يتفاجأ البعض من القراء الكرام عندما تكتب مقالاً أو تدلي بتصريح وقد تضمن تحولاً فكرياً أو تعاطياً مع الأحداث بطريقة مغايرة لما ألفوه من حالة تقليدية ترديدية لا سيِّما في القراءات المعاصرة للنصوص الدينية وذلك يعود لعجلة العلم السائرة والتي لا تقف عند محطة معينة ولطبيعة الحياة المتبدلة والمتغيرة فكيف بوحي السماء الذي ما أُنزل إلاّ أن يرفد قافلة الإنسان المتنوعة بالذخيرة والإمداد شريطة أن لا يكون التغيير والحداثة والمعاصرة للقراءة والفهم على حساب الثوابت والتأصيل .
سوف أورد للقارئ العزيز والمتتبع الكريم بعضاً من النماذج التي أرى تناسبها مع شاهد الحال خصوصاً أن روادها من الذين لا يُشق لهم غِبار سواء ممن كان يؤمن بالتغيير وقد دفع حياته سبيل التفكير والكلمة أم الذي لا يسمح بجريان ينابيع المعرفة وقد عُفي على آرائهِ الدهر بعدما كانت كالوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ٫ فيُقال بأنّ الفيلسوف وعالم المنطق واستاذ الرياضيات والناقد الإجتماعي ( البريطاني ) برتراند راسل ( 1872 – 1970 م ) كان في يومٍ ما يُلقي مُحاضرة عن دوران الأرض حول الشمس في تجمع جماهيري مفتوح ، فقامت إليهِ إمرأة عجوز وقالت له : إن ما تقوله هراء فالأرض ثابتة على ظهر سُلحفاة ! فسألها راسل : والسلحفاة تقف على ماذا ؟ فقالت له وهي تسخر منه ومن تفكيره : أنت ذكي جداً أيها الشاب …. إن الامر كله سلاحف على طول الطريق الى الأسفل!!!.
فمن يستمع الى هكذا قصص وأقوال سواء كانت للسيدة العجوز مع راسل أم غيرها يتصور أنّ هذهِ الثقافة العجائزية قد نسجتها من مخيلتها أو تلقتها من مجتمعها الذي كان يعاني من البساطة والمسكنة إلاّ أنّ هذهِ الأفكار الإجتماعية هي وليدة عن فكر ديني كان رائجاً آنذاك والذي لا يعلو فوق صوته صوت .
النموذج الأول : جوردانو برونو ( 1548 – 1600 م ) وهو فيلسوف إيطالي ولد في روما ، وإعتقد بنظرية دوران الأرض حول الشمس وقام بنشر نظرية كوبرنيكس حول دوران الأرض فسجنتهُ المؤسسة الدينية ( الكنيسة ) آنذاك ، ثم عذبوه شرَّ تعذيب حيث قطعوا لسانه وقتلوه لأنه كان يقول أن الأرض تدور حول الشمس بينما تعتقد الكنيسة سابقاً أن الشمس والكواكب هي التي تدور حول الأرض وليس العكس ومَن يُخالف السلطة الدينية ومقررات المعبد آنذاك فمصيره الموت وبإسم الخالق الرحمن .
النموذج الثاني : جاليلو جاليلي ( 1642 – 1564م ) عالم فلكي وفيلسوف وفيزيائي إيطالي ، كان يُدرّس الرياضيات في جامعة بيزا الإيطالية ، وفي بداية القرن السابع عشر راقب السماء بتلسكوب صنعه بنفسهِ واكتشف أن الارض تدور حول الشمس ، ولكن الكنيسة الكاثوليكية ، اعتبرت هذا القول معارضاً للكتاب المقدس واتهموه بالهرطقة ومنعوه من التدريس ومنعوا كُتبه ووضعوه تحت الإقامة الجبرية حتى قضى نحبه ومات غير مأسوفٍ عليه في ما بينهم ، فكان لا ذنب له ولا جريمة سوى انه خالف الكنيسة ومقرراتها ، ثم بعد 400 سنة تقريباً اعتذرت الكنيسةُ منهُ وبرأتهُ مِن تُهمتهِ الشنيعة ألا وهي دوران الأرض حول الشمس !!! وينبغي التأمل جيداً كيف بقي مُتَهَماً أربعة قرون ويُجلد بسياط الجهل والجاهلين طيلة هذه الفترة وعصرِها المظلم والبائس، فصحيح أنهم برأوه واعتذروا لهُ ولكن بعد خراب البصرة كما يقولون ولم تنفرد الكنيسة المسيحية بذلك بل ربما تكون أحسنَ حالاً نظراً للبعد الزمني فالمشيخة الإسلامية ودار الفتوى والإفتاء قد أنكرت ذلك أيضاً بعدما وصل الإنسان إلى سطح القمر ففي القرن العشرين وفي نُصفهِ الأخير نجد مَن يقول بذلك .
الشيخ ابن باز كما وردَ في موقعهِ الرسمي ، مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز : ( من عبد العزيز بن عبد الله بن باز … كما أنّي قد أثبتُ في المقال فيما نقلتهُ عن العلامة ابن القيم رحمه الله ما يدل على إثبات كروية الأرض ، أما دورانها فقد أنكرته وبينت الأدلة على بطلانه ولكني لم أكفر مَن قال به ، وإنما كفرتُ مَن قال إن الشمس ثابتة غير جارية ، لأن هذا القول مصادم لصريح القرآن الكريم والسنة المطهرة
الصحيحة الدالين على أن الشمس والقمر يجريان ) .
فكما قال بعضُ المسيحيين بأن هذه النظرية مخالفة للكتاب المقدس قال بعضُ المسلمين أن هذه النظرية مخالفة للقرآن الكريم ، وإذا ذكرتُ نموذجاً عن الكنيسة الكاثوليكية آنذاك فالكنيسة الأرثوذكسية لا تختلف عنها شأناً في بعضٍ ما فعلته في ذلك الزمان وإذا ذكرتُ عالماً سنياً قد جانب قوله الصواب فهناك مِن علماء الشيعة مَن قالوا بأدهى وأمر ، فقد نقل عالم الإجتماع والبروفيسور علي الوردي في موسوعتهِ لمحات اجتماعية مِن تاريخ العراق الحديث ، الجزء الخامس حدثني البوشهري – الميرزا محمد البوشهري – وكنتُ زرته في البصرة قبيل وفاته في ربيع 1972م فقال إنه أنجز في أثناء حكمهِ في كربلاء كثيراً من المشاريع العمرانية والثقافية ، فكانت هذه المشاريع سبباً لإغضاب الكثيرين من أهل كربلاء . وروى لي أنه زار الشيرازي – محمد تقي الشيرازي وهو المرجع آنذاك وصاحب فتوى ثورة العشرين الشهيرة – في أحد الأيام فأخذ الشيرازي يلومهُ على اعمالهِ وقال لهُ : إنّ الإنكليز إنما عيونك حاكماً في كربلاء لكونكَ شيعياً إذ أرادوا بذلك إسترضاء الناس ولكن تبين لي أخيراً أن الناس غير راضين عنك ثم اخذ الشيرازي يعدد مساوءهُ وهي أربعة :
أولاً : إنه جلب الماء الى البلدة بالأنابيب .
ثانياً : إنه فتح مدارس لتعليم اللغة الإنكليزية .
ثالثاً : إنه فتح مدارس للبنات .
رابعاً : وأخيراً جاء بالكهرباء وهي مغلفة بشحم الخنزير .
من الواضح أن تلك الآراء لم تعد صالحة في وقتنا الراهن لا فكراً ولا عملاً وأنها أصبحت خارج نطاق الزمان ، لكن لو عدنا إلى الوراء وإلى الجيل الأول من تلك الحقبة التي تمخضت عنها هكذا آراء وحاولنا أن نتصور كيف كانت إنتقالتهم التدريجية ؟ وماهي المراحل التي مروا بها حتى هجروا تلك الأفكار جذرياً ؟ أفهل مَن يأتي من بعدنا من الأجيال القادمة سوف يركنون آراءنا بزوايا مكتباتهم إن تفضلوا علينا ولم يُلقوها بسلة المهملات .
كاتب عراقي
إحسان بن ثامر