ليس متأخراً أن تستيقظ من «اليقظة»!

حجم الخط
0

في مقالة طويلة نشرت على قسمين في ملحق «هآرتس» (13 و 20/4) يطلق الكاتب أ.ب يهوشع فكرة تقسيم البلاد التي تقع بين البحر والنهر إلى دولتين، ويقترح أن نتبنى بدلا منها نموذج الدولة الواحدة. في بداية اقواله يعرف نفسه بأنه عمل بلا كلل من أجل حل الدولتين على مدى خمسين سنة، لكن الآن في الوقت الذي فيه مفهوم «دولة فلسطينية» يتحول بالنسبة له إلى مفهوم دائم سواء في الاجزاء الواسعة في الخطاب السياسي الإسرائيلي أو في اوساط معظم الدول (من الهند وحتى افريقيا) يتضح له أن حلم الدولتين «لم يعد يمكنه التحقق في الواقع وهو يستخدم فقط كغطاء مضلل ومخادع للزحف البطيء ويعمق وجود الاحتلال الشرير والابرتهايد القانوني والاجتماعي».
اولاً، من الجدير تهنئة يهوشع لأنه في الفترة التي فيها وصلت العنصرية المسيحانية في دولة نتنياهو إلى أبعاد فظيعة، يستجمع فيها قوته من أجل صياغة حلم المستقبل الانساني والمتساوي في أساسه الذي في مركزه شراكة ثنائية القومية بين شعبي هذه البلاد، إسرائيل ـ فلسطين. ولكن المشكلة هي أن تحليل واقع الماضي والحاضر الذي يقود يهوشع إلى هذا الحلم المستقبلي، يستند إلى تشخيصين خاطئين، بسببهما ليس فقط أن الكتلة «ثنائية القومية» لا يتوقع أن تخدم هدفه المعلن في خفض معاناة الفلسطينيين و«انقاذ انسانيتنا وانسانية الفلسطينيين الذين يوجدون في داخلنا».
نبدأ من الماضي، كما أسلفنا، يهوشع يعلن أنه منذ حرب الايام الستة يعد من المقاتلين الذين لا يكلون من أجل تطبيق حل الدولتين. ولكن هذا الادعاء صحيح بصورة جزئية فقط. صحيح أنه خلال عشرات السنين قام يهوشع بدور هام في أوساط المثقفين في معسكر السلام الإسرائيلي، أيد علنا الاعتراف بـ م.ت.ف كممثلة للشعب الفلسطيني، وأيد التفاوض مع الفلسطينيين على اساس صيغة «الاراضي مقابل السلام». مع ذلك يجب الاعتراف بأن النضال الفعال ضد نمو وتوسع مشروع الاستيطان في الضفة الغربية ـ احد العوامل الاساسية، الذي يمنع الآن حسب يهوشع نفسه تحقيق حلم الدولتين ـ لم يكن في مركز الفكر الوطني ليهوشع في الجيلين الاخيرين.
المؤرخون في المستقبل للمجتمع الإسرائيلي في هذه الايام والذين يريدون معرفة اسهام يهوشع في التفكير القومي الصهيوني الحديث، سيركزون بشكل طبيعي في المقام الاول على كتابه القوي «لصالح الطبيعية: خمسة مقالات في مسائل الصهيونية» (1980) ـ الذي يعتبر هوية ثقافية ليهوشع كمفكر وطني سياسي ـ اجتماعي. وهنا رغم أن دعمه المبدئي لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ظاهر في كتابه، إلا أننا لا نجد فيه تحد واضح لمشروع الاستيطان (الذي في السنة التي نشر فيها كتابه شمل حسب معطيات بتسيلم 53 مستوطنة فيها 12.500 مستوطن).
هذا التحدي كان مطلوبا بصورة واضحة. يهوشع دعا في هذا الكتاب (وعلى مدى عشرات السنين بعد ذلك) ـ استمراراً للصهيونية الهرتسلية ـ إلى استكمال التطبيع السياسي ـ الاجتماعي للشعب اليهودي والتخلي إلى الابد عن فكرة الاستثنائية الذاتية اليهودية التي تمنع اندماج اليهودية القومية الإسرائيلية كجزء لا يتجزأ من الإنسانية. ولكن ليس هناك خرق اوضح لمبدأ الطبيعية الوطنية من اسكان مواطني الدولة خارج حدودها السيادية، داخل مجموعة سكانية وطنية اجنبية، من خلال جهد مصمم و«عصابي» (اذا اردنا استخدام مفهوم يهوشع فيما يتعلق بالمنفى) لتخيل الدولة الإسرائيلية السيادية كـ «دولة في الطريق»، نوع من الكيان الهجين الشاذ، بين دولة قومية شرعية وحركة قومية مسيحانية تقف فوق القانون الدولي. هذا خطأ، يهوشع اختار عدم الاستجابة للتحدي المحلي والآني الذي وقف أمام رؤية الطبيعية القومية الصهيونية له، وفضّل محاربة حرب عفّ عليها الزمن واكثر راحة ضد «المنفى». اضافة إلى ذلك عندما طلب منه التعامل مع موضوع «المناطق» في المقال المذكور اعلاه فقد اضطر إلى الاعتراف بأن رؤية ارض إسرائيل الكاملة يمكن أن تكون مقبولة لأن مؤيديها حسب رأيهم قدموا تنازلا ليس سهلا لأنهم وافقوا على التخلي عن حلم الدولة في ضفتي الاردن. هكذا عبر بصورة غير صحيحة عن موقف امتثالي تماما تجاه الرؤية الاستيطانية، لهذا فإن طرحه الذاتي كمؤيد صلب لحلم الدولتين يعاني من مبالغة ليست قليلة.
ربما أن نقص المعرفة الذاتية ليهوشع لدرجة التردد والامتثالية في آرائه السابقة ازاء التحدي الاستيطاني هو الذي لا يمكنه من الاعتراف بأن مواقفه في الحاضر ايضا ـ وهنا التشخيص الخاطيء الاخر في مقاله ـ لا تعارض في الحقيقة الخطاب الوطني المهيمن الموجود اليوم. في المقال الحالي له يدعي يهوشع ان اقتراحه للدولة الواحدة يهدف إلى تحدي الرؤية المقبولة اليوم في إسرائيل والمجتمع الدولي المؤيدة لاقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. ولكن الواقع هو تقريبا العكس. في أيام مملكة نتنياهو الرائعة حيث الزعيم غير المشكوك فيه لإسرائيل المحتلة والاستيطانية اعلن بوضوح انه على الاكثر يوافق على «اعطاء الفلسطينيين أقل من دولة» فإن مفهوم «الدولتين» آخذ في التلاشي من القاموس السياسي الحديث، وبنفس الدرجة فإن رئيس الدولة العظمى الافنغلستية الأمريكية يظهر اكثر فاكثر من الدلائل على الانسحاب الواضح من فكرة الدولتين. وحتى الاتحاد الاوروبي لا يخرج بصورة صريحة ومصممة ضد مشروع الاستيطان.
مقابل كل ذلك يطرح السؤال من هي الجهة التي يخدمها أكثر من أي جهة أخرى، تخلي يهوشع عن فكرة الدولتين. يبدو أن جواب هذا السؤال مفهوم ضمنا، هناك القليل من الرمزية في أنه إلى جانب الجزء الثاني من مقال يهوشع في هآرتس، استوطن على صفحات ملحق هآرتس شخص ليس سوى شمعون ريكلين (في مقابلة لهيلو غلزر) من المتحدثين المتعصبين لاسم الباسودو الصهاينة المسيحانيين المستوطنين، الذي يعبر عن النقيض الكامل للرؤية الطبيعية للصهيونية السياسية ـ وهي الرؤية التي طرحها هرتسل والتي اختار يهوشع أن يبقيها غير كاملة.
حقا إن الريكليين والسموتريتشيين، كل هؤلاء الذين يشوهون الصهيونية الحديثة، والذين بقايا اليسار الصهيوني يفضلون للاسف ان لا يواجهونهم ايديولوجيا ـ هم الاوائل للتصفيق ليقظة يهوشع وامثاله من «هذيان الدولتين»، والتلويح باقواله لتشجيع جمهور مؤيديهم الذي يتسع اكثر فاكثر ويسير في طريق الضياع نحو دولة الابرتهايد.
ولكن ما زال الوقت غير متأخر للاستيقاظ من «أحلام اليقظة». بامكان يهوشع التراجع. ويستطيع ان يستكمل المنطق الداخلي لرؤية الطبيعية القومية خاصته، من خلال وضعها بصورة واضحة على اساس النضال ضد خلق الهدم الذاتي الاستيطاني الذي يقضم الصورة الإسرائيلية الرسمية، وأن يعيد رفع علم الدولتين مجددا. عليه فعل كل ما في استطاعته ليس لأن حل الدولتين هو اكثر واقعية من حل الدولة الواحدة، بل لانه يعبر بصورة اكثر صحة سواء عن مبدأ المساواة العادلة لحق تقرير المصير للشعبين ـ الإسرائيلي والفلسطيني ـ أو مبدأ التطبيع الذاتي للحلم السياسي الصهيوني بشأن دمج القومية اليهودية الحديثة في أسرة الشعوب الحرة التي تحافظ على «قانون الشعوب» ـ هذان المبدآن الاساسيان اللذان نأمل أن يستمر يهوشع بالايمان بهما. هل سيكون من المبالغ فيه أن نتوقع من مفكر كبير مثله أن يكون صادقا مع نفسه وأن لا يخدم الاعداء والمخربين لحلم الطبيعية الوطنية الصهيونية، الذي كان دائماً عزيزاً عليه؟

هآرتس 27/4/2018

ليس متأخراً أن تستيقظ من «اليقظة»!
لقد تخلى يهوشع عن فكرة الدولتين التي ناضل من أجلها كما يقول طوال حياته
دمتري شومسكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية