنه يسارع الزمن ليقول كل ما لديه ويخبر العالم عن مدينتهم، وحالها، وأهله، وقلة يدهم، ورضاهم عن هذا القدر. جزر اختفت عن أعين حكام السودان وغابت عن بالهم، وربما لد يدروا عنها، ولم يلتفتوا لها كثيرا ولم يستثمروا فيها قدرا يوازي النزر اليسير لما يخصص للمركز ولما يحيط به من ولايات وأهلها يتدبرون أمرهم بما أتيح لهم من نعم الطبيعة وما قدر لهم من إمكانيات، كانت ملاحظة ارتسمت في أذهاننا من دون حاجة لسماعها من أفواههم. يؤكد الشيخ أن العلاقة مع المركز تنعدم معظم الفترات، وتكون في حدود دنيا، في مناسبات تعد بحسب عدد كؤوس الشاي التي كانت أمامنا، مشيرا بيده إليها، والحال يكشف لنا، أنهم في قرارة نفسهم، يتمنون أن تظل العلاقة على هذا النحو، ليحافظوا على نسق حياتهم الهادئ بعيدا عن أية منغصات.
يمازحنا الرجل موجها كلامه إلينا وملتفتا إلى شاب أربعيني كان يقدم لنا الشاي لو سألته الآن من يحكم السودان، لقال لنا النميري مباشرة، ولم يكن سمع بالمشير البشير، ولا من معه ولا من سبقه. يضيف الزعيم أن سكانه لا يحتاجون كثيرا للضفة الأخرى، ولا ينتقل إليها إلا طلبة المدارس ممن حالفه حظ مواصلة تعليمه، أو في حالات الاستشفاء المعقدة للانتقال إلى العناية، بينما الحالات البسيطة فتعالج بشكل بدائي بما تيسر من أعشاب.
تأريخ أحداث الجزائر بفيضانات النيل
الشيخ محمد كان يتحدث عن الجزائر ويؤرخ للسنوات، مستشهدا بأعوام الفيضان، متذكرا، سنة 1946 التي لاتزال ذكراها وهو صبي، ماثلة أمامه حينما علت المياه كل مكان، واضطر مع أهل قريته الاستنجاد بأعلى مرتفع، يقيهم السيول الجارفة. تمضي أربعون سنة يضيف محدثنا، «ففاجأتنا سيول أخرى عام 1988». كان يومها هو المسؤول، معتبرا تلك الذكرى الأسوء في تاريخه، فالمياه جرفت أراضي الجزر، وسحبت معها الغلة، ونفقت بارتفاعها، الأنعام. لم يجد الناس وقتها، ما يأكلونه، سوى القليل المخزن من التمر، وهم يبيتون في العراء، أياما وليالي، ولم ينزلوا من الجبل الذي وصلت المياه أسفله، حتى انخفض منسوب البحر مثلما يسمون النيل.
السيول والفيضانات نعمة
تحدث شيخ يبدو أنه نائب القائد، كان قريبا منه، عن السيول التي اعتبرها على الرغم من الآثار السيئة التي تخلفها أينما مرت، خيرا وبركة ولها فوائد، ولا يفترض بساكني مجرى النيل التذمر منها أو التطير بها. الفيضانات تجدد شباب الأرض، يضيف ليشرح وجهة نظره، حينما لاحظ تلك الدهشة المرتسمة على وجوهنا من هذه النتيجة التي يصعب تقبلها. ويؤكد أن «الأمطار نعمة، لأن السماء إذا مسكت وجافت المنطقة، فستفور الأرض وتشح الغيوم وترتفع درجات الحرارة، من دون غيث يسقي الزرع، ويغذي النهر مصدر رزق الناس، فيعم الجفاف ويغزو التصحر الأقاليم، ناشرا حوله مجاعة ونقصا في الأموال واضطرابات وهجرات تسبب فوضى عارمة».
زوجة وأرض للتمليك
الزمن كان يسير في هذه الأرض البسيطة الخالية من بهرجة مزيفة في مدننا التي نعيشها، يسير بلطف، لا هو بالراكض بإيقاع المدن الضبابية بهوسها، ولا بالبطئ بوقع البوادي والفلاة الساكنة. للوقت هنا نغمة تضبطها أصوات الطبيعة، على وتر نفوس تسكن الأرض بتصالحها مع نفسها، وتعايشها معها في تناغم شديد. زميلي محمد الذي ألف المكان وشعر بانتمائه له، بعيدا عن ضباب لندن التي يعيش فيها، سأل الحاكم بأمره مثلما يصفه، عن إمكانية شراء قطعة أرض هنا ليشيد عليها بيتا بسيطا يغذي فيه روحه كلما احتاج لرصيد من الهدوء والطمأنينة. بضحكته التي لم تختف لحظة أثناء حديثه، يخبره الشيخ محمد أن الملكية هنا ممنوعة من خارج السكان الأصليين ودائرة الأقارب. هناك حل وحيد لتلبية طلبه يكشف له بسرعة، بما أنه ضيف غالي وعزيز، أن يتزوج إحدى البنات فيكون من الأهل فيحق له الحصول على مراده. ويردف مضيفنا: «وأنا من سأزوجك بكلمة مني، وبحضور شاهدين من رفقائك، ولن تحتاج لورقة، أو عقد، أو وثيقة، فكل شيئ هنا يتم بيننا بالكلمة ومن دون ختم، والزفاف سيكون بسيطا بحفلة على أنغام موسيقانا التراثية.
آلة الطنبور الوترية وشجن الألحان
لم يكد يختم حاكم الجزائر حديثه، تاركا المجال لمحمد الزول ليفكر في عرض ملكية الأرض، والزواج، حتى طلب من أحد الشباب أن يعزف لنا مقطوعة بآلة الطنبور الوترية، التي تعد إرثا راسخا في شمال السودان، تنقل السكان من عالمهم، نحو فضاءات السكينة، تنسيهم جفاف الأرض المحيطة بهم، وهم المتجمعين حولها على ضفاف النيل، المتنفس الوحيد في هذه المنطقة التي تكون قاحلة على بعد كلومترات من هذا البحر الذي يعد نبع السعادة لسكانه.
على إيقاع أغنية للفنان الشمالي محمد المصري، كان عماد يعزف بآلته المذهلة، ألحانا متفاوتة المزاج، تنتقل من الحزن والأسى، إلى الفرح والأمل، وما بينهما سعادة وغبطة، تعكس يوميات سكان الجزائر، اليابسة التي تعيش إيقاعا يختلف عما حولها، بين سبع أنهر تحيطها من كل جانب. بين الوصلة والأخرى كانت نسمات الأصيل تداعب أجسادنا، وتغازل أشعة الشمس، لتحجبها، فاسحة الأفق للقمر، لينير هذا الفضاء الساحر، وهو يجذب بنا نحوه بطاقته، لنتطهر من رطوبة المظاهر المدنية الواهية، التي يجرفها النيل إلى جوفه. وفي لحظة صفاء همست في أذن الزول، لو كانت هذه الأرض في بلد آخر، لوجدتَ اسمها مرادفا للجنة، ولن تحتاج للبحث عنها من دون أثر في المواقع، لأن سيرتها ستكون على كل لسان، ويحج إليها كل من يفتش عن الأنس في رحاب الطبيعة العذراء.
سليمان حاج إبراهيم