تثير التطورات الحاصلة مؤخرا في ليبيا قلق الليبيين كما دول جوارهم، خصوصا تونس ومصر والجزائر التي ترتبط بعلاقات متينة في مختلف المجالات مع الجانب الليبي. فلا يشك عاقل أن هذه الدول تحديدا راغبة في حل الأزمة في بلد عمر المختار، وأن حالة الفوضى واللا إستقرار تهدد هذه الدول مثلما هي وبال على ليبيا نفسها التي انعدمت فيها أهم مقومات الدولة.
ولعلنا لا نبالغ إذا اعتبرنا أن ما يحصل الآن في ليبيا ينبئ بأن الأزمة الراهنة ستستمر لسنوات آتية بالنظر إلى عنصرين أساسيين: أولهما أن الأطراف الليبية المتصارعة والبادية في المشهد، وأيضا تلك المغيبة عنه، ليست لها رغبة في المصالحة وما زالت تتعامل بمنطق الغنيمة والغلبة والثأر، وثانيهما أن الأطراف الخارجية سواء كانت إقليمية أو دولية، والمحركة لأطراف الصراع الليبي والمتحكمة بقرارها، ليست راغبة في الحل ويبدو أن أكثر ما يشغلها هو تأمين نصيبها من حصة النفط الليبي في مرحلة أولى وتأمين نيل شركاتها لنصيب معتبر لاحقا في عملية إعادة الإعمار.
حرب النفط
كما تزيد الحرب المتوقعة بين حفتر وجماعة الجضران أو ما يسمى بـ»حرس المنشآت النفطية» الطين بلة وتزيد من حالة التشاؤم التي تسيطر على الشارع الليبي. فبعد تدمير مطار طرابلس في وقت سابق واستهداف أسطول الطائرات المدنية الليبية، ها أن المنشآت النفطية من آبار ومضخات ومصاف وموانئ تصديرية تبدو مهددة بالسحق على أيدي القوى المتناحرة.
وللإشارة فإن خليفة حفتر يسيطر على عدد هام من آبار النفط الليبية فيما تسيطر جماعة الجضران على الموانئ والمصافي. ويبدو أن حفتر يتجه خلال المرحلة المقبلة إلى التوقف عن ضخ النفط بضغط من أطراف خارجية يدين لها بالولاء ما سيبقي جماعة الجضران بدون موارد قارة ويدفع بها إلى خوض «حرب وجود» لا مفر فيها من إلغاء أحد طرفي الصراع للآخر.
وحسب كثير من الخبراء والمحللين فإن هذه الخطوة من حفتر تبدو متهورة باعتباره سيفتح على نفسه جبهة جديدة ستستنزف قواه وهو الذي يقاتل فجر ليبيا ويضعها في خانة واحدة مع الجماعات التكفيرية التي يقاتلها بدورها في الشرق الليبي. ولعل الطرف الذي يدفع بحفتر إلى خوض هذه المعركة التي ستساهم في تدمير ليبيا، إما أنه سيوفر له السلاح والعتاد والمقاتلين والسيولة المالية، أو أنه يدفع به إليها ليعجل بنهايته.
التدخل الخارجي
كما يزيد من قلق الليبيين تواجد قوى أجنبية على أرضهم، ولعل حادثة إسقاط المروحية الفرنسية التي كانت تضم عناصر استخبارات فرنسية برر الرئيس أولاند تواجدهم، تقيم الدليل على أن الكل بات يرتع في ليبيا جهارا ودون الحاجة إلى التخفي. فالايطاليون على سبيل المثال حاضرون على الميدان ويصفون من لا يخدم مصالحهم الحوادث التي تسببوا فيها منتشرة على التراب الليبي ويعرفها القاصي والداني.
أما الأمريكان فقد حسموا أمرهم وتدخلوا بتعلتهم المعتادة، أي محاربة الإرهاب، ومن المتوقع أن تتطور عملياتهم لتتجاوز القصف الجوي إلى التدخل المباشر برا بتعلة مختلفة، قد تكون محاربة الإرهاب أو حماية المنشآت النفطية أو غيرها. وتبدو كل الظروف ملائمة لإقامة قاعدة عسكرية أمريكية في الأراضي الليبية نظرا لشساعة المساحة وغياب الدولة تماما وعدم قدرة الحكومات الثلاث على بسط نفوذها على كامل الإقليم.
كما أن هناك أطرافا عربية وإسلامية متواجدة في ليبيا بأجهزة استخباراتها وعملائها المحليين، بعضها وكيل في المنطقة لقوى كبرى، والبعض الآخر يخدم مصالحه وينتفع من توريد النفط بأبخس الأثمان. ولا أحد من هذه الأطراف يهتم لمصلحة ليبيا ولا دول جوارها المتضررين الأول من حالة عدم الإستقرار والفوضى الطاغية على كامل المجال الليبي.
دور القبائل
ولعل ما يبعث على التفاؤل هو التحركات الأخيرة للقبائل الليبية التي تحاول تجاوز الأزمة بشتى السبل المتاحة. فقد اجتمع مؤخرا مجلس القبائل والمدن الليبية في تونس وعبر عن رفضه للتدخل الأمريكي في ليبيا وحذر جوار ليبيا وخاصة تونس بأن الحريق الليبي سيطالهم إن عاجلا أم آجلا، وهو بذلك يحمل الطرف التونسي على وجه الخصوص مسؤولياته، خاصة وأن التونسيين وعلى غرار الجزائريين يقفون على مسافة واحدة من الجميع، وقد جعل هذا الحياد السلبي أطرافا أخرى تتدخل في الصراع وتوجهه وجهة لا علاقة لها بالمصلحة الليبية وبمصالح الجيران.
كما أدان مجلس القبائل الصمت العربي إزاء الأزمة الليبية خاصة وأن الضربات الأمريكية ستجعل الأطراف التكفيرية في رأيه تفر من سرت باتجاه دول الجوار العربية وخصوصا تونس ومصر. وأدان أيضا تصرفات المبعوث الأممي مارتن كوبلر واعتبروا أن ما قام به من مساع زاد من تعقيد الأوضاع في ليبيا باعتباره في رأيهم «خادم لأطراف خارجية».
ووجه المجلس القبلي انتقادات لاذعة لاتفاق الصخيرات الذي لم تمثل فيه كل الأطراف الليبية واعتبر أن هذا الغياب هو من أسباب فشل حكومة السراج في نيل تزكية البرلمان. كما أن هذا الإتفاق في رأي المجلس القبلي هو السبب في مزيد من تدهور الأوضاع في ليبيا باعتباره قام منذ البداية على الإقصاء وعدم احترام إرادة الليبيين.
ويرى كثير من المحللين بأن الحل في الأزمة الليبية يجب أن يقوم على خريطة طريق تكون بدايتها الإعلان رسميا عن فشل اتفاق الصخيرات وإنهاء حكومة الوفاق، ثم إقناع الأطراف الخارجية والقوى الكبرى بطريقة ما بضرورة الحل في ليبيا وأن استمرار الأزمة يضر بمصالحها، وإقناعها أيضا بضرورة القبول بمسار تصالحي ترعاه القبائل الليبية لأنها وحدها المؤهلة للعب هذا الدور والقادرة على تقريب وجهات النظر بين الفرقاء.
كما يجب أن يذهب الجميع باتجاه تشكيل حكومة مؤقتة من المستقلين لا من فرقاء الأزمة الحالية يختارهم مجلس القبائل، تتولى إنهاء المرحلة الانتقالية وتنظم انتخابات حرة على أساس دستور جديد، وتتولى أيضا مهمة دمج الميليشيات المتناحرة في جيش وطني ولاؤه لليبيا دون سواها مع التعجيل بالمصالحة في إطار مسار عدالة انتقالية.
جمال المبروك