بإصدارها «ليت شهدا» الحائزة جائزة الكومار الذهبي، تعزز صفية قم عبد الجليل حضورها المتميز على خريطة الرواية التونسية، بعد أن لفتت الانتباه بإصداراتها الروائية «يشتاقنا الحنين» و«مرايا متشظية» و«دلاء الوجد» ثم «أزهار الخشخاش».
إن الحديث عن رواية «ليت شهدا» الصادرة عن الثقافية للنشر والتوزيع 2017، يقتضي الوقوف عند عنوانها باعتباره العتبة الأولى التي تصافح بصر المتلقي، ومرآة مصغرة لكل نسيجها النصي، وحين نعود للعنوان المركزي الذي اختارته الكاتبة كعلامة لغوية،، فـ»ليت» هي حرف مشبه بالفعل، يُفيد التَّمنّي وهو طلب ما كان مُسْتحيلًا، أما «شهد»، فهو اسم علم مؤنث، والاسم الشخصي الذي ارتضته البطلة عوض شهرزاد لأنه يذكرها بمعاناة المرأة ونظرة المجتمع الذكوري ودورها الذي يحيل إلى كل ما هو دوني للمرأة: «أكره أن أكون أميرة يحكمها رب السرير.. أكره أن أكون شهرزاد، تلك الجارية التي تقايض الحياة بالطاعة والحكايا»، وإذا أضفنا النقاط المتتابعة التي تعني إخراس المنطوق والتكتم عليه، ثم علامة التعجب الدالة على الانفعال والحيرة، يجد القارئ نفسه مجبرا على فك مغاليق هذا الصمت وهذا التعجب والمتعجب منه .
وعليه، تتكئ بنية «ليت شهدا»، إلى شخصية «شهد»، الأستاذة الطموحة فكريا وثقافيا، عشقت «بدر الدين» واتخذته لباسا وحرثا لها بعد قصة حب جارف في رحاب الجامعة، وعلى الرغم من اعتراضات أسرتها على هذا الزواج، اقترنا وعاشا حياة سعيدة، تمر السنوات، وتكشف شهد أن زوجها مثال للذكورة والسلطة الرابضة في لا شعوره البدوي، غير المتفق عليها، والأكثر منه، أنها اكتشفت ذات يوم، أنه يخونها مع صديقتهما في المدرسة، هذا الاكتشاف سيكون السبب الرئيسي والمسمار الأخير في نعش هذه العلاقة، هذه العلاقة التي كانت حبا وملحا وعشا، كتعطيل لغة الكلام بينهما، والغيابات المتكررة لكل منهما عن البيت، هروبا منهما ومن رداءة أحوال الطقس التي عكرت مؤسسة الحب والزواج، وأخيرا هروب بدر الدين إلى ألمانيا
عندما تؤدي الخيانة إلى الانهيار
من الصفحة الأولى، بل من السطر الأول، تعلن الساردة شرود شخصية «شهد» المهيمنة والمخترقة لكل فصول الرواية، وعجزها عن التحكم في وعيها، ليشكل المشهد تيها في اليقظة: «في الشارع الرئيسي شاهدها العابرون تطوف مرارا بالحديقة الدائرية في مفترق الطرقات، غير عابئة بالسيارات ولا بمزاميرها». هذا المشي الشارد الذي لا يوجهه وعي ولا تخطيط ليس في العمق، سوى نتاج لتمردها على معادلة الأبيسي المتسلط والأميسي المغلوب على أمره ، واحتجاج على خرق العاشق والزوج لكل العهود، ونقضه كل القواعد المفترضة بينهما «أطلقت تنهيدة حرى من عقالها وهمست لنفسها كمن تلومها: «يا لوعود العاشقين حين نعدها ولكنها بعد الزواج قليلة».
إنها خيانة من نوع آخر، خيانة ما تم الاتفاق عليه مسبقا، لتنبثق الذكورة والأبيسية الرابضة بداخل «بدر الدين»، وهو ما تمردت عليه «شهد»، هروبا من البيت، أو بالمقاطعة حينا آخر: «قال لها: حبيبتي، لم كل هذا الغضب والعنت؟ لم ترد بحرف واحد وظلت ساهمة واجمة، تغمض عينيها وتفتحهما أخرى وتحدق في فراغ هو التيه بعينه». بعد استراق العين والأذن، واقتفائها لآثار هذا التحول والتغيير، تكتشف شهد خيانة»، وحسبنا شاهدا على هذه الخيانة، أن نقتطع على سبيل المشهد الجارح بعد التجسس على هاتفه: أخيرا تهادى إليها صوت أنثوي غنج رقيق، «ألو مون آمور، لاباس عليك؟ وصلت بسلا». بهذا الميل لطرفٍ ثالثٍ، تنعدم الثقة ويدق آخر نعش، تتبدد المواثيق، وتنتهي الحكاية بهجرة، وبدخول « شهد» في سلسلة من المواجهات والطموحات والانهيارات العصبية .
عالم تحرره الكتابة
يبدو أن شخصية «شهد» تعرضت لمحاولات تحنيط وإطفاء لروحها وجسدها، واجهتها بالاحتجاج والتمرد عبر مجموعة من الوسائل، كمغادرة البيت الغارق أو مقاطعة الشريك، أو اللجوء إلى دفترها حين تنقطع الصلة بينها وواقعها، لتصبح هي ذاتها موضوعا للكتابة، درجة الاحتفاء المفرط بهذه الذات، بل والسكر بها. «أنا شهد، أنا شهد زاج الصفية النقية الشامخة شموخا يطاول عنان السماء». يحدث هذا، بعد اعتصار وابتسار تكتب «شهد» في مذكراتها، وتبوح بما يعتمل فيها من أحزان وجروح وكروب واهتزازات نفسية، فيتدفق لاوعيها متشابكا بوعيها: «كم هو محزن أن تدركي أخيرا أن خيمتك لم تكن سوى صنيعة خيالك المهووس بالجمال وأنك كنت تسكنين قبرا مفتوحة أركانه على ريح وسراب». «مازلت أذكر قولك لي ذات صفاء أكتبيني.. إرسميني.. قولي كلاما جميلا يميتني ثم يحييني». وطبيعي بالنسبة لمذكرات تتحرك في فضاء ملبد، أن تكون منذورة للوجع والحزن، ومرآة لأحوال الطقس الداخلية لـ«شهد»، من انكسارات وانهيارات وصدمات وتساؤلات جارحة تبتغي قلب المعادلة، وتشكيل علاقة بديلة وجديدة .
نخلص في هذه المذكرات إلى أن الكتابة هي الأقدر على قول ما ينقال، وهي خيمة «شهد» وعلبة أسرارها ورؤاها واختياراتها وتشظيها، هي عنادها لعنف الواقع، هي مرايا اهتزازاتها وانكساراتها النفسية، والطريق إلى سيكولوجيتها وسبر أغوارها «استأذنها في أن يطلع على مذكراتها عساه يهتدي إلى بؤرة وجعها الغائر الذي ما استطاعت أن تفصح له عنه رغم عديد جلسات البوح الاستشفائية». وقد استفاد الطبيب النفسي من هذه المذكرات بغرض الولوج إلى أعماق «شهد» حتى يتمكن من كشف أسرارها الدفينة، لأنها تكشف عن معلومات مهمة يجهلها الكل .
حوارية الرواية
في رواية «ليت شهدا» تتعدد اللغات والأصوات، وتتقاطع فيها أنواع خطابية وأدبية متميزة، ما يجعل منها نصا فسيفسائيا، وبنية حوارية خالصة، وفي سياق هذه البارود في الأسلوبية تلجأ الكاتبة إلى التهجين اللغوي، على مستوى الملفوظ السردي، ومن تجليات التهجين في الرواية ما نلاحظه من إيراد: صفية قم «للخطاب اليومي الدارج على لسان مجموعة من الشخصيات من قبيل : يزي، فك علي، هاكا فاش لقيتك زعيم، ملا حالة.
« انحبك.. انحبك ونموت عليك يا مهبولة
بابا، بربي، اشكوني شهرزاد هذي اللي سميتني عليها؟
ويمكن أن ندخل في إطار التهجين كذلك ما يسميه باختين بالتنضيد، ويقصد به اللغات المهنية، لأنها تعبر عن مواقف ورؤى للعالم، ومن نماذج هذه اللغة الأجنبية :لغة الطبيب: إنها لا تعاني وجعا عضويا، بل هي اضطرابات نفسية حادة أدت بها إلى ما هي عليه الآن «قال الطبيب بهدوء».
دهل المعلم وسألها بدوره مبتسما «يا بنيتي من أين لك هذا؟ أتسألين عن ألف ليلة وليلة وأنت لا تزالين في السنة الرابعة من التعليم الابتدائي». بخصوص الشعر يستوقفنا مقطع شعري للشاعر التونسي محمد الهادي الجزيري :
« والتوت
لأنك الأعذب والأبهى
لكني زوج وأب
ووفي كالموت
دعيني أرجوك أعد لبيتي»
لم يكن اختيار الكاتبة لهذا الشاهد الشعري حرفيا ونسبته لصاحبه، سوى تعبير وتساوق مع معاناة «شهد»، وتأرجها بين المقاطعة والمحافظة على بعلها «بدر الدين»، وهذا ما يرسخه التعليق الذي جاء بعد الشاهد «فهل تراها ترضى بالتخلي عنه فجأة وقد اطمأنت إلى أنها امتلكته أو تكاد .» وتصعيدا لهذا التفاعل الحميمي بين الرواية وباقي الفنون، تستوعب رواية « ليت شهدا» الرسالة الإلكترونية التي تميزت بلغة الاعتراف والبوح للمرسل إليه بكل تلقائية وبساطة، وكشفا عن شخصية «شهد» التي تتأرجح بين حالات نفسية متناقضة .هكذا نخلص إلى أن رواية «ليت شهدا» أنجزت سردا رحبا، يخلص من السرد الأحادي والمستبد، ومن ثمة تحقيق جدليته ودوره في التعدد اللغوي وتعميق ميسم الحوارية، ولتكون الرواية بذلك متعددة المناهل ومنفتحة على غيرها من النصوص في علاقة تفاعلية حية ومستمر ة
جملة القول، هذه هي رواية «ليت شهدا» لصفية قم، وهذه هي اشتباكات «شهد» التي تخترق الرواية من بدايتها إلى نهايته، التي تسبب فيها واقع يحبل بالانتقال كما بالتناقض والتعقيد، ويبدو إيقاع هذه التحولات والمفارقات، وفي غياب وعي بها وبنوعية المرحلة الدقيقة التي يمر منها المجتمع والتفاعل معها ترتب عنه، ما ترتب من اختلال ميزان الصراع ورجحان كفة السائد وعنفه.
٭ كاتب مغربي
عبدالله المتقي