ليست نهاية «الداعشية»

ربما لا يكون من شك في أن شوطا من اللعبة قد انتهى، فالذين استخدموا «داعش» أو ما يسمى «تنظيم الدولة الإسلامية»، قرروا إنهاء الوجود الجغرافي لخلافة «داعش» العبثية، فقد اكتملت استعدادات طرد «داعش» من الموصل في العراق، وكادت تنتهى عملية تصفية إمارة «داعش» في سرت الليبية، وأوشكت عملية طرده من «الرقة» السورية ـ عاصمة الخلافة إياها ـ أن تبدأ، وكما دل سير معارك مماثلة سبقت، فإن «داعش» لا يقاتل كثيرا القوات التي تزحف على المدن، ويترك الجمل بما حمل بسرعة لافتة، ويهرب الداعشيون إلى أقرب وكر صحراوي، ولا يجدون من سبيل غير عمليات التفخيخ والتفجير وقتل المدنيين في عمليات «النكاية» والانتقام الأعمى.
لكن نهاية «داعش» التي نعرفها، لا تعنى نهاية الداعشية، فوراء كل «داعش» تولد دعشنة جديدة، فقد أثرت فترة صعود «داعش» بشدة في تكوين الحركات المسماة بالإسلامية، وسرت حالة «دعشنة» هائلة في قواعدها، وحلت صورة «الخليفة» أبو بكر البغدادي كمثال أكثر إلهاما من قادة الحركات الأخرى، صحيح أنه قد يقتل غالبا، وقد يلقى مصير أسامة بن لادن، حيث لا جثة تبقى ولا قبر منظور، لكن إلهام البغدادي من نوع مختلف، فهو ليس شيخا ولا شبه شيخ، ولا فقيها له جمهور ومريدون، ولا هو مليونيرا أو مليارديرا متدينا على طريقة بن لادن، بل مجرد شاب عادي متدين، انضم إلى حركة «الإخوان المسلمين» لبعض الوقت بشهادة الشيخ يوسف القرضاوي، ثم غادرها إلى قاعدة «الزرقاوي» بعد تجربة سجن قصيرة نسبيا، وإلى أن خلف «أبو عمر البغدادي» في قيادة ما سمي «الدولة الإسلامية» في العراق، وحتى اكتملت القصة التي صارت محفوظة من فرط تكرارها، وقامت دولة الخلافة ـ إياها ـ عابرة ومحطمة للحدود بين العراق وسوريا، وكانت تلك هي نقطة التميز التي احتسبت له في صفوف الشباب «الإسلامي»، فقد جعل من حكم الخلافة حقيقة، ولو لبعض الوقت، وأقام نظاما إداريا يداعب خيال المولعين بالعودة إلى عصور مضت، وباستخدام كثيف متقن لتكنولوجيا العصر الحاضر، وجعل تقاليد قطع الرؤوس وحرق الناس وسبي النساء أكثر جاذبية وحرفية من أفلام هوليوود، وفي تلبية مثيرة لغرائز الشباب وتدلي لحاهم في الوقت نفسه، وهكذا صنعت أسطورة البغدادي، الذي نجهل عنه أكثر مما نعلم، وربما أضاف غموض شخصه إثارة إلى المشهد كله، يصعب أن تتفكك آثارها سريعا بزوال دولة «داعش»، فشخصية البغدادي مغرية بالتكرار والتناسل، وبوسع أي شاب «إسلامي» أن يكون كالبغدادي، والأعداد المتطلعة للدور كبيرة جدا، أولها ـ بالطبع ـ قوافل الداعشيين بالانتظام أو بالمراسلة، وكل جماعات تنظيم «القاعدة» التي تسعى لوراثة خلافة «داعش»، وكل جماعات التكفير السلفي الجهادي كذلك، إضافة لقواعد أوسع نطاقا بكثير في جماعات الإخوان، خاصة أن القيادات الراهنة للإخوان في حالة بلبلة وحيرة، والكثير منها ينحو إلى فك الصلة بقضية استعادة الخلافة، والتكيف مع بيئات وطنية محلية، وإشهار الانفصال عن التنظيم الدولي، كما جرى في الأردن واليمن أخيرا، أو التحول إلى أحزاب ليبرالية بلحى مهذبة، كما جرى في المغرب وتونس، وكلما تقدمت جماعات إخوانية على طريق «اللبرلة» والتكيف المحلي، زاد ميل قواعدها وجمهورها لهجرها والانفصال عنها، وزاد بأس جماعات التكفير «الداعشي»، حتى مع توافر بيئات ديمقراطية وحريات سياسية، وبالضبط كما جرى ويجري في تونس المتفوقة ديمقراطيا، فقد تحولت تونس الصغيرة نسبيا إلى أكبر دولة مصدرة للمقاتلين «الداعشيين» على الإطلاق، في الوقت نفسه الذي جرت فيه تحولات قيادة حركة «النهضة»، وإعلان هجرتها من دار الإسلام السياسي بالجملة، وتحولها ـ كما قالت القيادة ـ إلى ديار «الديمقراطية المسلمة» بأولوية تونسية نهائية ومطلقة.
