لهذه الأسباب شكرا للقائمة المشتركة

حجم الخط
0

يبدو لي أنه لا يوجد كاتب أو كاتبة في صفحات الرأي في «هآرتس» تماثل مواقفه المدنية ووظيفته العامة، مثلما أتماثل مع عبد ل. عزب ومواقفه، حيث أن انتقاده الحاد للمجتمع العربي في إسرائيل أقرأه بداية كمن هو نفسه غير مستعد للتسليم بالأمراض الداخلية للمجموعات التي ينتمي إليها ـ إسرائيليون يهود وقادمون من الاتحاد السوفييتي في إسرائيل. ولكن برغم هذا التماثل الأساسي، إلا أنني لا أوافق دائما على مضمون انتقاده للسياسة العربية في إسرائيل.
في مقاله الأخير «زعبي للإخراج» («هآرتس»، 24/1) هاجم عزب بشدة أعضاء الكنيست العرب من القائمة المشتركة، لأنهم في بداية خطاب نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس في الكنيست، قاموا برفع لافتات بالعربية كتب عليها «القدس عاصمة فلسطين»، وهذا عمل تم إخراجهم بسببه من قاعة الكنيست.
إن تحفظ عزب من التحدي التظاهري لأعضاء الكنيست العرب ضدَّ نائب دفن فكرة الدولة الفلسطينية، يتعلق بعدم رضا عدد من المواطنين العرب من التدخل الزائد للقائمة المشتركة في الموضوع الفلسطيني ـ هذا التدخل، كما يبدو، يأتي على حساب مصالح العرب من مواطني إسرائيل. حسب هذا الموقف، على أعضاء الكنيست العرب التركيز في نضالات من شأنها أن تخدم بشكل مباشر الاحتياجات اليومية للسكان العرب في إسرائيل، والإسهام بشكل ملموس في استئصال التمييز المستمر ضدهم ـ حيث أن النضال من أجل إقامة الدولة الفلسطينية في حدود 1967 إلى جانب دولة إسرائيل ليس له علاقة كما يبدو بهذا النوع من النضال.
هذا الرأي يقوم على الافتراض بأنه يمكن إدارة معركة ناجعة من أجل تحقيق المساواة المدينية الكاملة للأقلية العربية في إسرائيل من دون صلة بالنضال ضد نظام الحكم الإسرائيلي، المباشر وغير المباشر، في المناطق المحتلة والمحاصرة لفلسطين. ولكن هذا الافتراض خطأ من أساسه. لأن مشروع الاستيطان القومي المسيحاني، الذي يرتكز على الفكرة العنصرية بشأن التفوق المقدس والثابت لحقوق اليهود في المنطقة بين النَّهَر والبحر، يعتبر المصدر الأول لتشجيع الهيمنة القومية ـ العرقية المناوئة للعرب داخل دولة إسرائيل.
كل شرعنة لموقع استيطاني غير قانوني في الضفة الغربية ـ الذي كما هو معروف يقام دائما حسب أمر إلهي ـ تعطي بصورة غير مباشرة دعم لتوجهات السلب والقمع لمجمل الحقوق المدنية للعرب الفلسطينيين داخل إسرائيل، وهي توجهات تتغذى في الأساس على المنطق المشوه للعنصرية التلمودية والتوراتية ـ الدينية، التي تعتبر أبناء البلاد العرب الذين يعيشون في الفضاء الشرق أوسطي منذ الأزل كمهاجرين يوجدون هنا بفضل سخاء السيد اليهودي.
في المقابل، اللحظة المتخيلة المأمولة، التي فيها سيتم طرد المجرمين الدوليين الكولونياليين من قلب القدس الفلسطينية بخزي وعار، ومن الأحياء الفلسطينية في شرق القدس ـ ستمثل بداية هزيمة الصهيونية العرقية المركزية اليهودية مهما كانت، وبهذا ستشكل علامة فارقة مهمة في طريق النضال من أجل المساواة بين اليهود والعرب في إسرائيل.
إن الاحتجاج الشجاع لأعضاء الكنيست العرب من القائمة العربية ضد المصادقة الدينية بشأن التفوق القومي ـ الديني اليهودي في القدس، التي أعطيت في الكنيست من قبل الراعين المسيحيين، تشكل مساهمة واضحة، وإن كانت غير مباشرة، في المعركة الإسرائيلية ـ الداخلية ضد التمييز ضد العرب مواطني إسرائيل. أيضا مهما كان الأمر سيبدو متناقضا، فإنه من اجل أن يكون نضال مواطني إسرائيل العرب ـ الفلسطينيين ضد استعباد أبناء شعبهم، نضال ناجع، يجب عليهم أن يتحولوا بقدر الإمكان إلى إسرائيليين.
نفس الدولة التي قامت على أنقاض الشعب الفلسطيني والتي تستمر في سلب أراضيه وسلب حقوق المواطن الأساسية من شرائحه المختلفة، هي نفس الدولة التي تشكل الآن الساحة السياسية الأكثر علاقة بالنسبة لجزء من هذا الشعب في الحرب من اجل حقوقه.
يتبين هنا أن أعضاء الكنيست من القائمة المشتركة يدركون جيدا تعقيد التحدي المديني ـ القومي الذي يواجهونه. وكما أكد رئيس القائمة المشتركة عضو الكنيست أيمن عودة، فإن احتجاج أعضاء الكنيست العرب في الجلسة مثل مجمل مواطني إسرائيل الذين يعارضون استمرار الاحتلال ويأملون السلام.
هذا الموقف الراسخ والمسؤول، الذي يعبر بأمانة عن الالتزام المدني الإسرائيلي للقائمة المشتركة والذي يتعايش بصورة طبيعية ومتناسقة تحت سقف واحد مع الهُوية القومية العربية ـ الفلسطينية لأعضائها، أظهر بشكل واضح المعنى المديني العميق لطردهم من الجلسة: غير صحيح أن الخطوة الحقيرة هذه دلت ليس فقط على الإقصاء الرمزي لمواطني إسرائيل العرب، بل لا يقل عن ذلك، على إقصاء مجمل معارضي الاحتلال الإسرائيليين، اليهود والعرب، من التجمع العرقي ـ القومي الإسرائيلي الجديد، الذي يتم تحديد معايير الانتماء إليه اليوم، للخجل الشديد، من قبل اتباع الكين واتباع اورن حزان واتباع ليبرمان.
في هذه الأيام الظلامية بالنسبة للشعب الفلسطيني والديمقراطية الإسرائيلية في الوقت نفسه، فان ممثلي القائمة المشتركة في الكنيست يواصلون وينجحون في ظروف سياسية غير ممكنة تقريبا في رفع العلمين معا ـ علم القومية الفلسطينية وعلم الإسرائيلية المدينية. وهم بذلك يقفون بصورة حاسمة ضد الضم الاستيطاني ـ المسيحاني والافنغلستي الأمريكي، ويرفضون إدارة الظهر لحل الدولتين لشعبين، وبذلك يخدمون بوضوح المصالح الحيوية للشعبين الموجودين بين النَّهَر والبحر. على كل هذا من الجدير تمجيدهم من دون أي تردد: كل الاحترام للقائمة المشتركة.

هآرتس 31/1/2018

لهذه الأسباب شكرا للقائمة المشتركة

دمتري شومسكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية