ما هو مستقبل ليبيا بعد نهاية مفعول «الصخيرات»؟ هذا السؤال حاول الجنرال حفتر الإجابة عنه في خطاب ألقاه في 17 كانون الأول (ديسمبر) من قاعدته في بنغازي شرقي ليبيا وأعلن فيه أن كل الأجهزة التي نشأت عن اتفاقية الصخيرات/المغرب عام 2015 لم تعد قائمة. ويقصد بهذا حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج وما تبع ذلك من مخرجات العملية التي رعتها الأمم المتحدة وقصدت منها أن تشارك فيها كل أطراف النزاع السياسي في ليبيا ما بعد عام 2011. ورغم حديث الجنرال عن اللحظة «التاريخية الخطيرة» التي تمر بها بلاده، إلا أنه ألمح إلى استعداده لملء الفراغ والترشح للرئاسة.
كل هذا في وقت يحضر فيه المبعوث الدولي للتقدم بخطة جديدة تسمح لكل الأطراف السياسية المشاركة في الانتخابات وتعديلات على شكل المجلس الرئاسي. وتشمل «خطة العمل من أجل ليبيا» التي تقدم بها سلامة ثلاث مراحل بما فيها تعديل الاتفاق السياسي وعقد مؤتمر وطني تحت رعاية الأمين العام للأمم المتحدة وتنتهي العملية الأخيرة بإجراء استفتاء على الدستور وانتخابات برلمانية ورئاسية. ولا تزال البلاد منذ الإطاحة بالرئيس السابق معمر القذافي رهن حكومتين في طبرق، مجلس النواب وفي طرابلس، حكومة الوفاق المعترف بها شرعيا. وكان الجنرال حفتر عقد في الصيف اجتماعات مع السراج في فرنسا والإمارات واتفقا على وقف لإطلاق النار وناقشا بناء ليبيا موحدة تضم الكتائب القوية. وبرز الجنرال حفتر كقوة في شرق لييبيا بعد إطلاقه عملية «الكرامة» في أيار (مايو)2014 وقاد ما يطلق عليه «الجيش الوطني الليبي» في محاولة لاستعادة ليبيا والسيطرة عليها ودعم حكومة طبرق وحظي بدعم قوى إقليمية مثل مصر والإمارات والسعودية وكذا بدعم روسي ضمن خطة موسكو ملء الفراغ الأمريكي بالمنطقة.
ويرى سلامة أن الليبيين قد تعبوا من العنف ويريدون المصالحة إلا أن مهمة المبعوث الدولي صعبة. وكما يرى تيم إيتون الباحث في المركز الملكي للبحوث الدولية «تشاتام هاوس» في لندن فخطة تعديل الاتفاق السياسي على مدى 12 شهرا الطموحة والتي يرعاها سلامة قد حققت بعض النجاحات من ناحية إحياء المشهد السياسي الساكن وإحياء دور الأمم المتحدة في العملية السياسية إلا أنه يواجه تحديات صعبة من ناحية اقناع اللاعبين المهمين في ليبيا اليوم التركيز على انجاح العملية السياسية والانتخابات لا التنازع على الخطة ذاتها. وبعيدا عن التفاصيل والخطة التي يجب أن تأخذ بعين الإعتبار مستويات القوة في البلاد بين الشرق والغرب والجنوب، إلا أن سلامة يحاول إقناع اللاعبين السياسيين على أن من الخطأ النظر إلى التفاصيل والخلاف على دقائق الخطة بل يجب عليهم النظر للأمام أي التركيز على الانتخابات.
ويقول ان التعديلات على الاتفاق السياسي ليست جذرية وأن ما يهم هو ما سيحصل في المرحلة الانتقالية. ويرى إيتون في مقاله بموقع المعهد (14/12/2017) أن اللاعبين السياسيين ربما اعتقدوا أن المرحلة الانتقالية قد تنجح ولهذا فالتنازلات التي سيقدمونها الآن قد تؤثر على حصصهم أو حظوظهم على المدى البعيد. وهذا مهم خاصة أن المرحلة الانتقالية لن تتقدم إلا في حال اتفاق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على حل خلافاتهما حول مسودة الانتخابات والاستفتاء على الدستور وذلك نقلا عن المحامية الليبية عزة المقهور. ولو لم يتم التوافق على تعديل الاتفاق السياسي فإن الإجماع على هذين الموضوعين سيكون بعيدا. ومع أن سلامة يرى أن ليبيا لديها نافذة للتقدم، إلا أن السؤال يظل متعلقا فيما إن تم تحقيق التعديلات والحكومة الانتقالية قبل خفوت زخم عمليته السياسية.
ويعني الفشل دخول ليبيا في مرحلة انتقالية طويلة وهي نتيجة يحاول سلامة تجنبها. ومن هنا تساءل إيثان كورين في مجلة «فوربس» (22/12/2017) إن كان عام 2018 هو الذي سيتخلى فيه المجتمع الدولي عن جهوده في التوصل لتسوية سياسية وحكومة ليبية مستقرة وتفضيل الاحتواء حيث سيكون الهدف الرئيسي، الهجرة غير الشرعية وتزايد العنف المتطرف. وإذا كان هذا هو الصحيح فالتركيز لم يكن على نهاية مدة اتفاق الصخيرات بقدر ما يخدم استمرار الوضع القائم مصالح القوى الخارجية المتعددة. ويعتقد الكاتب أنه في ظل نهاية الاتفاق السياسي فسيواصل المجتمع الدولي دعم حكومة الوفاق الوطني حتى لو بطل مفعول الاتفاق السياسي مع أن قلة من الإجراءات التي نجمت عنه التزمت بها الأجهزة التي نشأت عنه. ويعلق كورين على المهمة الصعبة التي تواجه سلامة، فهو رجل مخضرم وعارف بديناميات الأزمات السياسية التي عانت منها بلاده في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. ورغم اعترافه والمؤسسة الأممية ان الاتفاق السياسي قد حاد عن طريقه وبحاجة لوصفة سحرية كي تعيده إلى مساره، إلا انه يواجه التحديات نفسها التي واجهتها بلاده وهي ان الأطراف الخارجية لا تريد التحرك إن كانت النتائج لا تخدم مصالحها.
ومن هنا فمعظم الدول الأوروبية مهتمة بمحاولة التحكم بتدفق الهجرة غير الشرعية من ليبيا والتي خفت قليلا وإن كانت على حساب المعاملة الإنسانية والأخلاقية للمهاجرين هناك. وهناك سبب آخر يجعل الدول الأوروبية مهتمة بإدارة الأزمة، وهو تأمين تدفق النفط والغاز من ليبيا. وقد تعتقد هذه الدول ان حدة التهديد الإرهابي قد تناقصت ولكن الوضع غير مضمون. ويشير كورين إلى الكيفية التي حاول فيها سلامة تجاوز مظاهر القصور في الاتفاق وتعديله. ويرى أن استبعاد حفتر الشخصية المثيرة للانقسام، دفعه وجيشه الوطني للتعاون مع مصر والإمارات والسعودية وروسيا المهتمة بقتال الإسلاميين. ويرى أن التحالف التكتيكي بين حفتر والسلفيين المدخليين من اتباع السعودي ربيع المدخلي، الذين يعتبرون أداة محلية بيد السعودية، وملاحقات الجنائية الدولية لأحد مساعديه بارتكاب جرائم حرب، وإن أثر قليلا على دعم قاعدته الشعبية في الشرق، إلا ان تقدما حدث في بنغازي أكثر من طرابلس حسب الكاتب.
وفي ظل الخلافات حول تعيين مدير المصرف المركزي الليبي، هل سيكون من الشرق حيث النفط والغاز أم من الغرب حيث ظلت إدارة الحكومة والرواتب من طرابلس؟ وتقوم مصر بشكل سري بترتيب اجتماعات بين حفتر وقادة عسكريين مرتبطين بحكومة الوفاق في المناطق المعارضة لحفتر، وتحاول بناء جيش وطني واسع التمثيل قادرعلى إدارة البلاد خلال العملية الانتخابية.
ورغم التقليل من أهمية المحادثات وما سينتج عنها إلا أن ما هو واضح هو عدم حدوث تقدم لتحرير ليبيا من الخناق الذي تحكمه الميليشيات على البلد إلا في حال قررت أمريكا أو روسيا أو الاتحاد الاوروبي التدخل، وهو سيناريو لن يحدث بالتأكيد. وكما يرى كورين فالخاسر الأكبر يظل الشعب الليبي، حيث لا تنتمي الغالبية منه للميليشيات أو مهربي البشر ولا ينتمون للمؤسسات والجماعات المتصارعة على السلطة. وبسبب الفوضى الكبيرة فالغرب سيفكر مرتين قبل التدخل ويعمل على احتواء الأزمة بدلا من بناء مؤسسات مستقرة. وسيخدم هذا الموقف أهدافا قصيرة الأمد ولكن لا يمكن ترك ليبيا تعيش على جهاز التنفس للأبد، وهذا ليس بناء على مواقف أخلاقية ولا إنسانية ولكن لأن المشكلة الليبية ستتقيح وتنفجر وسيكون ثمن علاجها باهظا.
وملامح هذه المشكلة واضحة في محاولة عودة الحرس القديم إلى السلطة، كما بدا من حوار أحمد قذاف الدم الشهر الماضي مع «واشنطن بوست» والذي أشار فيه إلى ان الليبيين يحنون لزمن القذافي وهم الأغلبية الصامتة ودعا للمصالحة الوطنية. وتقرير آخر لصحيفة «الغارديان» (6/12/2017) قالت فيه إن نجل القذافي يعمل على تجميع أنصاره والعودة للمشهد السياسي، وإنهم سيطروا على صبراتة تحضيرا للزحف نحو طرابلس. وقلل مراقبون من قدرة نجل الزعيم السابق على تجميع قوى وإقناع الليبيين، وعلق محلل أوروبي ان ابن القذافي يمكنه أن يحلم كما يريد «لكنه لا يستطيع أن يذهب إلى أي مكان». وبالمقابل فتنظيم «الدولة» الذي خسر مدينة سرت العام الماضي يعيد تجميع صفوفه في الجنوب حسب تقرير لموقع «المونيتور» (21/12/2017).
وناقش كاتب التقرير أن التنظيم لم يعد قادرا على حيازة مناطق واسعة ولهذا غير استراتيجيته من أجل إضعاف القوى السياسية المتصارعة في البلاد ويقوم بمحاولة اختراق المناطق التي تعيش فوضى وخلافات قبلية وفقر. ويرى الخبراء أن الاستراتيجية ناجحة نسبيا، إلا أن خبراء ومقاتلين من مصراتة لا يتوقعون استعادة التنظيم قوته السابقة. وكانت قوات من كتيبة «البنيان المرصوص» ومعظم مقاتليها من مصراتة أخرجت بدعم جوي أمريكي التنظيم من معقله في مدينة مصراتة، مسقط رأس الزعيم الليبي السابق القذافي. ونقل عن العقيد علي الرفيدة من «البنيان المرصوص» قوله «لن يستيعد التنظيم قوته التي كان يتمتع بها».
وشهدت الفترة الماضية سلسلة من العمليات منها هجوم نفذه التنظيم على محكمة في مصراتة وآخر على نقطة تفتيش تابعة لجيش حفتر. وقال الرفيدة أن قوات حفتر والبنيان المرصوص تقاتل «داعش» على أكثر من جبهة «وهذا موضوع كبير يواجه ليبيا كي تهزم الجماعة». وترى ليدي سيزر، الخبيرة في الإرهاب والمساهمة في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، أن التنظيم لم يعد يجذب مقاتلين من شباب ليبيا، بل أصبح جماعة أجنبية قيادتها سعودية بمقاتلين من مصر تونس والسودان والسنغال وتشاد وغامبيا.
وأضافت أن التنظيم لم يعد يتمتع بقاعدة دعم شعبي ليبي كما في السابق. خاصة أنه لم يعد يحتفظ بمناطق خاضعة لسيطرته وأصبح في حالة دفاع عن النفس على المستوى العالمي. ولكن مكافحة التنظيم حتى في هذه الحالة تحتاج إلى وحدة الجماعات الليبية المتنازعة لحل المشكلة الإرهابية. فتحسين الوضع الاقتصادي والأمني يحرمه من جيوبه الآمنة واستغلال المجتمعات الضعيفة. وتعتقد الكاتبة أن التنظيم أبدى قدرة على التحالف مع الجماعات المتشددة الأخرى.
كل هذا بسبب خطاب حفتر الذي وصم كل معارضيه بالإرهابيين ودفع بالتالي عددا منهم لحمل السلاح. وسيحاول التنظيم استغلال الصراع على السلطة وتجنيد القوى المهمشة أو تلك التي استبعدت من هذا الفريق أو ذاك وضمهم إلى صفوفه. وستظل ليبيا محلا للنزاعات والصراعات التي تغذيها الدول الخارجية أو الجشع المالي كما في عمليات تهريب المهاجرين الأفارقة وحتى بيعهم كما أظهر شريط فيديو بثته شبكة «سي أن ان» في الشهر الماضي حيث تمت المتاجرة بالمهاجر وبيعه بـ 400 دولار بشكل أثار موجة غضب دولية.
الجنرال حفتر: العسكر وإلغاء الشرعيات الأخرى في ليبيا
عبد الحميد صيام
نيويورك (الأمم المتحدة) ـ «القدس العربي»: مساء السابع عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر الحالي ألقى الجنرال خليفة حفتر، خطابا متلفزا للشعب الليبي أعلن فيه أن اتفاق الصخيرات أصبح منتهي الصلاحية ولا قيمة قانونية له وأنه لن يلتزم به ولا بكل ما انبثق عنه من آليات بما فيها المجلس الرئاسي. ثم تابع معلنا ألا شرعية الآن إلا للجيش الوطني الليبي. وتبريرا لهذا الموقف قال إن الاتفاق أصلا يخدم لسنتين من تاريخ توقيعه في 17 كانون الأول/ديسمبر 2015 وبالتالي وصل إلى نهايته ولم يعد قائما. وقال إنه لن يعترف بأي سلطة مهما كانت شرعيتها «ما لم تكن منتخبة من الشعب الليبي». وأضاف: «مطلع اليوم 17 كانون الأول/ديسمبر هو تاريخ انتهاء الاتفاق السياسي، وانتهاء أي جسم انبثق عنه ورغم كل الشعارات البراقة من الحوارات السياسية من غدامس مرورا بجنيف والصخيرات وانتهاء بتونس، انتهت كلها حبرا على ورق». ردا على هذا الموقف المستجد دعا غسان سلامة، المبعوث الأممي إلى ليبيا، جميع الأطراف الليبية إلى «الامتناع عن تقويض العملية السياسية». وقال في الذكرى الثانية لاتفاق الصخيرات: «إن الليبيين يطمحون إلى دولة فاعلة توفر الخدمات، بدءا من الأمن وصولا إلى الصحة العامة والتعليم، وهذا بالذات ما تنوي خطة عمل الأمم المتحدة تحقيقه». وتمنى على جميع الأطراف الليبية أن ينصتوا إلى صوت مواطنيهم و«الامتناع عن القيام بأي أعمال يمكن أن تقوض العملية السياسية».
مجلس الأمن الدولي من جهته أكد في بيان رئاسي يوم 12 كانون الأول/ديسمبر على أن الاتفاق السياسي الليبي الموقع في مدينة الصخيرات المغربية هو «الإطار الوحيد القابل للاستمرار» لحل الأزمة السياسية في ليبيا، مشددا على أنه ليست هناك حلول عسكرية للأزمة، في إشارة تكاد تكون موجهة للجنرال الذي يعد بحسم الأمور عسكريا في كافة أرجاء ليبيا.
بهذا التصريح يكون الجنرال حفتر قد ألغى ثلاث شرعيات متشابكة في الملف الليبي بضربة واحدة:
أولا – شرعية فايز السراج والمجلس الرئاسي المعترف بهما رسميا ويتعامل المجتمع الدولي مع هذا الإطار بصفته التمثيلية. فالسراج ظل يمثل ليبيا رسميا منذ توليه مجلس الرئاسة كما استقبل كرئيس دولة في أكثر من بلد.
ثانيا – شرعية مجلس النواب الذي تجاوزه حفتر وأصبح كأنه غير موجود فقد بدأ يصدر فرمانات من عنده ويوقعها دون إي اعتبار للبرلمان كان آخرها أوامر من وزير الداخلية العقيد يونس بلقاسم الذي قرر تشديد الحراسة على مكاتب الاقتراع التابعة للجنة الانتخابات الليبية العليا وذلك «بناء على أوامر من الجنرال حفتر». كما أقر حفتر بمبدأ الانتخابات لكنه طالب بنقل مقر اللجنة الوطنية العليا للانتخابات من مقرها في طرابلس وتغيير أعضائها.
ثالثا- شرعية مجلس الأمن والقرارات العديدة التي اعتمدها المجلس لحصر التمثيل والتعامل مع القنوات الرسمية الليبية التي يمثلها المجلس الرئاسي والذي انبثق من «الاتفاق السياسي الليبي» الذي وقع في الصخيرات كأساس لأي حل للأزمة حسب ما جاء في قرار مجلس الأمن 2259 (23 كانون الأول/ديسمبر 2015). وقد أنجز هذا الاتفاق في عهد الممثل الخاص للأمين العام برناردينو ليون ثم ظل مصدر الوساطة الأساسية للممثل الخاص مارتن كوبلر وأخيرا غسان سلامة.
استمر مجلس الأمن يتعامل مع الملف الليبي باجماع لم يتوفر في بقية الملفات. وكان آخر قرارات المجلس القرار رقم 2376 الذي اعتمد في أيلول/سبتمبر الماضي بالاجماع والذي بموجبه تم تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في ليبيا «أنسميل» حتى الخامس عشر من أيلول/سبتمبر عام 2018.
وجاء في القرار أن البعثة تتولى، بصفتها بعثة سياسية خاصة متكاملة، ممارسة الوساطة وبذل المساعي الحميدة لتقديم الدعم على صعيد إجراء عملية سياسية شاملة للجميع في إطار «الاتفاق السياسي الليبي» ومواصلة تنفيذ الاتفاق.
وأكد القرار على ضرورة وقف دعم أي مؤسسات بديلة تدعي لنفسها الشرعية بينما هي خارج نطاق الاتفاق السياسي وأن تكف تلك الجهات عن إجراء اتصالات رسمية مع تلك المؤسسات.
لكن مجلس الأمن لم يتعامل بجدية في رفض وجود قوة موازية للشرعية التي يمثلها السراج. فهناك ثلاث دول على الأقل من بين أعضاء مجلس الأمن توافق على القرارات وتصوت لصالحها والتي تنص على عدم مساندة قوى أخرى غير المجلس الرئاسي. ومن جهة أخرى تتعامل مع حفتر وتدعوه إلى دولها وتتفاوض معه وتقدم له الدعم اللوجستي والاستخباراتي والعسكري. وهذه الدول هي فرنسا وروسيا ومصر. فقد دعي حفتر إلى هذه الدول الثلاث في زيارات رسمية. وفي فرنسا استقبله الرئيس ماكرون ورتب لقاء بينه وبين السراج في 25 تموز/يوليو الماضي ليخرج حفتر من اللقاء أكثر غرورا وعنجهية. وقد كشف عن مقتل اثنين من القوات الفرنسية الخاصة في بنغازي وهي تساند قوات حفتر في معركته مع جماعة أنصار الشريعة.
إذن أدرك غسان سلامة منذ قبوله بالمنصب أن الاتفاق فيه العديد من الثغرات وأن إعطاء الليبيين، ممثلين بالتجمعين الكبيرين حكومة طرابلس وبرلمان درنة، فرصة مراجعته وتعديله أمر مهم بداية. لذلك وضع خريطة طريق تقوم على ثلاث مراحل: تعديل الاتفاق السياسي، عقد مؤتر عام للمصالحة والوحدة ثم تأتي المرحلة الثالثة التي تتمثل في إعداد دستور جديد يجرى الاستفتاء عليه ثم الانتخابات خلال سنة من التوافق على التعديلات. وعقد سلامة جلستين ناجحتين في تونس حول إجراء التعديلات لكن الثالثة انفضت دون أن تسفر عن أي اتفاق أو تحديد موعد لاستئنافها. أي أن سلامة ما زال يراوح في المربع الأول من خريطة الطريق التي عرضها على مجلس الأمن وأيدها الأعضاء بالاجماع.
يبدو أن الجنرال حفتر يقلد المشير عبد الفتاح السيسي في بيان 30 حزيران/يونيو 2013 عندما أعطى السلطة المنتخبة 48 ساعة للتراجع والرحيل وكان مستندا على الأقل نظريا بملايين المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع يطالبون بإنهاء حكم الإخوان المسلمين.
الفرق بين الحالتين أن في مصر كانت فيها حكومة واحدة معترفا بها ولم تكن هناك ميليشيات مسلحة منتشرة في طول البلاد وعرضها كما هي الحالة في ليبيا. بالإضافة إلى ذلك وجود حاضنة شعبية، ربما مبالغ في حجمها، لكن بالتأكيد كانت الأجواء ملائمة للسيسي في تقبل قيام العسكر بالسيطرة على الوضع وهي غير متوفرة في الحالة الليبية.
وقد يكون حفتر يوجه القرار للأمم المتحدة ويريد أن ينهي أي دور للمجتمع الدولي واستبداله بدور إقليمي داعم له ولتوجهاته خاصة من مصر والإمارات العربية المتحدة. لكن الدور الأممي لا غنى عنه ليس فقط في المجال السياسي بل في المجالات الإنسانية وموضوع الهجرة غير الشرعية ومراقبة السواحل وتقديم المساعدات للمشردين ومحاربة الجماعات الإرهابية وغير ذلك.
أما إذا كان حفتر يوجه كلامه للشعب الليبي فيبدو أن مراهناته على خروج الجماهير بمئات الألوف للتظاهر من أجل تأييد الجيش قد خابت. بل اعتبر بعض الكتاب الليبيين البيان عبارة عن حملة انتخابية لأنصاره في حال عقدت الانتخابات في موعدها في الربيع المقبل كما كان مقررا.
الأزمة الليبية ببيان من العسكر تدخل منعطفا جديدا قد يفاقم حالة الفوضى إذا ما أحست بعض الأطراف أن حفتر قادم بعسكره لانتزاع المناطق الخارجة عن سلطته، فتعيد تسليح نفسها وتطرق أبواب القوى الإقليمية الأخرى للمساندة.
أما مهمة غسان سلامة فقد تصل إلى طريق مسدود هي الأخرى إذا ما استمر الجنرال مسيطرا على برلمان طبرق. وبالنسبة للأمم المتحدة يتطلب اعتماد الاتفاق السياسي الليبي موافقة البرلمان التي لم تأت بعد تحت الضغوطات والتهديدات. وعند اعتماد الاتفاق تبدأ مرحلة السنتين لا كما فسرها الجنرال بأن الاتفاقية.
الشيء المؤكد أن مهمة سلامة قد تجد من العثرات ما يجعله ينسحب من المشهد إذا تأكد من الفشل. فهل سيتخذ مجلس الأمن والقوى الأوروبية الداعمة وخاصة ايطاليا موقفا حازما من موقف الجنرال؟
إبراهيم درويش