ولا يعني ذلك أن الديمقراطية ليست مطلوبة، فهي مطلوبة لذاتها، ولدورها الضروري في التطور الاجتماعي، وضمانها للحقوق والحريات غير القابلة للإنكار، لكنها ـ أي الديمقراطية ـ ليست ترياقا ولا شرطا حصريا لهزيمة الإرهاب الداعشي أو غيره، تماما كما أن استيعاب الاعتدال «الإسلامي» لا يضيق المجال بالضرورة على التشدد والتطرف والغلو، فهذه كلها معادلات عكسية افترضتها مراكز الدراسات والأبحاث الغربية طويلا، وثبت بؤسها في الواقع الملموس، فالقضية أعمق من ذلك بكثير في التربة الاجتماعية والفكرية، ودور الإسلام في نهوضنا من الانحطاط التاريخي بحاجة إلى إعادة تعريف، فلا يمكن نفي الإسلام على الطريقة العلمانية الأرثوذكسية، ولا يصح تحنيط الإسلام على الطريقة الدينية المفرطة، والمطلوب شيء آخر، هو أن نعى حدود الفصل والوصل بدقة، فالطابع الثقافي للإسلام المتصل بالعروبة مما لا يصح التنكر له، وقيم الإسلام الكبرى كالعدالة والمساواة والتوحيد تظل مؤثرة بعمق في تكويننا الحضاري، ومبادئ ومقاصد شريعة الإسلام بالمعنى القانوني مما يصح التسليم به في دنيانا، فالإسلام دين ودنيا، لكن معنى الدولة أكبر وأعقد من حصره في صيغ تاريخية مضت وانتهت، فدولة الخلافة ليست نصا دينيا، وإنما كانت شأنا دنيويا له ظروفه التاريخية، وامبراطوريات الأديان قامت عندنا وعند غيرنا في العصور الوسطى، وآخر نماذجها عندنا ـ الخلافة العثمانية ـ انتهت إلى بؤس عظيم وعقيم، صعدت كمجرد حالة تغلب عسكري لا حضاري، وأدى تخلفها الأخير إلى كبح التطور الاجتماعي والتحديثي لمجتمعات وأمم وشعوب العالم الإسلامي، وتركنا فريسة سهلة ميسرة لزحف قوافل النهوض والاستعمار الغربي، وأطفأ أنوار الإسلام الحقيقية الداعية للعلم والمعرفة وكرامة العقل الإنساني، وهذا هو جوهر محنتنا، فتأخر التحديث والتصنيع، والانقلاب على تجاربه، جعل مجتمعاتنا غاية في التشوه، وجعلنا عالة على الآخرين، نستهلك ما صنعوا مع عجزنا عن مجاراتهم، ونكاد نسلم بدونيتنا واحتياجنا إلى حمايتهم، وهو ما يولد ردود فعل محبطة ساخطة، ومناقشات دينية أقرب إلى التطفل على آخرين من نوع مختلف، تترك نهر الإسلام الصافي في قرآنه وسنته المحكمة، وتشرب من ترع ومستنقعات تراث وتفاسير الأقدمين، وتصور أعمال وخطايا الخلفاء غير الراشدين كأنها من أوامر الله، وتستعيد معارك داحس والغبراء، وصراعات السنة والشيعة، كأنها أصول الدين والفروض والطاعات، وكلها من مآسي التأخر العلمي والصناعي، والإلهاء عن واجب الوقت بمعارك طواحين الهواء الدوارة، واصطناع قداسة وثنية لعلماء ومشايخ ليست من الإسلام، فليس في الإسلام سلطة دينية لأحد، والسلطة عمل مدني خالص من صنع الناس، والمجتمعات لا تتقدم بغير التحديث والتصنيع الشامل وأولوية العلم، فالتصنيع هو الذي يخلق طبقة وسطى وطبقات عاملة منتجة حافظة ومطورة لحيوية المجتمع وموازين قيمه، وهو الذي يجعل للديمقراطية قيمة في طلب الكرامة والمساواة، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، والتصنيع مع العدالة الاجتماعية هو وحده الذي يضيق المجال على الإرهاب الداعشي وغيره، ومن دون إخلال بما هو ضروري لحفظ قوام الدولة الوطنية، وامتلاك جيوش تجنيد وطني بقوة كافية لردع مخاطر التفكيك، فالإرهاب ابن الخراب، ويزدهر حيث تغيب قوة الدولة الحديثة العادلة، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وفي غيبة ذلك كله، ومع غلبة اقتصاد التطفل والريع، وانعدام تكافؤ الفرص وتفشي الفساد ويأس الأجيال الجديدة، والدوران في حلقات مفرغة من الخيبة المتصلة، والاعتماد على الآخرين في سلاحنا وحياتنا وسلعنا، فلا أمل في ردع موجات الإرهاب، لا بالولائم الديمقراطية، ولا بالسطوات الديكتاتورية، بل بأن نزرع ونصنع ونتعلم ونحارب ونتحرر ونبنى استقلالنا ونهوضنا في سباق العصر، والوفاء بفريضة استخلاف الله للإنسان، والسعي لاتحاد عربي في القلب الإسلامي، وإلى تضامن فعال سياسيا وصناعيا وعسكريا بين أمم العالم الإسلامي.
ويبقى أن نتذكر ما جرى ونعي درسه، فقد ولدت صيغة «داعش» في العراق، وتفشت بالامتداد إلى سوريا، وهي بنت الاحتلال الأمريكي، وصيغ التفكيك والاحتراب الطائفي، فقد تفكك العراق فعليا، والدور اليوم على تفكيك سوريا، وفي ظروف البؤس، وعلى أنقاض الأطلال، تولد وتتكاثر الصيغ والكائنات الوحشية، ولأن الأمور تظل كذلك حتى إشعار آخر، فسوف تولد «دواعش» جديدة أسوأ من «داعش» البغدادي وأشباهه.
كاتب مصري

ليست نهاية «الداعشية»

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية