ليت مقرّ جامعة الدول العربية يُنقل إلى نيوزيلندا!

ونحن نودّع سنة 2016، المشؤومة في نظر معظمنا (عدا أتباع بوتين بيننا بالطبع)، فلنتأمل في أحد الأحداث المُفرحة القليلة التي شهدناها خلال هذه السنة، وقد حصل في أواخر أيامها. الحدث المقصود هو الصفعة التي تلقتها دولة إسرائيل من خلال تبنّي مجلس الأمن في الأمم المتحدة لقراره 2334 الذي ندّد بالمستوطنات الصهيونية في «الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، بما فيها القدس الشرقية»، وذلك بإجماع أعضاء المجلس عدا الولايات المتحدة.
وقد امتنعت مندوبة واشنطن عن التصويت على القرار، لكنّها لم تستخدم حق النقض («الفيتو») للمرّة الأولى منذ القرار 471 الذي تبنّاه مجلس الأمن في 5 يونيو/ حزيران 1980، يوم الذكرى الثالثة عشرة للحرب التي استكملت الدولة الصهيونية خلالها احتلال الأرض الفلسطينية «من البحر إلى النهر» ومعها شبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان. كان آنذاك جيمي كارتر لا يزال رئيساً للولايات المتحدة، وقد تلاه في هذا المنصب في السنة اللاحقة رونالد ريغن الذي دشّن انعطافاً في السياسة الأمريكية لصالح دولة إسرائيل بقيادة اليمين الصهيوني ممثَلاً بحزب الليكود، فوق ما سبق وتميّزت به تلك السياسة من انحياز في الاتجاه نفسه. وهو انعطافٌ أدّى إلى حماية سياسة الاستيطان الصهيونية في مجلس الأمن بصورة مستمرّة بواسطة النقض الأمريكي لأي مشروع قرار ينتقدها طوال السنوات الستة والثلاثين المنصرمة منذ ذلك الحين وحتى 23 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وهو يوم التصويت على القرار 2334.
لكنّنا ومع ذلك، لن نشكر باراك أوباما على ما فعل. فإن انتظاره حتى اللحظات الأخيرة من السنوات الثمانية التي أمضاها في منصب الرئاسة الأمريكية كي يقوم بهذا العمل المتواضع (وهو امتناعٌ عن التصويت وليس حتى تأييداً صريحاً للقرار)، لا سيما أنه حرص قبل ذلك على أن يهبَ الدولة الصهيونية 38 ملياراً من الدولارات سوف تُدفع لها بعد تركه الرئاسة بدءاً من أكتوبر/ تشرين الثاني 2018 وطوال عقد من الزمن، ما فعله أوباما إذن ليس ضرباً من شجاعة الشجعان، بل هو ضربٌ أخير من التخاذل السافل الذي عوّدنا عليه طوال تولّيه منصبه والذي بلغ ذروته في الكارثة السورية التي يتحمّل أمام التاريخ قسطاً هاماً من مسؤولية وقوعها. ولن نكون أقل صرامة في نقدنا للرئيس الأمريكي من ألوف بِنّ، المعلّق في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية المعارضة لبنيامين نتنياهو، حين تهكّم بهذا الأخير ولامه على غضبه إزاء الرئيس الأمريكي:
«إن الشتم والغضب غير عادلين. فعند انتهاء ولايته، يستحق أوباما عضوية فخرية في المجلس المُشرِف على المستوطنات الإسرائيلية كما في اللجنة المركزية لحزب الليكود. أما تأييده المتأخر لقرار مجلس الأمن في الأمم المتحدة قبل حزم حقائبه وتسليم مفاتيح البيت الأبيض لدونالد ترامب بوقت قليل، فينسجم تماماً مع سنوات رئاسته الثمانية التي خلالها لاقت المساعي الأمريكية لحلّ النزاع العربي-الإسرائيلي حتفها… لم يجرؤ أوباما على مواجهة نتنياهو سوى من الموقع الآمن الذي تشكّله مرحلة الانتقال الرئاسية التي تتحرر خلالها القرارات من الاعتبارات السياسية. والحال أن حزبه خسر الانتخابات ولن يكون مطالباً بتطبيق القرار…
لذا فإن شجاعة أوباما السياسية المتأخرة يجب ألّا تثير الإعجاب. فقد هُدرت ثماني سنوات بالكلام الفارغ بينما كانت حكومة إسرائيل اليمينية تسرّع حركة الاستيطان وتستمرّ في محو الخط الأخضر. لقد وعد أوباما بإنهاء الاحتلال، لكنّه بتفاديه المجازفة السياسية والتحركات ذات حظوظ النجاح القليلة، قد وضع حجر الأساس لدولة واحدة [أي لضمّ الأراضي المحتلة سنة 1967 إلى دولة إسرائيل]». (هآرتس، 24 ديسمبر/ كانون الأول)
وإن كان تمرير أوباما للقرار 2334 في مجلس الأمن الدولي لا ينمّ عن بطولة بل عن مواصلة تخاذله السياسي ليس إلّا، ماذا نقول عن تراجع القاهرة عن تقديمها لمشروع القرار بعد اتصال نتنياهو بالرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي (حسب صحيفة «نيويورك تايمس») وعلى الأخص بعد اتصال الرئيس المصري بدونالد ترامب (وليس العكس، حسب وكالة رويترز نقلاً عن مسؤول في مكتب الرئيس الأمريكي المنتخَب)؟ هذا التراجع ليس سوى مقدمة لما ينتظرنا من قِبَل الحكام العرب، سواء الذين راهنوا على دونالد ترامب، أو الذين عوّدونا على الخنوع لمشيئة واشنطن أياً كان الساكن في البيت الأبيض. والحال أن مصر تمثّل حالياً مجموعة الدول العربية في مجلس الأمن الدولي ولم يجرؤ أي من هذه الدول على رفع صوتها علناً وجهاراً احتجاجاً على تراجع القاهرة. ومن اللافت للنظر أن لا سوريا «الممانِعة» ولا عرّابتها إيران، التي لا تفوّت عادةً أي فرصة للمزايدة على الدول العربية في شأن فلسطين، ندّدتا بموقف الحكومة المصرية، وكيف بهما ومصر السيسي قد أخذت تُعاوِن النظام السوري وتسعى وراء اتفاق نفطي مع إيران على خلفية توتّر علاقاتها مع المملكة السعودية، عدوّة إيران.
وأمام التراجع المصري هبّت أربع دول أعضاء في مجلس الأمن لتقدّم مشروع القرار، هي ماليزيا والسنغال وفينزويلا ونيوزيلندا. وقد اقترحت الدول الأربعة على مصر تقديم المشروع برفقتها بحيث تخفّف من مسؤوليتها، غير أن هذه الأخيرة رفضت حتى المشاركة.
وبعد انقضاء المهلة التي أعطتها للقاهرة كي تبدّل موقفها، قامت الدول الأربعة بتقديم المشروع للتصويت. وكم هو شاسعٌ التباين بين موقف مصر وموقف نيوزيلندا على الأخص، التي تبنّت المشروع بالرغم من انتمائها هي الأخرى إلى المعسكر الغربي الذي سوف يترأسّه ترامب بعد أسابيع قليلة ومع أنها لا تمتّ إلى القضية الفلسطينية بصلة غير صلة الأخلاق السياسية. فما بقي لنا سوى أن نتمنّى أن يُنقل مقرّ جامعة الدول العربية إلى نيوزيلندا، وقد تبيّن أن حكومتها أكثر حرصاً على «قضية العرب الأولى» من كل الدول الأعضاء في الجامعة.

٭ كاتب وأكاديمي لبناني

ليت مقرّ جامعة الدول العربية يُنقل إلى نيوزيلندا!

جلبير الأشقر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية