انتصر الأسد على الثوار، ونظامه مضمون للأبد. روسيا تعمق تدخلها العسكري في سوريا، وتبعا لذلك السياسي أيضا، وستبقى هناك إلى الأبد. إيران تبعث بمقاتلي الحرس الثوري إلى سوريا كي تقيم فيها قواعد شبه عسكرية، ومنها ينتشر نفوذها إلى الدولة كلها التي ستصبح جريرتها إلى الأبد. مصير مشابه متوقع للبنان: فهو سيكون دولة حزب الله حتى حكم خميني، محوط بالأذرع الطويلة للدب الروسي. هذه صورة الوضع الجغرافي السياسي، بعد سبع سنوات من اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، مثلما ترتسم في وسائل الإعلام الإسرائيلية والدولية، وفي تحليلات الخبراء وفي استطلاعات واستعراضات جهاز الأمن. وهي تلقى القبول لدى الرأي العام، في البلاد وفي الغرب، دون تشكيك.
فاسمحوا لي أن أشكك بها. فالتثبت المزعوم لوجود روسيا، إيران، ونظام الإرهاب الأسدي في سوريا تكمن فيه بذور الشغب لثلاثتهم، وسعير وينتهي بسرعة في أيامنا. فروسيا بقيادة بوتين ستهرب من سوريا قبل أن تغرق في الوحل الشرق أوسطي مثلما هرب الاتحاد السوفييتي من مصر ومن أفغانستان. وقيادة إيران، التي تخاف من انفجار وعاء الضغط للمواطنين المستائين والمحبطين من الاقتصاد المتعذر والفساد المستشري، ستجري حركة «الى الخلف در» وستترك سوريا النازفة لحاله. الأسد لن يبقى.
هذا سيحصل قبل كل شيء بسبب الثمن الدموي الرهيب الذي دفعه ويدفعه الشعب السوري على تمسك الأسد الذي لا هوادة فيه بالحكم. حتى هنا، حتى حسب المعطيات المتحفظة للأمم المتحدة، قتل في أثناء قمع الثورة السورية نحو 490 ألفا من السكان. أكثر بعشرة أضعاف من ضحايا حرب البلقان في التسعينيات. ملايين هربوا من سوريا إلى البلدان المجاورة والى قارات أخرى، ملايين تنقلوا كلاجئين في داخلها. ثلاثة ملايين لا يزالون يعيشون في مناطق محاصرة، منقطعين عن المساعدة. لا توجد عائلة في سوريا لم تعان من القتل، الدمار والمنفى. بأمر الأسد وبغض نظر روسيا حتى قبل وقت قصير يتواصل استخدام السلاح الكيميائي على أنواعه.
في الأسابيع الأخيرة، يعربد جنود الأسد «سكرى النصر» في ضواحي دمشق في مساعيهم للتصفية الجسدية لما تبقى من مقاومة ديمقراطية للنظام. وفي اثناء أيام قليلة قتل في ضاحية الغوطة نحو 500 مواطن، بينهم 100 طفل. حمام الدماء صور ووثق، وهو ينشر في الشبكات الاجتماعية وفي وسائل الإعلام الجماهيرية، بما فيها في الدول العربية. بما فيها في إيران.
صحيح أن العالم المتنور لم يتدخل بالقوة ولم يمنع المذبحة، ولكن من يعتقد بأن الجراحات ستندمل من تلقاء نفسها مخطئ. حساب الدم سيتم. دم الأطفال سيصرخ من الأرض، والأرض في دمشق لن تسكت.
وثمة أيضا الحساب العسكري ـ الاقتصادي. بسببه روسيا ستكون مستعدة أكثر من أي وقت مضى لأن تضحي بالأسد، رغم مناوراتها الدبلوماسية في مجلس الأمن. في الليلة التي بين 6 و 7 شباط أجرت كتيبة من نحو 300 «متطوع» روسي هجوما مفاجئا في شرق سوريا على قيادة مشتركة لقوات مساعدة أمريكية وثوار ديمقراطيين سوريين. وحسب تحقيق أجرته صحيفة «واشنطن بوست» أقر الكرملين الهجوم. وقد صد بسرعة، بينما خلف «المرتزقة» الروس وراءهم نحو 100 قتيل. لم يصب أي أمريكي بأذى. في ذاك الأسبوع سمح الكرملين للإيرانيين في سوريا بإطلاق طائرة بلا طيار إلى إسرائيل، وهنا أيضا النتيجة ـ تدمير الدفاع الجوي السوري الروسي ـ ما كان يمكن أن تلقى الفرح في بلاط بوتين. نضيف إلى ذلك موجة الاحتجاج ضد المذبحة في الغوطة، والتي تصل أيضا إلى موسكو، وقرار بوتين ترك الأسد والقائه إلى الكلاب هو مجرد مسألة وقت.
إيران هي الأخرى ستخرج من التدخل العسكري في سوريا. وحسب مصادر أوروبية، تتبين من استطلاعات الرأي العام التي تجرى هنا معارضة جارفة ومتزايدة من الجمهور الإيراني لهذا التدخل. حزب الله أصبح المنظمة الأكثر كرها لدى الجمهور الإيراني، والأسد رئيس الدولة الأكثر كرها؛ الدعم الحكومي لهما يعد عبئا اقتصاديا وأخلاقيا لا يطاق.
ليس للإمبريالية الروسية والإيرانية الجديدة أي إسناد في بلادهم، والآن ليس لهم أيضا مبرر استراتيجي. وقيادات الدولتين باتت تعرف هذا؛ وهي تبحث عن سبيل دبلوماسي غير مهين جدا كي تنسحب. دون دعمهم، سيسقط الأسد. فمثل كل الطغاة في التاريخ، كلما شعر آمنا أكثر هكذا يكون آمنا أقل. المذبحة بحق أطفال دمشق تسرع نهايته.
سيفر بلوتسكر
يديعوت 25/2/2018