سنتخذ من هذه الرواية الخليجية نموذجا لوجهة نظر الأنثى في حياتها اليومية وتساؤلاتها الممضة عن جدوى حياتها في مجتمع واسع الثراء يحيطها ويغمرها بالغنى الفاحش، ويشترط عليها أن تكون أدنى من شريكها في الحياة..
في هذه الرواية «ليتني امرأة عادية» ـ دار كلمات للنشر والتوزيع ـ الطبعة الثامنة 2015 للكاتبة هنوف الجاسر، تكثيف لعالم المرأة في مجتمع روائي معاد، يدعوها إلى أن تمني نفسها «امرأة ترى في حياتها الفارغة نوعا من الترف والدلال، تقضي وقتها بالتسوق ومتابعة المسلسلات الدرامية»، وبهذا المعنى فإنها تطرح أسئلة محيرة تبقى معلقة في سطور الرواية بهذا التمني الغريب الذي يمثل حال معظم النساء في الواقع المعيش، وتثير أسئلة أخرى تتعلق بعنوان الرواية الإشكالي: لماذا ترغب أن تكون امرأة عادية؟ وهل فعلت ما يغضب المجتمع عنها بخروجها عن تقاليده وأعرافه؟
تقول الساردة /الشخصية «لكنني بعد هذا التمني لم أتغير، بقيت امرأة مزدحمة بالاستفهامات التي لا يجوز طرحها (….) التي بدأت تعصف بداخلي وتجعلني انقرض أكثر مع الأيام»، وهو اعتراف خطير يدعونا للتحري عن أفعالها التي وضعتها في موضع تهمة دائمة إزاء نفسها بالدرجة الأولى بإحساسها أنها امرأة غير مرغوب فيها. تسرد (فريدة) سيرتها الذاتية عبر بوح واعتراف بتميزها عن بقية النساء، من خلال وعيها بكيانها الإنساني الذي يقف بالمساواة مع الآخر الرجل، ومن خلال جملة العنوان «ليتني امرأة عادية» التي تعني استحالة أن تكون امرأة عادية، بما ورد في المتن من تكرار لافت لكلمة امرأة محاطة بتوصيف له علاقة بوظيفة المرأة في مجتمعاتنا المحافظة: امرأة يثير اهتمامها إعداد وجبات جديدة، واختراع وصفات سرية تميز أطباقها، تقضي وقتها بالتسوق ومتابعة المسلسلات، امرأة تشتم كل النساء السافرات وتقلدهن في الأزياء والمساحيق وصبغات الشعر، امرأة خاوية من كل شيء، امرأة بريئة ساذجة تفتخر بالنقص الذي ألصقوه بها كركرن من العقيدة، تعتز بأنها حلوى جوهرة مغفلة لم تكتشف أنها إنسانة، إذن كل الأوصاف التي تجعل منها امرأة صالحة، هي صفات صنعتها التقاليد والعرف وتحريفات التعاليم الدينية، الأمر الذي يجعل منها كائنا آخر خارج حدود الإنسان، كائنا يثير الريبة والهواجس المخيفة والدنس والعار، لو ترك يمارس حياته بحرية وبدون قيود.
ماذا تريد الساردة (فريدة) هل تريد أن تكون امرأة (فريدة) كاسمها، استثنائية على وفق ثنائيات بالضد من التمني الذي يكرسه عنوان الرواية؟ عند فحص تحقق آليات تميزها، نلاحظ أنها لم تكن تطلب لنفسها سوى حياة بسيطة أساسها الانسجام مع الآخر (الرجل) امرأة/ أنثى لها آمال في الاقتران برجل «حقيقي استطيع أن ألمسه، أحادثه، أضحك معه على الأشياء الساخرة التي لا يفهمها إلا العباقرة» تريد رجلا لا يخجل من مناداتها بحبيبتي «ويستبدلها بكلمات خاوية من المشاعر مثل (أم العيال) أو (الأهل)» وهي ترغب في حياة فاعلة بعيدة عن الروتين وآلية الحياة البسيطة المملة، تريد أن تجرب الجري «حول الحي قبل أن يحين موعد العمل» وترغب في أن تجرب «الوقوع في الحب بدون الخوف او الشعور بالخيانة لتربيتي وعقيدتي».
ستكون هذه الرغبات آمالا مستحيلة التحقق، في الحياة الفعلية، لتنحو نحو الحياة الافتراضية في شبكات التواصل الاجتماعي، كتقنية روائية استثمرتها الروائية هنوف الجاسر، بديلا عن الحياة الحقيقية تمارس فيها الساردة / الشخصية (فرادتها) وتميزها عن بنات جنسها بعلاقات حرة تستطيع من خلالها أن تقول وتفعل ما تشاء، غير أن التفاصيل الخاصة بعلاقاتها الافتراضية يحكمها الواقع أيضا فلا تستطيع أن تغرد خارج السرب بحرية كاملة، فهي لا تفصح عن الرسائل الغرامية والنصوص المغرقة في الحب التي كتبتها له، لكنها تصرح بأنها كتبتها لرجل لا تعرفه كان في الطرف «الآخر من الأرض يعيش حياته بكاملها»، وإنه كان يكتب رسائله وكل «الأشياء المجنونة التي قام بها لم تكن من أجلي» لأنها كانت امرأة على الطرف الآخر أيضا قد تخلت عن نفسها تعيش كما تشتهي وترغب «امرأة فكرت كالرجال، وتصرفت كالنساء».
تتعرف على يوسف الرجل الافتراضي وتصفه كرجل سيئ متصالح مع ذاته «ناقدا لاذعا وساخرا لا يعرف الحدود والأدب»، ولكنها تغرم به كونه كتابا وليس رجلا «من بين كل الكتب التي قرأتها خلال الفترة الماضية كان يوسف أكثرها جاذبية وإثراء»، يوسف لم يكن رجلا من لحم ودم، بل فكرة، افتراض وجدته صدفة وهي تقلب مواقع التواصل الاجتماعي، وهو يشبه صديقتها (كارمن) التي لم تر «مثلها إلا في شاشة التلفاز»، وربما تكون رجلا على الرغم من أنها رأت «صورتها الشخصية وهي تبتسم بعفوية» ذلك لتوفر وسائل متنوعة تستبدل الرجل بالمرأة أو العكس!
وعلى الرغم من سعادتها المؤقتة بحضور يوسف، في حياتها، يقرر هو أن يختفي من حياتها بدون أن يترك أثرا يدل على وجوده لتقرر أنها أصبحت «واحدة من آلاف المخذولات في هذه الأرض». ولتتناسل في سردها لسيرة حياتها جملا منفية بأداة النفي (لا) التي تسرد حقيقة حياتها بدون حرف النفي (لا) فتقول: «لا تتحدث عن شيء وأنت لم تجربه مثل: الملل، الحزن، القهر، التعب، الألم، الشعور بالنقص وغيرها لتكون المفردات هذه جزءا مكملا يؤطر حياتها وحياة الآلاف من مثلها، وعندما تكتشف أنها تعيش حياة قاحلة من أي شيء إنساني تصرح «كنت أرى في حياتي البائسة شكلا طبيعيا للعيش وكأنها إرادة الله، ولي لي الحق برفضها أو التصرف بها». ولكي تجعل حياتها مرآة لبنات جنسها تطعم سيرتها بحكايات مختصرة، ولكنها دالة على البؤس والحرمان لمجموعة من صديقاتها أو قريباتها، أمثال اختها نورة الذي أصبح زواجها (كارثيا) بعد شهرين، وزينة التي كانت فتاة طبيعية لا تتصنع ولا تخجل من نواقصها ولا عيوبها «تنتظر الصباح بلهفة تحارب فيها النوم حتى تشرق الشمس»، لكنها بعد مرضها العضال «سقطت من قائمة الترشيح للزواج ثم صارت مشروعا خيريا» للزيارة في المستشفى، وهناك حالات أخرى تكرس العزلة أو الانخراط في عاديات الحياة.
تتصف تساؤلات (فريدة) عن حياة الأنثى في مجتمع غني بالثروة ومحافظ في تقاليده، بالمبالغة في اختيار مفردات حياة قاحلة لا أمل فيها ولا طموح، حياة تعاقب الأنثى على (فطرتها) فيه وكأنها خلل ينبغي معاقبتها عليه، وسيكون ما تطمح إليه في حساب المستحيل، ليكون الرجل ركيزة لكل شيء يتعلق بها، «يتمدد في عقلها حتى استولى عليها تماما». وبهذا المعنى تكون رواية «ليتني امرأة عادية» نموذجا متطرفا يسرد حياة تخلف الأنثى في مجتمعنا المحافظ، لتكون أحلامها وتطلعاتها مستقاة من حياة المرأة في المجتمعات المتطورة، مستقبلا على وشك التحقق، في حين تكون (المطامح النسوية) في الغرب المتمدن من (المستحيلات) يؤكد ذلك مسيرة التطور الكبير من نظام الحريم الذي عاشته المرأة العربية قرونا، وصولا إلى حياتنا المعاصرة التي تشي بوعود كبيرة في قابل الأيام.
٭ كاتب عراقي
جميل الشبيبي